عربي
عندما كنتُ مع عائلتي نازحين في مدينة رفح، بالقرب من حدود فلسطين الجنوبية مع العالم الآخر، وعلى مقربة أمتار قليلة من عالم ما بعد الحصار الخانق على غزّة، كنتُ أقيم بصفتي نازحة فقدت البيت وكل ما فيه، لتنتقل إلى بيتٍ ليس لها في أقصى الجنوب من القطاع. وهناك التقيتُ ربّة البيت التي عزّزت لديّ قناعةً سابقة بأن المرأة الفلسطينية خارقة، وحوَّلتني من قائمة التعميم إلى قائمة التخصيص؛ لكي أقول لنفسي مثلًا إن المرأة "الرفحيّة" خصوصاً مبدعة في وقت الأزمات. ويمكن أن تقول: المرأة الغَزّيّة، وأنت في وسط قطاع غزّة، ليعرف من يستمع إليك أنك تتحدّث عن نساء مدينة غزّة خصوصاً، وتحديداً اللواتي ينحدرن من عائلات أحياء غزّة القديمة، مثل الشجاعية والزيتون والصبرة. ولذلك حين أتحدّث عن إبداع المرأة الرفحيّة أقصد نساء مدينة رفح اللواتي ارتبطن بالأرض في تلك البقعة المميّزة، فتحوَّلن ساحراتٍ مُدبِّرات، وخصوصاً في وقت الأزمات.
في يناير/ كانون الثاني من العام 2024، وحيث كانت التهديدات تتزايد باجتياح مدينة رفح، بدأ الشحّ في كل المواد الغذائية يلوح في الأفق، فيما ارتفعت الأسعار بشكل جنوني. وبات كل ما نملكه القليل من الطحين. لكن تلك المرأة، التي تقول إنها كانت تمضي ليلها وهي تفكّر كيف ستدبّر وجبة النهار لهذه الأفواه الجائعة حولها، استطاعت أن تبوح بسرّها ومخاوفها للأرض المحيطة بالبيت، والتي تنبت فيها أشجار وحشائش تعرف بعضها وتجهل أكثرها. حتى إذا ما انبلج الصبح، سابقت قطرات الندى فقطفت بعض الحشائش التي تعتقد، لو رأيتها للمرّة الأولى، أنها لا تصلح سوى طعام للماشية. لكنها قطفتها بعناية لكي لا تختلط بحشائش من فصيلة نباتية أخرى، ونظّفتها وغسلتها جيّداً، ثم طبختها مع قليل من الماء والبصل، وأسبغت عليها بكرم فائق الكثير من التوابل والبهارات. حتى إذا ما جاء وقت الظهيرة، وأدرك الجمع أن الجوع لن يسكت مهما حاولوا إخماد صوته، سكبت ذلك الخليط الساخن فوق نار الحطب في أطباقٍ صغيرة، ودفعت به أمامنا، وطلبت منا أن ندسّ ملاعقنا بداخله ونخبرها عن جودة مذاقه.
لم تنسَ أن تُلقي داخل الخليط العجيب حفنة أخيرة من الأرز، لكنّ الطعم النهائي كان خُرافيا بالمعنى الحرفي؛ إذ كان يشبه مذاق حساء لحم الضأن كثير الدسم. وقد أفرغ كل واحد طبقه وأخلد لنوم عميق في ساعات الظهر، حين كان الناس قد ملّوا من التجوال بين الخيام والبيوت القليلة، ولم يبقَ في الأجواء إلا صوت طائرة الاستطلاع التي تطلق طنينا معدنيًا اعتاده الناس منذ زمن، فلم يمنعهم ذلك من نوم القيلولة.
هنا، وفي هذا الموقف، وبعد أن أصبح هذا الحساء وجبتنا اليومية الوحيدة في الأيام الأخيرة التي قضيناها في مدينة رفح، أيقنت تماماً أن الفلسطينية هي المرأة العابرة لكل الأزمات؛ لأنها تنفض فعليًاً غبار الحرب عن وجه الجوع، وعن صفرة بشرة الأطفال، وعن ألم الكبار الصامت بدموع متحجّرة في المآقي. وأنها اليد المرتعشة تعباً التي تزرع فوق الركام فسيلةً من أمل، وأنها الشمعة التي تُضيء عتمة الخيمة من بريق عينيها، فيما تُخفي حلم الصغار بيوم أجمل في قلبها حين يدهمها النعاس بعد تعب، وحين تترك القلب الذي لا يعرف سوى أن يمنح الحب ليكون طوقا للنجاة. فهي تتركه لكي يرتاح قليلاً، حتى تستيقظ في فجرٍ دامٍ آخر، لكي تجدّد الحكاية، وتصرّ أن تبقى حكاية كل يوم، وتشرع في غزل سطر جديد في شال ملوّن ستلقيه على كتف تاهت من فرط الألم.
المرأة الفلسطينية عامّة هي امرأة البهاء في كل يوم، وليست امرأة يومٍ من آذار، وهي جبل المحامل التي لا تُكتب حكايتها بالحبر، لأنها منسوجة من خيوط الصّبر والكرامة؛ فلا ينقض غزلها أبدا مهما هبَّت وزمجرت عواصف الحرب ورياحها.
