من موجات هيرتز إلى صواريخ حيتس: هكذا غيّر الرادار شكل الحروب
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
ذات يومٍ في العام 1956 أوقف شرطي مرور كندي سيارة تجاوزت السرعة المسموحة، طبقاً لما سجله مسدس الرادار بيده. السائق المخالف لم يكن إلا السير روبرت واتسون-وات، الذي عبّر عن ندمه قائلاً: "لو كنت أعرف أيها الشرطي ما الذي ستفعلونه بهذا الاختراع، لما اخترعته". في الواقع لم يخترع واتسون-وات الرادار، ولكنه لعب دوراً محورياً في تحويله إلى اختراع علمي، ما أسهم في تحقيق الحلفاء انتصارهم في الحرب العالمية الثانية، فكُرّم على ذلك بمنحه لقب الفروسية (سير). قبل ولادة واتسون-وات بخمس سنوات، أي في العام 1887، كان الفيزيائي الألماني هينرش هيرتز منهمكاً في إجراء سلسلة من التجارب التي أظهرت وجود الموجات الكهرومغناطيسية. انهماكه انطلق من محاولة لإثبات نظرية الفيزيائي الاسكتلندي جيمس كليرك ماكسويل، الذي كان قد تنبأ بأن موجات كهذه موجودة. وبالفعل، نجح هيرتز في التعرّف على الموجات التي تسمى هذه الأيام موجات الراديو، وأظهرت تجاربه سلسلة من الاستنتاجات، أهمها أن هذه الموجات تتصرف مثل موجات الضوء، تنتقل بسرعة الأخير كما توقع ماكسويل، وبإمكان بعض المواد امتصاصها، لكن الأهم أنها تنعكس بمجرد اصطدامها بالأسطح المعدنية. وإذ لا يُختلف حول عظمة هيرتز كعالم، إلا أن مشكلته تكمن في أنه أخطأ تماماً في تقدير أهمية هذه الموجات؛ حيث قال إن اكتشافه لا فائدة عملية له. وتقديره يُعد أحد أكثر التنبؤات العلمية خطأ في التاريخ، حسبما وصّف الأمر معهد دافيدسون- الذراع التعليمي لمعهد وايزمان الإسرائيلي. السبب في ذلك هو أن للإشعاع الكهرومغناطيسي أهمية كبيرة في حياة البشر هذه الأيام. من الاتصال اللاسلكي إلى اكتشاف الأجسام سنوات قليلة مرّت على اكتشاف هيرتز، حتّى تمكن مخترعون من تحويل الموجات إلى أداة مفيدة عبر تطوير أجهزة استقبال تلتقط موجات الراديو وتحوّلها إلى إشارات، مثل الصوت أو الضوء. بين هؤلاء كان الفيزيائي ألكسندر بوبوف، الذي عمل في الأكاديمية البحرية الروسية في سانت بطرسبورغ. وبسبب منصبه العسكري لم يُتح له تسجيل براءة اختراع. من سجل البراءة كان الإيطالي غولييلمو ماركوني، الذي يُعد الأب الحقيقي للاتصال اللاسلكي، وقد حصل عام 1909 على جائزة نوبل في الفيزياء لمساهماته في المجال. ورغم أن بوبوف لم ينل الشهرة، فإنه حقق، بحسب المعهد الإسرائيلي، عدة خطوات مهمة في تقدم المجال؛ إذ نصب أجهزة إرسال واستقبال في قواعد البحرية الروسية، ثم لاحقاً على السفن، وهو ما أتاح الاتصال اللاسلكي لمسافات تمتد على عشرات الكيلومترات. وفي عام 1897، أثناء تجربة اتصال لاسلكي بين سفينتين، لاحظ بوبوف أن سفينة ثالثة مرت بينهما وأدت إلى تشويش الاتصال، فاستنتج إثر ذلك أن بالإمكان اكتشاف السفن باستخدام موجات الراديو، ويُعد أوّل من فعل ذلك في التاريخ، غير أنه اكتفى بالملاحظة ولم يطوّر الفكرة. منع التصادمات بعد بضع سنوات، أجرى المهندس الألماني كريستيان هولسمير تجارب باستخدام الموجات التي اكتشفها هيرتز. وإن لم يعرف على الأرجح عمل بوبوف أو ملاحظاته، كان يعلم أن الموجات تنعكس عن الأجسام المعدنية، ففكر في استخدام هذا المبدأ لتطوير نظام لمنع تصادم السفن. وفعلاً، في العام 1904 سجّل براءة اختراع لنظام أطلق عليه اسم تيلموبيلوسكوب (رؤية الحركة عن بعد). ولئن تطورت تكنولوجيا الراديو للاتصالات بسرعة في