عربي
فتحت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وتوقف إمدادات الطاقة من منطقة الخليج، النقاش مجدداً حول احتياطيات الدول الكبرى من النفط الخام، وإمكانية اللجوء إليها اذا استطال أمد الحرب وتفاقمت معها أسعار الطاقة. وتُلزم وكالة الطاقة الدولية IEA، الدول الأعضاء التي تُعد مستوردة صافية للنفط بالاحتفاظ بمخزونات تكفي لتغطية ما لا يقل عن 90 يوماً من وارداتها النفطية.
ويجري الحديث عن مخزونات النفط مجدداً اليوم ليذكر بالصدمة النفطية الأولى في عام 1973 حين قامت الدول العربية المصدرة للنفط ومنظمة أوبك بوقف الإمدادات احتجاجاً على الانحياز الأميركي والغربي لإسرائيل. وقتها، تعهدت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالحفاظ على مخزونات طوارئ من النفط لضمان عدم تكرار الأزمة مرة أخرى.
واليوم يمثل تعطّل الإمدادات من منطقة الخليج الاختبار الأصعب الذي تواجهه هذه الاحتياطيات منذ إنشائها. وبحث وزراء مالية دول مجموعة السبع أمس الاثنين في اجتماعهم بالعاصمة الفرنسية إمكانية الإفراج عن كميات من النفط الخام لتعويض النقص في الإمدادات القادمة من المنطقة.
وقال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور للصحافيين بعد اجتماع وكالة الطاقة الدولية: "مستعدون لاتخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما في ذلك السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، من أجل استقرار السوق".
وأظهر الاجتماع تزايد القلق داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب والحكومات الحليفة من التأثيرات السريعة للحرب مع إيران على أسواق الطاقة. فمضيق هرمز، وهو الممر الذي تخرج منه السفن من الخليج، أصبح فعلياً مغلقاً، ما أدى إلى احتجاز أكثر من ألف سفينة وإجبار كبار منتجي النفط في الخليج على خفض الإنتاج.
وارتفعت عقود خام برنت القياسية بقوة في بداية تداولات أمس، قبل أن تقلص مكاسبها مع ظهور أخبار عن احتمال الإفراج عن الاحتياطيات. كما تراجعت الأسعار أكثر بعدما قال ترامب: "أعتقد أن الحرب انتهت تقريباً". ومع ذلك، ما تزال الأسعار أعلى بنحو 40% مقارنة بما كانت عليه عشية الحرب، وتجاوزت 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ عام 2022.
ويخشى المتداولون أنه حتى إذا أعيد فتح المضيق، فإن صادرات النفط والديزل والبنزين لن تعود سريعاً إلى مستويات ما قبل الحرب، جزئياً بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة. كما أن إعادة تشغيل الآبار المتوقفة قد تستغرق أسابيع أو حتى أشهرا، وبعضها قد لا يعود إلى مستويات إنتاجه الأصلية.
وقبل الحرب، كان الخليج يصدر نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات المكررة، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي. ومن هذه الكمية يمكن لنحو 5.5 ملايين برميل يومياً فقط أن تستمر في التدفق عبر خطوط أنابيب تتجنب مضيق هرمز، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة، ما يترك نحو 14.5 مليون برميل يومياً بحاجة إلى تعويض.
وقال المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول إن الدول الأعضاء في الوكالة تمتلك 1.2 مليار برميل من المخزونات الحكومية، إضافة إلى 600 مليون برميل في المخزونات التجارية الإلزامية، وهو ما يعادل تقريباً 124 يوماً من الإمدادات المفقودة من الخليج.
وكان جزء كبير من هذه الإمدادات يتجه عادة إلى الصين، التي تحتفظ بدورها باحتياطيات نفطية خاصة، لا تُعلن رسمياً عن حجمها، لكن تقديرات المحللين تشير إلى أنها قد تبلغ نحو 1.5 مليار برميل.
