عربي
أكّد كبير مستشاري القائد العام للحرس الثوري الإيراني، إبراهيم جباري، في مقابلة مع "العربي الجديد"، أنّ اختيار مجتبى خامنئي مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية يدلل على أنّ الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل قد فشلت، مشدّداً في الوقت نفسه على أنّ الهجمات الإيرانية التي طاولت دول المنطقة تستهدف القواعد الأميركية، مكرّراً الرسائل الإيرانية بأنّ طهران لا تكنّ العداء لجيرانها، لكن في الوقت نفسه قال إنّ الحرب لن تتوقف إلا بعد أن تخرج القوات الأميركية من المنطقة، على حدّ تعبيره، وبعد تقديم ضمانات بأنّ حرباً جديدة لن تندلع مجدداً ضدّ إيران.
في ما يلي نصّ المقابلة كاملة مع جباري:
س1. أعلن مجلس خبراء القيادة في إيران الليلة الماضية، رجل الدين مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل قائداً عاماً. ما الرسالة التي يحملها انتخاب نجل المرشد الراحل؟ وهل يمكن أن تتغير سياسات طهران في عهده؟
ج: هذا الاختيار يعني أن ثورتنا أصبحت أكثر شباباً، وأنها ستواصل مسيرتها على الأسس والمبادئ والنهج الكبير نفسه، ولكن بروح أكثر حيوية. فقد كانت الولايات المتحدة تسعى عبر اغتيال قائد الثورة، إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية، إلا أن الثورة التي ولدت من رحمها الجمهورية الإسلامية تجددت من جديد وضخت فيها دماء جديدة وطاقات قيادية جديدة. وهذا يدل على أن الحرب التي فرضتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني قد فشلت فشلاً كاملاً وذريعاً. فبينما كان (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب يائساً من إسقاط الجمهورية الإسلامية بعد أيام من الحرب، أصبح يسعى إلى إحداث انقسام في قواتنا المسلحة ودبلوماسيينا عبر دعواته بالانشقاق، لكن رأيتم أن الجميع بايع القيادة الجديدة، من القوات المسلحة إلى مختلف المؤسسات والهيئات، وهو ما يُشكل هزيمة أخرى مخزية لأميركا. اليوم الجميع يقفون خلف القيادة الجديدة.
س 2. جيران إيران في الخليج أدانوا الحرب عليها منذ بدايتها، لكنهم واجهوا الهجمات الإيرانية وأدانوها، ولا يعتبرونها موجهة فقط ضدّ أهداف أميركية في أراضيهم. هذه الدول تقول إن الهجمات قد استهدفت البنية التحتية أيضاً. لماذا لا تتوقف هذه الهجمات؟
ج: نحن نؤكد أننا جيران، ويجب أن نعيش حياة سلمية دون اعتداء من دولة على أخرى، لكن المؤسف أن أجزاءً من أراضي بعض جيراننا وُضعت تحت تصرف القوات الأميركية قواعد عسكرية، وجرى نشر أنظمة دفاعية وتقنيات متقدمة ورادارات لخدمة أهدافها العدوانية في المنطقة وإيذاء بلادنا. أميركا من تلك القواعد تشنّ هجمات علينا، حيث قصفت مدرسة في ميناب ما أدى ذلك إلى استشهاد نحو 168 طالبة، كما تهاجم من هذه القواعد محافظة بوشهر، واستهدفت محطة تحلية المياه في جزيرة قشم ومناطق أخرى. هذه أعمال ظالمة وغير مقبولة. هذا الوضع مستمر منذ 48 عاماً منذ انتصار الثورة الإسلامية، ونحن نحتج عليه.
