عربي
الطائرات المسيّرة تلعب دوراً متنامياً في الحرب على إيران، وتتقاطع تقديرات عسكرية حول احتلالها في نزاعات القرن الحالي العسكرية، موقع الدبابة في القرن العشرين. ومن الملاحظ أنها احتلت موقع الصدارة بوصفها سلاحا فعالا خلال العامين الماضيين في حرب روسيا على أوكرانيا، حيث جرى استخدامها على نطاق واسع من جانب الطرفين. وصعدت الطائرات المسيّرة بسرعة شديدة من سلاح داعم، إلى رئيسي. وبعدما شاركت في المرحلة الأولى أداة رصد وتصوير ونقل للمعلومات من جبهة الخصم، صارت تستخدم في الضربات الدقيقة، وإلحاق أكبر قدر من الخسائر بكلفة مادية محدودة. وبفضلها نجحت القوات الأوكرانية في تقليل المخاطر على المدنيين، من خلال إجراء عمليات المراقبة والاستطلاع باستخدام أنواع بعيدة المدى قادرة على التحرك بسرعة عالية. وهي لا تحتاج سوى إلى برمجة ومنصة إطلاق، ومن ثم تتكفل بإنجاز العمل لوحدها من دون تدخل.
وحوّلتها هذه المزايا إلى ميدان تنافس بين روسيا وأوكرانيا، وكانت موسكو السباقة في استخدامها الواسع بسبب خسائرها العسكرية الكبيرة، وصعوبة تحركها على الجبهات الأوكرانية. وفي عام 2023 هيمن هذا السلاح على الحرب. وفي الوقت الذي اعتمدت فيه روسيا على الطائرات المسيّرة المستوردة من إيران، زادت أوكرانيا إنتاجها المحلي بشكل كبير. وصرّح مسؤولون حكوميون أواخر 2023 بأن البلاد تهدف إلى إنتاج مليون طائرة مسيّرة سنوياً بحلول عام 2024، لكنها تجاوزت ذلك بأكثر من ضعفين. وفي عام 2025 وحده، نشرت أوكرانيا 3.6 ملايين طائرة مسيّرة، واتخذت قراراً بتوسيع إنتاجها، الأمر الذي مكّنها من إنشاء جدار من الطائرات المسيّرة على طول خطوط المواجهة، تسبّبت بحوالي ثلاثة أرباع إجمالي الخسائر الروسية.
في المقابل، استخدمت روسيا مسيّرات بعيدة المدى، قادرة على الهجوم من مسافة تصل إلى 2000 كيلومتر على نطاق واسع لاستهداف البنية التحتية للطاقة الأوكرانية. وتلقت روسيا في هذا المجال دعماً من حلفائها، بما فيهم الصين وإيران، اللتان قدّمتا مكونات حيوية إلى جانب المخططات الأساسية لتصاميم الطائرات المسيّرة. وقد تزايد استخدامها للطائرات المسيّرة ذات الألياف الضوئية، التي يتم التحكم بها من المشغل، وهي تمتاز بأنها محصّنة ضد تقنيات التشويش، ويصعب اعتراضها للغاية، وهذا ما يفسر الأضرار الكبيرة التي ألحقها الجيش الروسي بشبكات الطاقة والمواصلات في عموم أوكرانيا.
أسراب من الطائرات المسيّرة
كشفت الحرب الأوكرانية الفارق في قدرات كل من الصين وإيران في هذا الميدان. وبدا واضحاً تفوّق الصين، بفضل قدرتها التكنولوجية في توظيف الذكاء الاصطناعي لصناعة طائرات بعيدة المدى قادرة على التخفي. ويعمل المخططون العسكريون على تطوير طائرات مسيّرة قادرة على العمل في أسراب، وأنظمة استهداف ذاتية التشغيل، وكذلك طائرات مسيّرة بحرية بعيدة المدى، مما يُشير إلى ميل الصين للتركيز على الحرب التي تتمحور حول الطائرات المسيّرة، بينما تستخدم إيران الطائرات المسيّرة لتعويض ضعف قواتها الجوية، وتفتقر لخصائص الدفاع الذاتي، وضعف موثوقيتها في بعض الأحيان.