بداية القرن العشرين، إلا أن استخدام موجات الراديو للكشف عن الأجسام عن بعد بقي فكرة نظرية إلى حد كبير بسبب الصعوبات التقنية. المغنطرون: قطعة غيّرت كل شيء التقدم الحقيقي حدث في عشرينيات القرن العشرين مع تطوير المغنطرون. وهو مُكوّن يعتمد على أنبوب مفرغ يولّد موجات ميكروية قوية رغم حجمه الصغير، ويستخدم هذه الأيام على نطاق واسع في أفران الميكروويف لتسخين الطعام. لكن لأن الموجات الميكروية هي نوع من موجات الراديو، فقد سمح هذا الاختراع بتطوير أجهزة إرسال راديوية أقوى وأصغر حجماً. البرق والطائرات في بداية ثلاثينيات القرن العشرين حاولت عدة دول تطوير نظام لاكتشاف الطائرات باستخدام موجات الراديو. لكن التقدم الفعلي تحقق بفضل عمل روبرت واتسون-وات، السائق الذي خالف السرعة المسموح بها نفسه. كان الأخير قد أنهى دراسته الهندسية بامتياز في جامعة دندي، ثم بقي فيها كمساعد باحث بعدما أكمل دراسات في فيزياء موجات الراديو. وخلال الحرب العالمية الأولى أراد أن يساهم في وزارة الحرب، لكن لم يجدوا له وظيفة مناسبة، ولذلك انتقل إلى المكتب البريطاني للأرصاد الجوية. في المكتب المذكور عمل على فكرة التنبؤ بالعواصف الرعدية باستخدام موجات الراديو من أجل تحذير الطيارين. ولم يكن الأمر هنا متعلقاً بتقنية الرادار، بل باستقبال موجات الراديو الناتجة عن صواعق البرق وحساب مسافة العاصفة واتجاهها. وفي العام 1933 عُيّن مسؤولاً عن قسم الراديو في المختبر الوطني البريطاني للفيزياء، وكتب خلال عمله تقريراً حول الاستخدام المحتمل لموجات الراديو لاكتشاف الطائرات. "شعاع الموت" في عام 1934 وصلت إلى وزارة الطيران البريطانية تقارير تقول إن ألمانيا النازية تطور "شعاع موت" كهرومغناطيسي يمكنه حرق الطيارين البريطانيين في طائراتهم من مسافة بعيدة. وعلى الفور، طُلب من واتسون-وات تقييم الفكرة بصفته خبيراً في الراديو، فأوضح أن سلاحاً كهذا غير ممكن عملياً. واستغل الفرصة لاستعراض فكرته: كشف الطائرات عن بُعد بواسطة موجات الراديو. وفي فبراير/ شباط عام 1935 حضر ممثل مكتب الطيران العرض التجريبي السري الذي استخدم خلاله واتسون-وات أجهزة إرسال الراديو التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، حيث أقام في وسط إنكلترا محطتين أرضيتين لالتقاط الإشارات. ومن خلال الاضطرابات في التقاط الإشارة، تمكن من تحديد قاذفة أرسلت للطيران في المنطقة. شهور عدّة مرّت مذّاك حتّى تمكن الفريق أخيراً من عرض كشف طائرة من مسافة 25 كيلومتراً. ما سبق عُد إنجازا كافياً بالنسبة لوزارة الدفاع البريطانية للتخلي عن مبادرة لتطوير أجهزة استقبال صوتية طويلة المدى للكشف عن ضجيج الطائرات القادمة عن بُعد، والاستثمار بدلاً من ذلك في تطوير تقنيات الرادار. الهوائيات التي أنقذت بريطانيا بعد وقت قصير أصبحت أجهزة الرادار قادرة على اكتشاف الطائرات من مسافة تزيد عن مئة كيلومتر. وبسبب ذلك أقيمت على طول السواحل الشرقية والجنوبية لبريطانيا سلسلة من أبراج الهوائيات عُرفت باسم (Chain Home radar system) بقيادة واتسون- وات وفريقه. وقد سمح هذا النظام لبريطانيا بالتعامل مع التفوق العددي للطائرات الألمانية خلال معركة بريطانيا في الحرب العالمية الثانية. عُرف النظام البريطاني المذكور باسم "آر دي إف"، اختصاراً لعبارة "تحديد المدى والاتجاه". أمّا مصطلح الرادار نفسه، وهو اختصار لـ"كشف المدى بواسطة الراديو"، فقد أوجدته الولايات المتحدة عام 