تأسست وكالة الطاقة الدولية بعد أن هزت المقاطعة النفطية العربية الاقتصاد العالمي في السبعينيات، لتكون بمثابة تكتل للدول المستهلكة للنفط في مواجهة منظمة أوبك. وتضم في عضويتها الولايات المتحدة واليابان، وكوريا الجنوبية وعدداً من الدول الأوروبية المستوردة للنفط. وفي ما يلي أهمها
الولايات المتحدة:
تملك 415.4 مليون برميل من النفط الخام في الاحتياطي النفطي الاستراتيجي حتى 27 فبراير/شباط الماضي، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية. كما تمتلك الشركات الخاصة احتياطيات تجارية تبلغ 439.3 مليون برميل. ويخضع الاحتياطي الاستراتيجي لسيطرة الحكومة الأميركية.
اليابان:
تحتفظ الحكومة بنحو 260 مليون برميل من النفط الخام ضمن مخزوناتها، من إجمالي نحو 470 مليون برميل مكافئ نفطي في البلاد حتى نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي. ويعادل المخزون الحكومي نحو 146 يوماً من الواردات، وفق وزارة الموارد الطبيعية والطاقة اليابانية. كما تحتفظ الشركات الخاصة بنحو 180 مليون برميل مكافئ نفطي إضافية، منها 90 مليون برميل من النفط الخام.
ألمانيا:
تحتفظ الحكومة بنحو 110 ملايين برميل من النفط الخام و67 مليون برميل من المنتجات النفطية المكررة، ويمكن الإفراج عنها خلال أيام، وفق وزارة الاقتصاد الألمانية.
فرنسا:
بلغت الاحتياطيات نحو 120 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة حتى نهاية عام 2024، وفق أحدث بيانات متاحة. ويحتفظ بنحو 97 مليون برميل منها لدى شركة ساجيس (SAGESS) المكلفة حكومياً بإدارة المخزون، موزعة تقريباً على النحو التالي: 30% نفط خام، و50% ديزل و9% بنزين، و7.8% وقود طائرات، إضافة إلى كميات من زيت التدفئة. كما تحتفظ شركات النفط بنحو 39 مليون برميل إضافية.
إيطاليا:
يُلزم القانون البلاد بالاحتفاظ بنحو 76 مليون برميل، أي ما يعادل 90 يوماً من متوسط صافي واردات النفط في عام 2024.
المملكة المتحدة:
تمتلك نحو 38 مليون برميل من النفط الخام و30 مليون برميل من المنتجات المكررة حتى 26 فبراير/شباط الماضي، وفق وزارة أمن الطاقة البريطانية. وتفي الحكومة بالتزاماتها عبر إلزام شركات القطاع بالاحتفاظ بحد أدنى من المخزونات. وحتى يوليو/تموز 2025، كان نحو 15% من هذه المخزونات محفوظاً داخل بريطانيا لصالح دول أخرى، أو محفوظاً في الخارج ضمن نظام "تذاكر" الوكالة الدولية للطاقة الذي يتيح شراء النفط في حالات الطوارئ.
أما كندا فلا تمتلك احتياطياً نفطياً استراتيجياً، ولا تُلزمها الوكالة الدولية للطاقة بذلك لأنها مصدر صافٍ للنفط. وتُعد كندا رابع أكبر منتج للنفط الخام في العالم، إذ تجاوز إنتاجها 5 ملايين برميل يومياً في ديسمبر/كانون الأول، ويتجه معظم صادراتها إلى الولايات المتحدة.
البحث عن حل
لكن محللي أسواق النفط لا يتوقعون أن يؤدي الإفراج عن المخزونات الاستراتيجية إلى تعويض إمدادات نفط الخليج، ويرون إن اللجوء إليه عادة ما يكون خطوة لتهدئة الأسواق في ظل ارتفاع المخاطر. ومن أنجح عمليات الإفراج عن تلك الاحتياطات كانت عام 1991، عندما أمر الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الأب بالسحب من الاحتياطي الاستراتيجي ليلة بدء الغزو الأميركي للعراق. وأدى ذلك إلى انخفاض أسعار النفط بأكثر من 20% في اليوم الأول للهجوم.
وفي عام 2022، وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، تعاون أعضاء وكالة الطاقة الدولية مرتين في فترة قصيرة للسحب من مخزوناتها. وفي البداية، كان التأثير عكس المتوقع، إذ اعتبر المتداولون الإفراج عن الاحتياطيات دليلاً على أن أزمة النفط أسوأ مما كانوا يعتقدون، فارتفعت الأسعار بنحو 20% في الأسبوع الذي تلا الإعلان. لكن المحللين قالوا إن تلك الخطوة ساعدت في النهاية على خفض الأسعار.
