عربي
بات واضحاً أن الضربة المفاجئة والاستباقية التي وقعت صباح السبت 28 من الشهر الماضي (فبراير/ شباط)، على إيران، كان لها ما بعدها. ليس على صعيد المنطقة وما أفضت إليه من حرب وتصعيد وعدوان إيراني على دول الخليج العربي فحسب، بل أيضاً امتدّت تداعياتها لتطاول إيران نفسها من الداخل، فإيران، ما بعد مقتل مرشدها علي خامنئي في تلك الضربة لم تعد إيران التي عرفناها، وهو اعتقاد تعزّز يوماً بعد آخر مع مجريات الحرب التي كشفت حجمَ الأدوار المحورية التي كان يقوم بها المرشد، وجعلت إيران في غيابه جسداً بلا رأس، لا منظّم لحركة الأداء، ولا ضابط لإيقاعه.
بات النظام في إيران يفقد علاقاته وصداقاته تدريجياً من خلال تعدّد الجبهات التي افتعلها، سيّما تلك التي فتحها في وجه دول الخليج التي سعت إلى تجنيبه ويلات الحرب
ليس هيّناً على أيّ نظام أن يُغتال رأسه بهذه الطريقة المباغتة؛ فالمرشد كان الخطّ الأحمر الذي يبدو أن اختراقه أفضى إلى حالة من الارتباك وانعدام الانضباط لدى من تولّوا إدارة الشأن بعده، مصحوبةً بشعور عارم بالإهانة، وإدراك متنامٍ بأن هذه الحرب تختلف جوهرياً عن حرب ال12 يوماً، حين احتفظت جميع الأطراف بشيء من خيوط اللعبة، وأبقت على قنوات التواصل مفتوحة. في التعاطي الإيراني مع ما جرى، بدا جليّاً أن زمام الأمور قد آل إلى الحرس الثوري، لا سيّما في ظلّ إخفاق المرجعيات المعنية قبل التوافق أخيراً على مرشد جديد خلفاً للراحل. وقد تجلّى ذلك في الاستهداف الممنهج الذي شنّته قيادات الحرس على دول الخليج، بما فيها التي كانت منخرطةً في مساعي الوساطة (عُمان وقطر)، فضلاً عن دول أعلنت صراحةً قبيل اندلاع الحرب أنها لن تشارك فيها، ولن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً لأيّ عمل عسكري.
وقبل أن تطوي الحرب يومها الثامن (السبت الماضي)، خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليخاطب دول الخليج العربي معتذراً، ومتعهّداً بوقف الهجمات عليها ما دامت هي بدورها لا تتيح استخدام أراضيها لاستهداف بلاده. غير أن ذلك التصريح لم يكد يمضي عليه أقلّ من ساعة حتى دوّت صفارات الإنذار من جديد في سماء الخليج، وتوالت الهجمات مرّةً بعد أخرى، في مشهد اكتنفه صدور تصريحات متضاربة عن قيادات عسكرية وسياسية إيرانية متعدّدة، كشفت عمق الفجوة بين مؤسّسات الدولة وغياب التنسيق فيما بينها.
لقد راهنت إيران، واهمةً، على أن تصعيد الضغط على دول الخليج العربي سيدفعها إلى مطالبة واشنطن بوقف الحرب. وفاتتها حقيقة أن القرار كان (ولا يزال) حكراً على الولايات المتحدة وإسرائيل وحدهما، وأن دول الخليج ليست بتلك الهشاشة التي تجعلها ترفع الراية البيضاء تحت الضغط. بل جاء الردّ الخليجي موحّداً وحازماً، رافضاً مبرّرات طهران، وبنبرة لا تقبل المساومة تجاه من يجرؤ على استهدافها. وزاد على ذلك أن المنظومة الدفاعية الخليجية أبلت بلاءً حسناً، وأفشلت معظم الهجمات، فحالت دون وقوع أضرار جسيمة في البنية التحتية لتلك الدول، بعد أن نجحت في التصدّي لصواريخ إيران وطائراتها المسيّرة، التي لم تكن (كما تدّعي طهران) تستهدف قواعد أميركية، بل كانت توجّه ضرباتها نحو منشآت مدنية حيوية، منها المطارات؛ كما جرى مع مطارَي الكويت ودبي، ومحاولة استهداف مطار الدوحة. بل إن ما فاجأ طهران أيضاً أن سلاح الجو القطري أسقط اثنتَين من مقاتلات سوخوي الإيرانية؛ كانت إحداهما تحاول قصف منشأة غاز ونفط. لقد كانت رسالة دول الخليج العربي واضحة لا لبس فيها: لا تساهل مع من يستهدفنا. وقد عكست هذه الرسالة وضوح الموقف الذي أعلنته تلك الدول قبل اندلاع الحرب. وهكذا تحوّلت حسابات الحرس الثوري وبالاً على النظام نفسه؛ ويكفي أن تقارن حجم ما تعرّضت له دول الخليج من صواريخ ومسيّرات بما تعرّضت له إسرائيل، لتدرك عمق الهوّة التي سقط فيها النظام الإيراني، وحجم الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه.
بات الحرس الثوري الإيراني دولةً داخل الدولة؛ فهو ليس مجرّد جهاز عسكري
منح المرشد الراحل الحرسَ الثوري، مع تشدّده وأدلجته العقائدية، صلاحياتٍ واسعةً، حتى بات دولةً داخل الدولة؛ فهو ليس مجرّد جهاز عسكري، بل كيان اقتصادي وإداري واجتماعي متشعّب. وقد رأى قادة الحرس في هذه الصلاحيات تفويضاً يخوّلهم تجاوز جميع المرجعيات السياسية في الدولة. غير أن هذا التجاوز يبدو أنه يُعجّل بانهيار النظام لا يحميه؛ فحتى توجيه الإيعاز إلى أذرع إيران في العراق ولبنان لفتح جبهات متعدّدة لن يكون إلا الإسراع في تدمير تلك الأذرع بالتوازي مع تفكيك بنية النظام ذاته. وهنا لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن الداخل الإيراني، الذي يُفترض أنه يتحّد خلف قيادته في أوقات الحرب، بدأ يُظهر تصدّعات واضحة.
وبتقديري، بات النظام في إيران يفقد علاقاته وصداقاته تدريجياً من خلال تعدّد الجبهات التي افتعلها، سيّما تلك التي فتحها في وجه دول الخليج التي سعت إلى تجنيبه ويلات الحرب، فضلاً عن استعداء دول أخرى، مثل أذربيجان وتركيا، اللتَين طاولهما القصف الإيراني رغم النفي المتكرّر من طهران. لذا، ما يحتاجه النظام في إيران اليوم (قبل أي شيء آخر) هو إقصاء الحرس الثوري من المشهد السياسي، وإعادة زمام الأمور إلى السياسيين، علّهم يستطيعون إنقاذ ما يمكن إنقاذه وتجنيب النظام السقوط المدوّي. وإلا، سيجد خصوم النظام في حالة التخبط الراهنة فرصتهم السانحة لإطلاق رصاصة الرحمة على رأسه، سواء من خلال الحرب الدائرة، أم عبر عزلة دولية ممتدّة.