بادر العديد من أعضاء "ناتو" إلى إنشاء مراكز ابتكار للطائرات المسيّرة وبرامج تطوير لتوحيد تكتيكات الأسراب
ومع ذلك، أثبتت المسيّرات الإيرانية جدواها بوضوح في أوكرانيا، لدرجة أن روسيا استثمرت ملياري دولار في إنشاء مصنع مُخصص لإنتاج هذه الطائرات المسيّرة التي تُطلق عليها اسم "غيران-2"، ومن بين ميزات الطائرة الإيرانية "شاهد" أنها تُحلّق ببطء وعلى ارتفاعات منخفضة، ما يُصعّب على أنظمة الدفاع الجوي الحديثة رصدها. إذ تقوم أجهزة الرادار عادةً بتصفية الأجسام بطيئة الحركة لتجنب الإنذارات الكاذبة من الطيور أو الطائرات المدنية، مما يُصعّب تحديد الطائرات المسيّرة البطيئة المماثلة.
هناك من يجزم بأن الأنظمة العسكرية الجديدة التي لا تعتمد على العنصر البشري، باتت تشكل مستقبل الصراعات في أوكرانيا وروسيا وحلف الأطلسي والصين. وشهدت الحرب في أوكرانيا أول استخدام واسع النطاق للطائرات المسيّرة الأصغر حجماً من جانب القوات الأوكرانية والروسية لجمع المعلومات الاستخباراتية في الوقت الفعلي والمشاركة في القتال المباشر، مما يُظهر التنوع التكتيكي لهذه الأنظمة في النزاعات المعاصرة. وبالتالي، لا يقتصر الأمر على امتلاك هذه الأجهزة فحسب، بل على القدرة على تطويرها، والتكيف معها بأسرع وقت، وبناء دفاعات حصينة ضد التهديدات الجوية. ومع ذلك، فإن المصطلح، الذي يتردد على نطاق واسع هو الحرب "غير المتكافئة"، الذي ظهر خلال مجريات الحرب الروسية على أوكرانيا، وكان النقاش يذهب نحو الطائرات المسيّرة، التي تُساعد الطرف الأضعف في الحرب، وهذا ما ينطبق على إيران اليوم التي تواجه قوة عسكرية تقليدية هائلة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
موارد ضخمة لصدّ مسيّرات "شاهد"
حتى الآن، تطلق إيران مئات طائرات "شاهد" المسيّرة بهدف إضعاف أنظمة الدفاع الجوي لإسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما في الشرق الأوسط، وإلحاق الضرر بالمنشآت الحيوية. ورغم اعتراض معظمها، فإن ذلك يتطلب موارد ضخمة من دوريات جوية مضادة شبه متواصلة، واستخدام أنظمة دفاع جوي أرضية عالية الكلفة تُستخدم عادةً لاعتراض الصواريخ الإيرانية. وعلى الرغم من حرب الطائرات المسيّرة وجدوى استخدام الكميات الكبيرة بتكلفة منخفضة مقارنةً بالدقة العالية بتكلفة باهظة، يبدو أن الأسلحة التقليدية هي المهيمنة في المراحل الأولى من الحرب. لكن إذا طال أمد الصراع، فستصبح قيود الموارد عاملاً أكثر أهمية؛ وتشير بعض التقارير إلى أن إمدادات أميركا من صواريخ الدفاع الجوي قد تواجه نقصاً، مما قد يُضاعف من أهمية الطائرات المسيّرة.