س 3. ألا تريدون وقف هذه الهجمات حفاظاً على العلاقات مع هذه الدول والتي تحسنت خلال السنوات الأخيرة؟
ج: هجماتنا ستستمر ضد القواعد الأميركية في المنطقة إلا إذا توقفت الهجمات انطلاقاً منها على إيران، ونؤكد لجيراننا أننا نواجه عدواً غادراً يهددنا ويهدد المنطقة، ونعتبر الشعوب والدول الإسلامية إخوة لنا، ونسعى إلى علاقات سلمية قائمة على الأخوة والتعاون. وهذه العلاقات تهمنا ومرة أخرى نؤكد أن هذه الهجمات ليست موجهة ضد أي من هذه الدول وشعوبها. ونحن لا نريد أي اعتداء على سيادتها وأراضيها، وإنما نضرب فقط قواعد تستهدفنا وهذا من حقنا.
س 4. أعلنت إيران أنها مستعدة لحرب طويلة الأمد وترفض التفاوض، إلى متى يمكن أن يستمرّ هذا الاستعداد العسكري؟
ج: نحن نقاتل العدو منذ عدة أيام. صحيح أنهم ألحقوا بنا ضربات، لكن ضرباتنا كانت أشد فتكاً وأقوى. وقد أظهرت بلادنا أن جاهزيتنا عالية جداً، لأننا كنا نرصد العدو استخبارياً منذ سنوات ونعلم أنه يخطط لمثل هذا الهجوم وإن كنا لا نعرف توقيته. لقد أعددنا أنفسنا لحرب طويلة الأمد، وربما لمعركة تمتد حتى عشر سنوات. كما أن قواتنا المسلحة اليوم تتحرك وفق خطط وسيناريوهات مدروسة سبق إعدادها، وستواصل هذا المسار حتى يتم طرد الولايات المتحدة من المنطقة وإجبارها على التراجع.
لقد أعددنا أنفسنا لحرب طويلة الأمد، وربما لمعركة تمتد حتى عشر سنوات
س 5. تقول الولايات المتحدة وإسرائيل إن هجماتكم الصاروخية قد تراجعت وإن مخزون إيران من الصواريخ ينفد، ما ردكم؟
ج: مخازننا العسكرية مليئة بأنواع مختلفة من الصواريخ من الأجيال الأول، والثاني، والثالث، والرابع. في الواقع، بعد مرور ثمانية أيام فقط من الحرب بدأنا بالكشف تدريجياً عن بعض الأسلحة التي لم نستخدمها من قبل. وما زال لدينا العديد من الصواريخ المتطورة ذات القدرات التدميرية العالية لم نستخدمها بعد، وسنستخدمها تدريجياً.
بنيتنا التحتية الصاروخية محمية وتعمل بشكل كامل، وقد ألحقنا أضراراً كبيرة بالقوات والمصالح الأميركية والإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، نحن نواصل إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة بالتزامن مع عمليات الإطلاق. وفي المقابل نلاحظ أن مخزون العدو من وسائل الدفاع الجوي بدأ يتناقص ويواجه مشكلات، وقد استهدفنا عدة منظومات مثل "ثاد" و"باتريوت" ودمرنا ما لا يقل عن 5. والمثير أنهم بدأوا بجلب أنظمة دفاعية من كوريا الجنوبية لتعويض خسائرهم، ما يدل على حجم الارتباك لديهم.
وتشير المعلومات إلى أنهم اضطروا لنقل نحو ثلاثين ألف جندي من المنطقة إلى الولايات المتحدة، إضافة إلى عدد كبير من القتلى الذين لا يعلنون أعدادهم الحقيقية، لأن المجتمع الأميركي لن يتحمل خسائر بشرية كبيرة.
س 6. إلى متى تنوون مواصلة الحرب؟ وكيف تنظرون إلى نهايتها؟
ج: نحن لم نكن نسعى إلى الحرب، ولم نكن نحن من بدأها، لكنهم فرضوا علينا الحصار لسنوات طويلة، وفرضوا علينا عدة حروب من قبل. والآن بعد أن أدخلونا في حرب جديدة، سنواصل هذه المواجهة حتى إزالة الخطر والفتنة المتمثلة في الحرب والإرهاب الأميركي والإسرائيلي. لا يمكننا أن نقبل بأن تندلع حرب على بلدنا كل ستة أشهر. نحن نريد أن نعيش مع جيراننا حياة سلمية أخوية، وأن يكون بيننا تبادل وتعاون في مجالات النفط والاقتصاد والمعيشة والحياة.
نقول بوضوح: يجب إخراج الولايات المتحدة من المنطقة بشكل كامل وإلى الأبد. هذا مطلب شعبنا. سنواصل الحرب حتى عودة الهدوء إلى المنطقة، وضمان عدم العودة إلى الحرب بشكل قاطع ونهائي.
يجب على الأميركيين أن يدركوا أن الشعب الإيراني لن يقبل بعد اليوم بوقف مؤقت لإطلاق النار ثم اندلاع حرب جديدة بعد ستة أشهر. يجب أن يُحسم الأمر في هذه المرحلة.
س 7. يطرح المراقبون أهدافاً مختلفة لهذا العدوان على إيران، من إسقاط الجمهورية إلى تغيير سلوكها. برأيكم، ما الهدف الحقيقي للولايات المتحدة من إشعال هذه الحرب؟
ج: الهدف الحقيقي للولايات المتحدة من هذه الحرب هو أنها تسعى إلى ابتلاع العالم. إنها تريد نهب النفط والثروات والموارد والمعادن وإمكانات الدول الأخرى، لأنها تواجه أزمات وديوناً كبيرة، وتحاول تعويض ذلك من خلال نهب ثروات الشعوب.
الهدف الحقيقي للولايات المتحدة من هذه الحرب هو أنها تسعى إلى ابتلاع العالم
لقد شنوا العدوان على إيران بهذه الأهداف: إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، وتفكيك البلاد وتقسيمها إلى عدة دول صغيرة، لأن إسرائيل صغيرة ولا تستطيع مواجهة دولة كبيرة مثل إيران. إنهم يريدون تقسيم إيران إلى عدة دول ليتمكنوا من السيطرة عليها. كما يسعون إلى تدمير القدرة الاستراتيجية لإيران وإخراجها من أي دور في النظام العالمي، وإلى عزلها وإضعافها، حتى يتمكنوا من فرض نظام إقليمي يخدم مصالحهم، لكن إيران الإسلامية تقف عقبة أمام هذا المشروع.
س 8. الولايات المتحدة وإسرائيل تطلبان باستمرار من الشعب الإيراني النزول إلى الشوارع لإسقاط الجمهورية، لكننا لم نشهد مثل هذا الحراك حتى الآن. لماذا؟
ج: لقد فشل مشروعهم لإسقاط الجمهورية الإسلامية. ففي بلدنا، رأيتم كيف يخرج الناس منذ اندلاع العدوان حتى في القرى الصغيرة، ليلاً إلى الساحات دعماً للأمن الوطني وللقوات المسلحة وللنظام. وفي طهران نفسها شهدنا تجمعات مليونية في عشرات المواقع المختلفة، وربما في أكثر من مئة نقطة. إن مطلب شعبنا هو مواصلة هذه الحرب حتى إزالة الفتنة وخروج الأميركيين من المنطقة، وهم سيواصلون دعمهم لهذا المسار. ونأمل أن يبقى الشعب حاضراً في الساحة لعدة أشهر إذا لزم الأمر.
أريد القول إن تهديدات ترامب بتغيير الخريطة الجغرافية لإيران، أوهام. لن يكون قادراً على تحقيق مثل هذه الأهداف، وسيلقى المصير نفسه الذي لقيه رؤساء أميركيون قبله.
س 9. قيل إن الهدف من الهجمات على مراكز الشرطة وقواعد الباسيج في الأحياء هو تهيئة الأرضية للتمرد وإثارة الفوضى داخل إيران. ألا يخيفكم ذلك؟ هل يمكن أن يحصل؟
ج: إن قوتنا وقوة قوات الشرطة والباسيج وقواتنا المسلحة ليست في الجدران أو المباني أو الطوب، بل في الوجود الحماسي والجهادي لهؤلاء الناس الشرفاء، الذين هم أقوياء في الميدان وحاضرون فيه، وسيقومون بإخماد أي فتنة أو أي انقلاب في مهده. وإذا كان قد حدث في الماضي نوع من التساهل أو التقصير مراعاةً لبعض الاعتبارات، فإن هذا الأمر لن يتكرر هذه المرة، وسيجري التعامل معه بحزم وقوة.