1940، ومن هناك انتشر في جميع أنحاء العالم. سجل "تشاين هوم" نجاحاً هائلاً، غير أن عمره كان قصيراً. ففي ذروة الحرب العالمية الثانية استبدل بأنظمة أكثر تقدماً وتعقيداً، وانطلقت بريطانيا لتطوير رادارات صغيرة بما يكفي تُنصب على الطائرات نفسها لتنبيه الطيارين إلى اقتراب الطائرات ومنحهم ميزة في المعركة الجوية. أمّا واتسون- وات نفسه، فقد نال في 1942 لقب الفروسية. سلاح جديد يدخل الخدمة في عام 1944، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من وضع أوزارها، أدخلت ألمانيا النازية سلاحاً جديداً، وهو صاروخ في-2 روكيت. وبذلك سجّلت أول صاروخ باليستي في التاريخ؛ إذ وصل مدى هذا النوع من الصواريخ إلى مئات الكيلومترات، وكانت تحمل رؤوساً حربية تزن مئات الكيلوغرامات. وإن لم تكن تلك الصواريخ دقيقة، غير أنها كانت سريعة جداً إلى حد أن أنظمة الرادار التي صممت بالأساس لاكتشاف الطائرات البطيئة قبل عصر الطائرات النفاثة لم تتمكن من التعامل معها. والسبب أن تردد الإشارات التي أرسلتها أجهزة الرادار لم تكن مرتفعة بما يكفي لاكتشاف تلك الصواريخ. وهكذا سقطت تلك الصواريخ على لندن دون أي قدرة على التحذير. طبقة دفاع أولى بعد أكثر من 90 عاماً على تطوير أول نظام رادار، أصبحت الأنظمة الحديثة أكثر تطوراً، لكنها ما زالت تعمل على المبدأ الأساسي نفسه، بحسب المعهد، وهو إرسال إشارات واستقبال المرتدة ومعالجتها. وبينما قام الجنود في الماضي بهذه المهمة، تعتمد الرادارات اليوم على أنظمة حاسوبية تحلل المعلومات في أجزاء من الثانية. الرادارات الحديثة صغيرة وخفيفة، ويمكن تركيبها على مناطيد، وطائرات، وأقمار صناعية، بينما يمكن نقل الرادارات الكبيرة على شاحنات إلى مواقع استراتيجية. تعمل معظم الرادارات بأطوال موجية طويلة لا تتأثر بالغيوم أو ظروف الإضاءة، مما يجعلها فعالة في جميع الأحوال الجوية. وعند إطلاق صاروخ، تُكتشف حركته وسرعته عبر رادارات الأقمار الصناعية والأرضية ضمن منظومة الدفاع الجوي، ما يتيح الإنذار المبكر لمنطقة الإصابة المحتملة. ومع ذلك، قد لا يكون الإنذار الأولي دقيقاً إذا كان الصاروخ بعيداً أو قابلاً لتصحيح مساره أثناء الطيران، لذلك قد تختلف المناطق التي تُفعّل فيها صفارات الإنذار عن موقع الإصابة الفعلي. تهدف أنظمة الدفاع الإسرائيلية مثل "حيتس 3، و2" و"القبة الحديدية" و"مقلاع داوود" و"أور إيتان" إلى اعتراض الصواريخ قبل وصولها إلى أهدافها. ويعتمد اختيار نظام الاعتراض على نوع الصاروخ وحجمه ومساره، حيث تصوَّب صواريخ الاعتراض وفق بيانات الرادار لتدمير الصاروخ بعيداً عن المناطق المأهولة. وأحياناً يُترك الصاروخ إذا كان سيصيب منطقة خالية لتوفير التكلفة. إضافة إلى الصواريخ، تتابع الرادارات الطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، التي تمكنها المناورة على ارتفاع منخفض وسرعة عالية. بعض الصواريخ تصيب أهدافها بسبب إطلاقها برشقات كبيرة، أو أعطال تقنية أو خطأ بشري في نظام الاعتراض، بينما توفر الرادارات غالباً الإنذار المبكر كطبقة دفاع أولى. لتفادي الكشف، طوّر المهندسون طائرات تقلل بصمتها الرادارية باستخدام مواد وطرق تصرف الموجات أو تمتصها، لكن الرادارات الحديثة متعددة الأطوال الموجية ومتعددة المحطات قادرة على كشف الطائرات الشبحية، بما في ذلك الرادارات السلبية التي تلتقط الإشارات البيئية دون البث.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية