عربي
يمكننا القول إنّ الاحتفال باليوم العالمي للنساء في الثامن من مارس/ آذار من كلّ عام بات أكثر توسّعاً وحضوراً، وصار يأخذ طابعاً احتفالياً في أنحاء العالم كافة، بالصور والمنشورات والمسيرات والندوات والأفلام والمسرحيات. كما تصدر فيه مراجعات رسمية مُتعلّقة بأحوال النساء، وتصدر أرقامٌ أممية تشرح بوضوح ما آلت إليه أوضاع نساء العالم لدعم استمرار النضال من أجل حقوق النساء؛ ولرسم توجّهات وآليات عمل تُوجّه العمل الحقوقي والمؤسسي وتُحسّن أدواته؛ وتشرك المزيد من النساء في العمل المسؤول لتثبيت حقوقهن الضائعة، المُقيَّدة، والمُتلاعب بها.
في سورية، تحتفل النساء اللائي يعتبرن هذا اليوم يوماً خاصاً بهنّ ولهنّ ومناسبة مهمّة للتأكيد على استمرار نضال النساء السوريات للتذكير بالحقوق المهدورة وللتنبيه بشأن العدالة الغائبة، وربّما يكون الأهم هو إعلان غير مباشر أنّ النساء ما زلنَ هنا، واعيات للعنف الذي يمارس ضدّهن، للسعي المحموم لإقصائهن من المساحة العامة، للتحالفات المعقودة بين السلطة السياسية والقانونية والدينية والمجتمعية لتقويض نضالات المرأة ولتعطيل معنى وجودها، وكبح أيّ محاولات نهوض مُحتملة. هذا العام، في سورية فقدت النساء السوريات هذا اليوم من التقويم بوصفه يوماً احتفالياً، لم يُذكر رسمياً ولا شعبياً كما تمنّت النساء، وتحوّلت النسوية إلى هدف للهجوم عليه وعلى النسويات، وذلك عبر كيل الاتهامات وشيطنة النسوية والنسويات ووصفها بأنّها قيم هدامة ضدّ السلم المجتمعي وضدّ روابط العائلة والالتزام الأخلاقي.
حتى في إحدى الجلسات الاحتفالية في مدينة أوروبية هاجمت عضوة مجلس إدارة إحدى الجمعيات النسويات، وحمّلتها مسؤولية تردي أوضاع النساء السوريات.
في اليوم العالمي للنساء تبدو النساء السوريات وكأنّهن خارج العالم، مُحتجزات داخل الجغرافيا القاتلة
في سورية، وفي ليلة اليوم العالمي للنساء التي تعني للجميع زخماً أكبر وانشغالاً أوسع لترتيب الاحتفاليات، وتحضير تفاصيل المناسبة كما تستحق، كان عدد كبير من نساء سورية يزرنّ قبور الأبناء والأزواج والآباء والإخوة، كان عدد كبير من النساء أيضاً مدفوناتٌ في قبور امتلأت قبل عام بضحايا مجزرة طائفية، لتتوالى بعدها مجازر مُتصلة ضدّ النساء: قتلٌ وخطفٌ للنساء، متاجرة بهنّ في أسواق الجنس، اغتصاب وامتهان وتشويه لأجسادهنّ. وبعد العودة لمن تمكنت من ذلك، عدنَ محطمات وموجوعات ومكسورات، كان لزاماً عليهن ارتداء قناع الهدوء والحكمة والخروج على الشاشات والادّعاء أنّهن كنّ في رحلة ترفيهية مع صديقاتهن، أو أنهن كنّ برفقة عشّاقهن، وفي أسوأ الأحوال كنّ هاربات من عنف منزلي أو تائهات وهائمات على وجوههن بإرادتهن الشخصية لأنّهن يكرهن أزواجهن وآبائهن وعوائلهنّ أيضاً.
استفاق السوريون والسوريات في اليوم المأمول لحماية النساء وتحقيق أمنهن وحفظ حيواتهن وحقوقهن على جريمة قتل فتاة سورية على يد إخوتها بعدما تعهد والدها بحماية حياتها بعد أن أُعيدت بالقوّة إلى بيت العائلة، كانت مرميةً هناك على الأرض ومغطّاة بعباءة، والدها والجميع يمرّون بجانب جثمانها وكأنّها مجرّد كيسٍ رُمي هنا بانتظار ترحيله. لا خبر رسمي، لا إدانة مُعلنة، لا إجراءات قانونية تعتقل الأب القاتل والإخوة القتلة. حتى المفاوضات بشأن عودتها وخيارها الشخصي بالزواج كانت غائبةً عنها، حينها، ربما كانت محبوسةً في غرفة بعيدة يدرّبونها على تقبّل الموت القريب جداً. لم يكن بوسعها، وهي هناك، حتى أن تختار طريقة موتها، وعلى يد من ستموت.
في زحمة القتل والخطف وتغييب الحقوق، يعتبر البعض أنّ خسارة السوريات أعمالهن وتسريحهن من الوظائف وتسلّط رجال الدين والموظفين الحكوميين على حقوق النساء بتعاميم تسعى إلى ضبط أجسادهن والسيطرة عليها حتى في طريقة اللباس وتوقيت تناول الأدوية، وتهافت الحقّ في الميراث، وتوسيع المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ترفاً يمكن تأجيله سعياً لصون الحياة أو أملاً في الهروب من أجل النجاة.
في اليوم العالمي للنساء، تبدو النساء السوريات وكأنّهن خارج العالم، مُحتجزات داخل الجغرافيا القاتلة.