س 10. نسمع في إيران تصريحات متضاربة حول إغلاق مضيق هرمز أو عدم إغلاقه. فهل أغلقت إيران هذا المضيق أم لا؟
ج: مضيق هرمز مغلق فعلياً، على الأقل إلى إشعار آخر ولمدة معينة. نحن نقول إننا لم نغلقه رسمياً، لكن المرور فيه يحدث بإذننا؛ فلا يستطيع أي طرف العبور من هذه المنطقة أو التحرك فيها من دون موافقتنا. حالياً يُسمح فقط لسفن حلفائنا مثل روسيا والصين وبعض الدول الأخرى بالعبور. وكثير من السفن المرتبطة ببعض الدول المعادية لا يُسمح لها بالمرور، ولن يُسمح بمرور حتى قطرة نفط واحدة أو متر مكعب واحد من الغاز عبر هذه المنطقة. وقد وصل سعر النفط حالياً إلى نحو مئة دولار للبرميل، ومن المؤكد أنه قد يصل إلى مئتي دولار وربما أكثر. وعلى الولايات المتحدة وأوروبا أن تعلما ذلك جيداً.
مضيق هرمز مغلق فعلياً، على الأقل إلى إشعار آخر ولمدة معينة
س 11. لقد هددت الولايات المتحدة بأنها ستسحب ورقة إدارة مضيق هرمز من يد إيران، وقد وعدت بأن البحرية الأميركية ستقوم بمرافقة ناقلات النفط. إلى أي مدى يمكن أن يتحقق مثل هذا الأمر؟
ج: أقول بكل وضوح إن كلام ترامب هذا لن يتحقق بأي وجه من الوجوه. فقد جاءت حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" باتجاه المنطقة، وعندما جرى إطلاق النار باتجاهها انسحبت وفرّت إلى مسافة ألف كيلومتر جنوب المحيط الهندي. ثم جرى تحريضها مرة أخرى للعودة نحو المنطقة، وعندما اقتربت إلى نحو 350 كيلومتراً أُطلقت عدة صواريخ أخرى، فاضطرت مرة أخرى إلى الانسحاب والتمركز على بعد ألف كيلومتر.
نحن في الواقع ننتظر دخول السفن الحربية الأميركية إلى مضيق هرمز حتى نقوم بتدميرها بصواريخنا المتطورة وإغراقها. لدينا إمكانات لم نكشف عنها بعد. أقول للأميركيين: نحن ننتظر أن تجلبوا سفنكم الحربية لكي نرسلها إلى قاع البحر. لقد استهدفنا حتى الآن ما لا يقل عن 10 ناقلات النفط.
* العميد إبراهيم جباري من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، وقد شغل خلال مسيرته العسكرية عدداً من المناصب القيادية العليا داخل هذه المؤسسة. ومن أبرز مهامه توليه قيادة حرس حماية المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي لمدة 13 عاماً، وهي أطول مدة يتولاها شخص في هذا المنصب. ويشغل حالياً منصب كبير مستشاري القائد العام للحرس الثوري.
وُلد جباري عام 1957 في مدينة زنجان غربي إيران، وبدأ مسيرته القيادية قائداً للحرس الثوري في تلك المحافظة، قبل أن يتولى قيادة الحرس في محافظة ألبرز غرب طهران. كما شغل لاحقاً منصب قائد الحرس الثوري في محافظة طهران، وقاد أيضاً حرس "الإمام علي بن أبي طالب" في مدينة قم، إلى جانب عمله نائباً لقائد منظمة "الباسيج" في إيران.
