عربي
قامت الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، فشكّلت تجربةً فريدةً جمعت بين قوّة الإيمان وأدوات الحداثة، رافضةً الغرب ظاهرياً، ومستفيدةً من تقنياته عملياً، كما رأى المفكّر الإيراني الراحل، داريوش شايغان، في كتابه الشهير "ما الثورة الدينية؟". صدر الكتاب المرّة الأولى بالفرنسية في باريس عام 1982، ثم بالعربية تحت عنوان "ما الثورة الدينية؟... الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة" (نقله إلى العربية محمّد الرحموني، دار الساقي، بيروت، 2004). وشايغان، الذي عاش بين طهران وباريس وتشرّب الثقافتَين الشرقية والغربية، كتب كما يكتب شاهد عيان، إذ نراه يطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لثورةٍ أن تكون دينية، فيما هي عملٌ تاريخيّ يسعى إلى الاستيلاء على الدولة وإعادة صياغة المجتمع؟ فالدين ينتمي إلى عالم المطلق الذي يتجاوز التاريخ والزمن، بينما تندرج الثورة ضمن نزاعات البشر داخل التاريخ. لذا، ينتج التقاء هذين العالمَين "كياناً هجيناً"، كما سمّاه، أي ثورة دينية تحوّل الإيمان إلى أيديولوجيا سياسية تخدم أهدافاً دنيوية. هكذا، لا تعيد الثورة الدين إلى أصالته الروحانية، لأنها تستخدمه لغةَ تعبئةٍ وتجييش جماعي، هدفها تحريك الجماهير وتوجيهها نحو السلطة.
ضمن هذا الإطار، يبتكر شايغان مفهوم "أدلجة المقدَّس"، حيث يُصار تدريجياً إلى سحب الرموز الدينية التي كانت جزءاً من الذاكرة الروحية للجماعة الشيعية (مأساة كربلاء، وشهادة الإمام الحسين، وانتظار الإمام المهدي... إلخ) من سياقها الروحيّ، لتصير أدواتٍ سياسيةً في خدمة لغة ثورية تستثير العواطف وتضفي على الصراع السياسي بُعداً مقدَّساً. والحال، أنه يتم تحويل التاريخ الديني إلى مادّة خام توظَّف في بناء أسطورة سياسية معاصرة، وتحوّل الشهادةَ طاقةً جماعية تُعبّئ الشوارع وتُشعل الحماسة الثورية. ويصف شايغان عملية التحوّل هذه بدقة، موضّحاً كيف تنتقل التجربة الروحية من عالم الصلاة والتأمّل، إلى ساحة الخطاب الجماهيري الذي يهدف إلى تولّي السلطة.
بيد أن الثورة الإيرانية لا تخلو من مفارقات، إذ يشير شايغان إلى "الشيزوفرينيا الثقافية"، أو الفصام الثقافي الذي يمثّل جوهر الظاهرة إذ تعلن الثورة رفضها الجذري للغرب، "العدو الأكبر"، في حين تلجأ إلى استخدام أدواته الحديثة، في الخطاب كما في التنظيم السياسي. ويرى المفكّر الإيراني في ذلك دليلاً على أن ما يجري ليس عودةً بسيطة إلى الماضي التقليدي، بل تجربة "حداثة مقلوبة"، تعادي العلمنة والعقلانية نظرياً، وتستفيد من إنجازاتها عملياً. هنا، يقرأ المفكّر صعود شخصية آية الله الخميني شعبياً من خلال مفهوم "الكاريزما" كما صاغه عالم الاجتماع ماكس فيبر. فالخميني ما كان فقيهاً تقليدياً يفتي في المسجد فحسب، وإنما زعيما كاريزمياً يتمتّع بمقدرة نادرة على تحويل الولاء الديني إلى طاعة سياسية واسعة، وقد تداخلت فيه سلطة الفقه مع سحر الشخصية الثورية، لتُنشئ نموذجاً جديداً للحكم يقوم على "ولاية الفقيه"، هو الذي جمع بين شرعية إلهية من السماء، ورمزية ثورية من الشارع!
ويرفض شايغان اعتبار الثورة الإسلامية مجرّد ردّة فعل على الحداثة، أو رفضاً لها، لأنها واحدةٌ من الظواهر التي وُلدت من رحم الحداثة، مع اتّخاذها شكلاً مضادّاً. هي "حداثة مضادة" كما يقول، منبثقة من صراع عميق بين العالم التقليدي وبنية الدولة الحديثة القومية، وهي بهذا المعنى، امتدادٌ لتاريخ طويل من الصدام بين التراث الديني والأنماط الفكرية الحديثة المفروضة على المجتمعات الإسلامية.
أخيراً، يضع شايغان القارئ أمام سؤال أشمل يتجاوز الحدود الإيرانية. هل من الممكن أن يستمرّ الدين فاعلاً وقويّاً في زمن الدولة القومية، والعقل العلمي، والديمقراطية الغربية، من دون أن يتحوّل إلى أداة سلطة ثيوقراطية قمعية، أو ينكفئ إلى طقوس فردية مفتقدة إلى التأثير الاجتماعي؟ هذا السؤال يجعل الكتاب تأمّلاً في الثورة الإيرانية، ومحاولة لفهم المأزق الذي يواجهه العالم الإسلامي عندما يسعى إلى التوفيق بين سطوة المقدَّس وضغوط الحداثة.