ونظراً للاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة من طرف أوكرانيا وروسيا، وتطويرها سلاحا فعالا من جانب الصين، بادر العديد من أعضاء حلف شمال الأطلسي "ناتو" إلى إنشاء مراكز ابتكار للطائرات المسيّرة وبرامج تطوير لتوحيد تكتيكات الأسراب، وتنسيق الذكاء الاصطناعي، والاتصالات المرنة. وفي النزاع الحالي مع إيران يستخدم الجيش الأميركي طائرة "لوكاس" الانتحارية، التي تعتمد نظام تشغيل ذاتي منخفض التكلفة. وللمفارقة، فإن تصميمها اعتمد نفس تصميم "شاهد 136" الإيرانية، وصنعتها شركة "سبيكتر وركس" الناشئة ومقرها أريزونا. وتفيد التقارير بأن الجيش الأميركي أدرك، خلال تطوير تدابير مضادة لطائرة "شاهد 136" المسيّرة، أن استنساخ الطائرة سيكون أكثر فعالية من ابتكار منتج جديد. يعكس هذا النهج استراتيجية وادي السيليكون للابتكار التكنولوجي السريع من خلال المحاكاة. وصرّحت لورين كان، الباحثة في جامعة جورجتاون، لصحيفة نيويورك تايمز أخيراً: "هذه هي المرة الأولى منذ بدايات الحرب الباردة التي ترى فيها الولايات المتحدة سلاحاً للعدو وتقرر: نحن بحاجة إلى واحد مثله، فتقوم ببساطة بتصنيعه".
ونشرت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) على وسائل التواصل الاجتماعي بعد بدء الحرب: "هذه الطائرة المسيّرة منخفضة التكلفة، المصممة على غرار طائرة شاهد الإيرانية، تُستخدم الآن للرد الأميركي على إيران". ومن المعروف أن الولايات المتحدة ليست جديدة على هذا السلاح، حيث استخدمت خلال العقدين الماضيين الطائرات المسيّرة على نطاق واسع في عمليات مكافحة الإرهاب، في مناطق مثل العراق وسورية وأفغانستان وباكستان واليمن، مُبرزةً قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة مع تقليل المخاطر على القوات الصديقة.
الابتكارات في الأنظمة غير المأهولة تُحدث تغييراً جذرياً في أساليب إدارة الحرب الحديثة
وتُقدّر تكلفة إنتاج كل من نظامي "لوكاس" و"شاهد-136" حوالي 35 ألف دولار أميركي. ورغم أن الصواريخ تتمتع بنسبة نجاح أعلى بكثير لإصابة الهدف، إلا أن نشرها مقيّد بالتكلفة. وبالتالي، تُمثّل الطائرات المسيّرة، منخفضة التكلفة رؤيةً جديدةً في الحروب الحديثة؛ فالحجم مهم، والتكلفة حاسمة، والدقة الكافية تُحقق مزايا كبيرة. ويبرهن ذلك أن الابتكار التكنولوجي لا يسير في اتجاه واحد من الدول المتقدمة إلى الدول الأقل تقدماً، بل يُبين أن الابتكارات الجديدة تنبع من مصادر متنوعة.
تغيير جذري في أساليب إدارة الحرب
يبقى الدرس المهم من الحرب في أوكرانيا، أن الابتكارات في الأنظمة غير المأهولة تُحدث تغييراً جذرياً في أساليب إدارة الحرب الحديثة. لذا تركز وزارات الدفاع على الفرص والتحديات التي توفرها الطائرات المسيّرة، وذلك لتوجيه عقيدتها وتخطيطها، فضلاً عن الاستثمارات المستقبلية في هذه التقنيات، التي قد تُحدث تأثيراً غير متكافئ في ساحة المعركة. ويجري النظر باهتمام لتجربة أوكرانيا التي طورت استراتيجيات وابتكارات لحماية نفسها، ومن ذلك تقنيات ذات استخدام مزدوج، منها الطائرات المسيّرة البحرية، أو المركبات البحرية غير المأهولة، لتعويض افتقارها إلى أسطول بحري عامل في صراعها مع روسيا. وقد تم تكييف هذه المركبات السطحية غير المأهولة، ونشرها في منطقة البحر الأسود، مستهدفةً مواقع استراتيجية مثل سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم، وتوسيع نطاق عملياتها ليشمل نوفوروسيسك، مما يُظهر قدرتها على تجاوز الدفاعات الروسية، وتشكيل تهديدات كبيرة للأصول البحرية الروسية. ومن خلال الاستفادة من بدائل جاهزة وفعّالة من حيث التكلفة، أخلّت أوكرانيا بتوازن القوى في البحر الأسود، مستهدفةً سفن الأسطول البحري الروسي المتطورة والمكلفة.
