"يوماً ما، ولد": فيلمٌ سينمائي جميل ومؤثّر
عربي
منذ يوم
مشاركة
بعيداً عن تحديد واضح لثنائية المكان والزمان، يروي "يوماً ما، ولد" (2026، 27 د.) للّبنانية ماري ـ روز أسطا، الفائز بالدب الذهبي ـ أفضل فيلم قصير، بالدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي (برليناله)، حكاية مُراهق (11 عاماً) يُقيم مع عمّه في منزل، بناؤه غير منتهٍ. تفاصيل قليلة تقول إنّ المكان قرية، والزمان حربٌ، فأصوات الطائرات الحربية حادة وقاسية، كقسوة الحرب نفسها وحدّتها، وإنْ تبقى الحرب غير مُشَاهَدة مباشرة. الإيحاء بالحرب متأتٍ أساساً من تلك الأصوات فقط، فلا صواريخ تنفجر، ولا رصاصاً يُلعلع، ولا إسعافاً يحاول إنقاذ جريح من موت. أمّا ظهور رجال، قبيل النهاية، يرتدون الأسود كما الليل، وسياراتهم رباعية الدفع، فلعلّه يُشير ضمناً إلى جهة أمنية مدنية، متداول حضورها في واقع البلد. وإلاّ، ما معنى زيارتهم الليلية تلك للعمّ، لسؤاله عن صحّة ما يقوله علي بخصوص القوة الخارقة لصديقه المُراهق، التي تُسقط طائرة أو أكثر؟ المُراهق (خالد محسن) متمرّد، إذْ يبدو الغضب فيه كثيراً، ويظهر مواربة أحياناً، ومواجهاته مع عمّه الستينيّ (أنطوان ضاهر) تؤكّد خللاً في العلاقة بينهما، فللمراهق قوة غير طبيعية تجعله يمارس أشياء لن يرضى عليها العمّ، وأحوال المنطقة (في نشرة إخبارية إذاعية، يُذكر اسم عكار مراراً، وهذه محافظة في شمال لبنان، قريبة من طرطوس وحمص السوريتين، في الشمال والشمال الشرقي) متوترة بسبب حربٍ غير ظاهرة مباشرة، وأصوات الطائرات تقول إنّ عدواً "يسيطر" على البلد، والقوة غير الطبيعية للمُراهق قادرة، وحدها، على المواجهة والتحدّي، إذ بفضلها يتمكّن من إسقاط إحداها.     لا قصة تُروى بتسلسل، ولا مسار يشي بسردٍ يُراد منه هدفاً محدّداً. فـ"يوماً ما، ولد" مكتفٍ بتفاصيل وحالات، بعضها مستلّ من واقع وحياة وانفعالات، تُركَّب على شخصية أساسية تمرّ في مرحلة عمرية صعبة (المُراهقة)، بغياب الوالدين (لن يكون مهمّاً معرفة سبب غيابهما، رغم أنّ العمّ ينهر المُراهق، في لحظة مواجهة بينهما، طالباً منه الصلاة لوالدته). والعمّ، إذْ يُقيم في منزل غير مكتمل بناؤه، يحاول لملمة ذاته وروحه وعيشه، لكنّ العلاقة المتوترة بالمُراهق تكاد تحول دون هناء عيشٍ، والحرب تُضيف مُصيبة على مصاعب يومية. للصوت (تصميم: ماريوس ليفتراش ولما صوايا وماريان بالان وفيكتور ميو، ميكساج: صوايا وليفتراش) دورٌ أساسي، خاصة في تحويل صوت الطائرة العسكرية، المحلّقة على علو منخفض، إلى شبيهٍ بسيفٍ يقطع رؤوساً ونفوساً. هذا غير مانعٍ التنبّه إلى جمالية التقاط أصوات قرية، يُفترض بها أنْ تكون هادئة، وأنْ تعيش بسلامٍ وطمأنينة. فتلك الأصوات، المرتبطة بحياة ريفية، تُكمِل رسم الديكور البصري لحبكةٍ تتحرّر من كلاسيكية تشكيلها. إشارات مختلفة تعكس واقع بلد، مُصاب بأعطابِ حربٍ وخرابٍ وارتباكات: بناء غير مكتمل، ألعاب موؤودة لمُراهقين، غلبة صمت، ارتباك علاقات، إلخ. لكل منها معنى، أو أكثر. لكنّ مشاهدة "يوماً ما، ولد"، بصفته فيلماً سينمائياً جميلاً وحسّاساً، كافيةٌ.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية