عربي
يردد المسؤولون في الصين أن اتساع الحرب التي تفجّرت بالحملة الأميركية الإسرائيلية على إيران وطاولت المنطقة، ليس في مصلحة أي طرف، كما لم تخف بكين رغبتها في بذل جهود للوساطة، لكنها في نفس الوقت تراقب عن كثب التداعيات الاستراتيجية للحرب، لا سيما حجم تورط الولايات المتحدة فيها وكيف يخدم ذلك مصالح الصين من خلال حرف التركيز الأميركي عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، واستنزاف الترسانة العسكرية الأميركية.
وضمن مصالح الصين من الانخراط الأميركي بالحرب، يرى مراقبون صينيون أن واشنطن استثمرت موارد كبيرة، مادية وعسكرية، خلال الأيام الأولى من الحرب، وحركت حاملات طائراتها الضخمة باتجاه الشرق الأوسط، كما نقلت منذ حرب يونيو/ حزيران العام الماضي، بطاريات الدفاع الجوي من محيط الصين في اليابان وكوريا الجنوبية، باتجاه سواحل البحر الأبيض المتوسط.
في السياق كشف تحقيق أجرته صحيفة وول ستريت جورنال، السبت الماضي، عن أن الجيش الأميركي يواجه معضلة استراتيجية خطيرة، فبينما تستثمر واشنطن موارد هائلة في حرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران، فإنها تستنزف مخزونها من الذخائر المتطورة بسرعة. وحسب ما ورد في التحقيق، فإنه في أول 100 ساعة من النزاع الحالي وحدها، أطلقت القوات الأميركية أكثر من ألفي قذيفة على أهداف إيرانية. لكن هذه الأسلحة الباهظة والمعقدة هي تحديداً ما تحتاجه الولايات المتحدة لردع أكبر تهديد لها؛ الصين. ونقلت الصحيفة الأميركية عن خبراء قولهم إن السعي وراء نصر تكتيكي قصير الأجل في الشرق الأوسط، قد يكلف واشنطن خسارة قدرتها على الردع الاستراتيجي ضد الصين.
ومع أن تحويل الموارد من الشرق الأقصى إلى الشرق الأوسط بدأ قبل نحو عامين، إلا أنه بلغ ذروته خلال الأيام الماضية. فقد نُقلت بطاريات الدفاع الجوي "باتريوت" و"ثاد"، مع أطقمها، من اليابان وكوريا الجنوبية إلى القواعد الأميركية في المنطقة. وفي الحملة التي استمرت 12 يوماً ضد إيران العام الماضي، نشر الجيش الأميركي أكثر من 150 صاروخاً اعتراضياً من طراز ثاد، أي ما يقارب ربع إجمالي الصواريخ الاعتراضية التي اشتراها البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) على الإطلاق، بحسب تقارير وسائل إعلام أميركية.
في الأثناء، يحذر مراقبون أميركيون من أن القدرات العسكرية لبكين تشكل تحدياً يفوق بكثير تحدي طهران. فغزو الصين لتايوان على سبيل المثال، سيتطلب كميات هائلة من الذخيرة لاعتراض القصف الصيني وضرب السفن. وكان الأدميرال صموئيل بافارو، قائد القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، قد حذر، في يناير/ كانون الثاني الماضي، من أن استخدام الصواريخ المتطورة في مناطق أخرى يقوّض بشكل خطير القدرة على الرد في آسيا. ورغم أن البنتاغون وقّع أخيراً عقوداً ضخمة مع شركة لوكهيد مارتن الأميركية لزيادة إنتاج الصواريخ الاعتراضية، فمن المتوقع أن تستغرق هذه العملية نحو سبع سنوات.
دوامة من الفوضى
في هذا الصدد قال ليو وانغ؛ الباحث الصيني في العلاقات الصينية الأميركية، لـ"العربي الجديد"، إن "الصين تولي أهمية كبيرة للحرب المستعرة في منطقة الشرق الأوسط، لذلك أرسلت خلال اليومين الماضيين مبعوثاً خاصاً (تشاي جون) للتواصل مع الأطراف المعنية لتهدئة الأوضاع وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة".
ليو وانغ: الضربات على إيران لها تأثير محدود على الصين وقد ينحصر في الشق الاقتصادي وإمدادات الطاقة
وأضاف أن "الضربات على طهران تُؤثر بطبيعة الحال على الصين، لكن تأثيرها محدود، وقد ينحصر في الشق الاقتصادي وإمدادات الطاقة". وفي رأيه "تدرك بكين أن الحرب الراهنة ليست حرب واشنطن بل جُرّت إليها، وأن ترامب لا يعتزم احتلال إيران بأي حال من الأحوال، لأنه يعلم جيداً ما يعنيه ذلك". فضلاً عن أن النظام الإيراني، وفق ليو وانغ، أظهر "تماسكاً كبيراً واستعداداً لحرب طويلة، لذلك، بمجرد انتهاء القتال، سينتهي الأمر".
وعن مصالح الصين ومكاسبها ومقاربتها السياسية للتورط الأميركي في المنطقة، قال ليو وانغ إن موقف بكين "يجعل العالم يدرك تماماً أنه عندما تقع بعض القوى الكبرى في دوامة من الفوضى السياسية والانسحاب من الاتفاقيات، تحافظ الدبلوماسية الصينية على قدر كبير من الثبات، لتصبح ركيزة أساسية للاستقرار وسط الاضطرابات العالمية".
وأضاف أن "نهج القوة والاستعلاء والبلطجة الذي اتبعته إدارة ترامب، حوّل الولايات المتحدة إلى دولة منبوذة خارجة عن القانون والإجماع الدولي، كما أصبحت هذه السياسات المتهورة سبباً في استنزاف مقدرات الدولة اقتصادياً وعسكرياً". وفي اعتقاده "تكفي هنا الإشارة إلى حث الرئيس دونالد ترامب كبرى شركات تصنيع الأسلحة الأميركية على مضاعفة إنتاجها بسبب نقص المخزونات من الذخائر والقذائف الثقيلة".
يُذكر أن وزارة الخارجية الصينية أعلنت، في بيان أمس الاثنين، أن تشاي جون قال لوزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، خلال محادثات في الرياض، أول من أمس الأحد، إن "الصين تحضّ جميع الأطراف على وقف العمليات العسكرية فوراً، ومنع تصعيد التوترات، وتجنب إلحاق المزيد من الضرر بشعوب دول المنطقة". وخلال اجتماع منفصل في الرياض، مع رئيس مجلس التعاون الخليجي جاسم محمد البديوي، دعا تشاي جون إلى "العودة لمسار المفاوضات في أسرع وقت ممكن"، مضيفاً أن الصين "ستؤدي دوراً بناء... لتعزيز السلام ووقف القتال". وكان وزير الخارجية الصيني وانغ يي قد جدد، أول من أمس الأحد، قوله إن الحرب ما كان يجب أن تحدث"، داعياً إلى إنهاء القتال.
أنانية تهدد مصالح الصين
في المقابل، رأى لي يانغ؛ الأستاذ في معهد تسيونغ كوان للدراسات والأبحاث؛ مقره في هونغ كونغ، في حديث مع "العربي الجديد"، أن ما يحدث في إيران "يحمل تداعيات خطيرة على إمدادات الطاقة بالنسبة للصين، ومكانتها كقوة دولية، وصراعها التقليدي مع الولايات المتحدة". وأضاف أنه "بالرغم من أن طهران ليست موسكو، الحليف الأيديولوجي الأقرب لبكين، فإنها لا تقل أهمية في ظل شراكة استراتيجية شاملة بين البلدين، يعتبر النفط إحدى ركائزها (تستورد الصين بمعدل 1.3 مليون برميل من النفط الإيراني يومياً)".
لي يانغ: ينتظر الحلفاء من الصين تدخلاً يتجاوز الحدود الدبلوماسية والعبارات الكلاسيكية
ومع ذلك، قال لي يانغ، إن بكين "تعاملت بأنانية مفرطة خلال الحرب الحالية من خلال محاولة الاستثمار السياسي عبر تسويق نموذجها السلمي القائم على النفوذ الاقتصادي كإحدى دعائم الاستقرار في العالم، في وقت ينتظر فيه الحلفاء تدخلاً يتجاوز الحدود الدبلوماسية والعبارات الكلاسيكية".
ولفت إلى أن "صمت الصين ينطوي على مخاطر حقيقية، إذ يُعدّ أمن الطاقة أكبر الهواجس الأمنية في دولة تصنف باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، كما أن أي اضطراب طويل الأمد قد يهدد خطوط الإمداد وبالتالي إعاقة سلاسل التوريد الصناعية". وفي إشارة إلى تهديد مصالح الصين وسط هذه الحرب، أشار أيضاً إلى أنه "في حال انهيار النظام الإيراني تحت وطأة الضربات الأميركية والإسرائيلية، فهذا يعني تمكين حكومة جديدة في طهران تستجيب للشروط والإملاءات الأميركية، والتي سيكون في مقدمتها دون أدنى شك تقليص إمدادات الطاقة للصين وإعادة النظر في جميع الاتفاقيات السابقة التي كانت بكين بموجبها تحصل على أسعار رخيصة مقارنة بالدول الأخرى".
