عمل شاق لتنظيف الحجارة.. شباب غزة يبحثون عن الأمل
عربي
منذ يومين
مشاركة
ينحني الشاب الفلسطيني كريم سعد (28 عاما)، فوق قطعة من الحجارة الإسمنتية تسمى محليا البلوك، ممسكا بمطرقة في يد وإزميل معدني صغير في اليد الأخرى، داخل أرض فارغة في وسط مدينة غزة تحولت إلى ورشة مفتوحة لتنظيف الحجارة المستخرجة من تحت الركام وإعادة الحياة إليها. يطرق سعد بحذر، ضربة تلو أخرى، وكأنه لا يزيل بقايا إسمنت عالقة فحسب، بل ينتزع آثار الدمار عن ذاكرة الحجر. هذه المهنة، التي لم تكن معروفة بهذا الشكل قبل الحرب، أصبحت اليوم مصدر رزق قاس لعشرات الشبان، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع يفرض عليهم العمل في إعادة تأهيل ما دمرته الغارات قطعةً قطعة. وبينما تتجاوز معدلات البطالة حاجز 80%، وترتفع نسب الفقر إلى أكثر من 90%، يجد آلاف الغزيين أنفسهم بلا دخل ثابت، في واقع اقتصادي هو الأصعب منذ سنوات طويلة. تبدأ رحلة هذه الحجارة من بين أنقاض المباني المقصوفة، حيث يجمعها الشبان من الركام. بعد فصلها عن الحديد المحترق والغبار المتراكم، تكون قطع البلوك غالبا مشوهة، ملتصقة ببقايا إسمنت قديم، أو محاطة بحواف مكسورة، ما يجعل إعادة استخدامها مستحيلة دون تدخل يدوي دقيق. هنا تبدأ المرحلة الأكثر مشقة، حيث يجلس الشاب على الأرض أو فوق كومة من الحجارة، يثبت قطعة البلوك أمامه، ثم يضع الإزميل على الحواف المتصلبة، ويوجه ضربات محسوبة بالمطرقة لتقشير الطبقات الزائدة.  يقول كريم سعد لـ"العربي الجديد" وهو يمسح العرق المختلط بغبار الإسمنت عن جبينه: "في البداية كانت يداي تؤلماني كثيرا، ولم أكن أعرف كيف أضرب دون أن يتكسر الحجر كله. كنت أخسر قطعا كثيرة، لكنني تعلمت مع الوقت كيف أسمع صوت البلوك وهو يتشقق، وكيف أتحكم في قوة الضربة". يضيف سعد بنبرة مرهقة بفعل العمل الشاق المتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة خلال ساعات النهار وتأثيرات الجوع والعطش بفعل الصيام: "نحن لا ننظف حجارة فقط، نحن نحاول أن نوفر لنا ولغيرنا فرصة لبناء غرفة أو جدار يحمي عائلة من البرد والخوف". ويتحدث شقيقه إياد سعد عن الدافع الذي يجعلهم يواصلون هذا العمل الشاق يوميا بقوله: "قبل الحرب كنا أنا وشقيقي نبحث عن أي عمل بسيط لنساعد أسرتنا، أما اليوم فنشعر بأن ما نفعله له معنى أكبر. كل قطعة ننجح في تنظيفها تعني مالا نشتري به طعاما، وتعني أيضا جدارا قد يبنى من جديد، صحيح أن العمل متعب، لكن التعب أهون من الجلوس بلا حيلة أمام الركام". ويتطلب هذا العمل تركيزا وصبرا طويلين، فكل ضربة خاطئة قد تتسبب في تشقق البلوك بالكامل، ما يعني خسارة جهد طويل وقطعة يمكن أن تُستخدم مجددا. ومع مرور الوقت، تتحول هذه العملية إلى مهارة مكتسبة، حيث يتعلم الشاب كيف يميز بين الإسمنت الصلب الذي يمكن إزالته، والجزء الذي يشكل هيكل البلوك نفسه.  في منطقة أخرى إلى الغرب من مدينة غزة، يقف الفلسطيني حامد أبو العيس (31 عاما)، الوقفة ذاتها ويعمل في تنظيف البلوك منذ أشهر، ويقول: "لم أتخيل يوما أن أعمل في تفكيك آثار القصف بيدي. في كل مرة أمسك فيها المطرقة أشعر بثقل كبير، فهذه الحجارة كانت يوما جدران بيوت مليئة بالحياة". يوضح أبو العيس لـ"العربي الجديد" أن "أصعب ما في العمل ليس الجهد البدني فقط، بل المشهد النفسي المصاحب له"، مضيفا: "أحيانا نجد بين الركام بقايا أبواب أو نوافذ أو صور، فأدرك أن خلف كل حجر قصة عائلة". ويدفع هذا المشهد أبو العيس ليكون حريصا أكثر، كأنه يتعامل مع شيء له روح، ويؤكد أن الدخل المتواضع الذي يجنيه من تنظيف البلوك يساعده في إعالة أسرته المكونة من خمسة أفراد، لكنه يرى في عمله أيضا مساهمة مباشرة في إعادة إعمار ما يمكن إنقاذه. ورغم بساطة الأدوات المستخدمة (مطرقة وإزميل فقط)، إلا أن العبء الجسدي هائل، فالشبان يقضون ساعات طويلة في وضعيات مرهقة، تحت أشعة الشمس أو في العراء، وأيديهم تتعرض للاهتزاز المستمر، ما يسبب آلاما في المفاصل وتشققات في الجلد، بعضهم يلف قطعة قماش حول يده لتخفيف حدة الاحتكاك. ولا تقتصر أهمية هذه المهنة على كونها مصدر دخل، بل تتجاوز ذلك إلى كونها جزءا من دورة إعادة الحياة إلى المكان. فبعد تنظيف البلوك، يتم تكديسه بعناية ليصبح جاهزا للاستخدام في بناء جدران جديدة أو إصلاح مساكن متضررة. هكذا تتحول الحجارة المدمرة إلى أساس لمأوى جديد، في عملية تحمل بعدا رمزيا عميقا، حيث يصبح الدمار نفسه مادة لإعادة البناء. أما الشاب عوني أبو جزر (22 عاما)، فيصف يومه بأنه "سلسلة طويلة من الضربات المتكررة"، لكنه يبتسم وهو يضيف: "مع الوقت تتعود يداك على الاهتزاز، أعرف من رنة الضربة إن كانت القطعة ستنجح أم ستتصدع". ويشير أبو جزر في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أن أولويته الآن هي توفير لقمة العيش، ويقول: "عندما أرى جدارا يبنى من حجارة جرى تنظيفها يدويا، أشعر بأنني ساهمت في تخفيف الألم". ولا تبدو المطرقة في هذا المشهد مجرد أداة، بل رمزا لمحاولة استعادة ما يمكن استعادته، وكل قطعة بلوك يتم تنظيفها ليست مجرد حجر، بل شهادة على قدرة الإنسان على تحويل آثار الدمار إلى بداية جديدة، وعلى إصرار شبان غزة على إعادة بناء حياتهم، حتى عندما يبدأ البناء من بين الأنقاض.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية