أنماط الرد على الغرب.. ماذا قد تفعل إيران حين لا يتبقى لديها ما تخسره؟
أهلي
منذ 3 أيام
مشاركة

ترجمة وتحرير “يمن مونيتور”

مجلة (ذا اتلانتك) الأمريكية، كولين ب. كلارك

منذ أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران نهاية الأسبوع الماضي، ردت طهران بضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة شملت أنحاء متفرقة من الشرق الأوسط، وتحديداً في البحرين وإسرائيل وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وبينما يبدو أن قدرة إيران على الرد بدأت في التراجع، مع انخفاض عدد المقذوفات التي تطلقها يوماً بعد يوم، إلا أن مخاطر الانتقام “خارج” المنطقة تزداد مع استمرار الحرب؛ وهي مخاطر باتت واقعية للغاية بالفعل.

وحتى قبل أن تكتسح صور الموت والدمار في إيران شبكة الإنترنت، كان المسؤولون الأمنيون الغربيون قد أعربوا عن قلقهم من احتمال قيام إيران أو وكلائها — حزب الله في لبنان، الميليشيات الشيعية العراقية، أو الحوثيون في اليمن — بشن هجمات في الولايات المتحدة أو أوروبا أو أماكن أخرى. وحينما سألت مجلة “تايم” الرئيس ترامب هذا الأسبوع عن التهديد الذي يواجه الداخل الأمريكي، أجاب قائلاً: “أعتقد” أن على الأمريكيين القلق، مضيفاً: “نحن نخطط لذلك. نعم، تعلمون، نحن نتوقع حدوث بعض الأشياء. وكما قلت، سيموت بعض الناس. عندما تخوض حرباً، سيموت بعض الناس”.

وبعيداً عن الرغبة في الانتقام، فإن هدف إيران من تدبير هجمات نوعية في الغرب هو تأليب الشعوب ضد حكوماتها للضغط على صناع القرار من أجل إنهاء الصراع. وقد تصبح الهجمات الإرهابية في المدن الغربية نقطة ضغط تجعل الولايات المتحدة وحلفاءها يشعرون بآلام هذه الحرب بشكل مباشر. وفي هذه المرحلة، لم يعد لدى إيران ما تخسره تقريباً، وقد تكون مستعدة لاتخاذ إجراءات أكثر تطرفاً مما كانت عليه في الماضي، لذا يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها البقاء في حالة يقظة والاستعداد لاحتمال وقوع أعمال عنف على أراضيهم.

عناصر من الحرس الثوري يسيرون خلال عرض عسكري لإحياء ذكرى الحرب العراقية الإيرانية. (رويترز)

تاريخ من العمليات الخارجية

تمتلك إيران ووكلاؤها تاريخاً طويلاً في تنفيذ الهجمات بالخارج. ففي عام 1992، ورداً على اغتيال إسرائيل للأمين العام لحزب الله عباس الموسوي، استخدمت الجماعة شاحنة مفخخة لقتل 29 شخصاً وإصابة 242 آخرين في السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس. وبعد عامين، ضرب حزب الله المدينة ذاتها مرة أخرى، مستهدفاً المركز المجتمعي اليهودي (الجمعية التعاونية الإسرائيلية الأرجنتينية – AMIA)، مما أسفر عن مقتل 85 شخصاً وإصابة أكثر من 300 آخرين. وقد حافظ حزب الله على وجوده في أمريكا اللاتينية لعقود، ولا يزال قادراً على تنفيذ هجمات إرهابية في المنطقة. وفي عام 2012، خطط حزب الله ونفذ تفجيراً انتحارياً استهدف حافلة في بورغاس ببلغاريا كانت تنقل سياحاً إسرائيليين، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة العشرات.

وعلى مر السنين، أحبطت السلطات مؤامرات مشتبه بها لحزب الله في بوليفيا وقبرص وجورجيا وكينيا وبيرو وتايلاند والمملكة المتحدة وأماكن أخرى، مما يبرهن على المدى العالمي الذي وصل إليه الحزب. وفي عام 2018، أُلقي القبض على دبلوماسي إيراني، أُدين لاحقاً بتزويد زوجين مقيمين في بلجيكا بقنبلة قوية كان من المفترض استخدامها في هجوم إرهابي يستهدف معارضين إيرانيين في فرنسا.

ومنذ أن اغتالت الولايات المتحدة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في عام 2020، حاولت إيران شن المزيد من الهجمات. وخلال السنوات الخمس الماضية، أحبطت السلطات الأمريكية 17 مؤامرة إيرانية استهدفت الداخل. وقد تورطت طهران في مؤامرات متعددة لقتل مسؤولين أمريكيين، من بينهم ترامب، ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، ووزير الخارجية السابق مايك بومبيو. وفي أكتوبر 2024، صرح المدير العام للمكتب الخامس (MI5) كين ماكالوم، أن السلطات البريطانية تعاملت في غضون ثلاث سنوات تقريباً مع 20 مؤامرة منفصلة مدعومة من إيران تستهدف مواطنين ومقيمين بريطانيين. وبعد أن ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل البنية التحتية النووية الإيرانية في يونيو الماضي، أُحبطت مؤامرة إرهابية مشتبه بها مدعومة من إيران في ألمانيا. وقبل أيام من اندلاع الحرب الأخيرة في إيران، صرح مسؤول أمريكي رفيع لصحيفة “نيويورك تايمز” بأن المحللين الحكوميين يراقبون “الكثير” من الأنشطة والتخطيط الإيراني، لكنهم لا يعرفون على وجه التحديد ما الذي قد يفجر الهجوم.

لقد ضعف ما يسمى بـ “محور المقاومة” — شبكة وكلاء إيران غير الرسمية — بشكل كبير منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023 والقتال الذي أعقبها. ومن الجدير بالذكر أن الضربات الجوية في يونيو لم تثر رداً قوياً من إيران أو حلفائها. ولكن الآن، وبعد اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، ومع تزايد احتمالات انهيار النظام الإيراني، يمر الحرس الثوري الإيراني وأتباعه بلحظة وجودية.

سيناريوهات الرد الإيراني

يمكن أن يتخذ الانتقام الإيراني ضد الغرب ثلاثة أشكال محتملة: “الهجمات الملهمة”، حيث يقرر أفراد تبنوا الفكر المتطرف بسبب الأحداث الجارية أو الدعاية الإيرانية التحرك بمفردهم؛ و”الهجمات الموجهة”، التي تعتمد فيها إيران على أطراف ثالثة مثل المنظمات الإجرامية العابرة للحدود؛ وهجمات “الخلايا النائمة”، التي تتكون من عملاء إيرانيين أو وكلاء إرهابيين تم زرعهم في الدول الغربية منذ سنوات للرد في حال اندلاع حرب كارثية بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي المستقبل القريب، يبدو السيناريو الأكثر احتمالاً هو “الهجوم الملهم” من قبل “ذئب منفرد” أو متطرف عنيف محلي. وخلال عقدين من الحرب العالمية على الإرهاب، كان التهديد الأساسي للذئاب المنفردة ينبع من الجهاديين السنة المتأثرين بدعاية القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية وفروعهما. أما الآن، وبعد اغتيال خامنئي، الذي يعد أحد أكثر الشخصيات تبجيلاً في الإسلام الشيعي، فقد يحل المتطرفون الشيعة محل الجهاديين السنة كأكبر تهديد إرهابي عابر للحدود. ففي أغسطس 2022، قام هادي مطر، وهو مقيم في نيوجيرسي، بالتوجه إلى معهد تشاوتاوكوا في ولاية نيويورك، حيث طعن سلمان رشدي، الذي كان قد صدرت بحقه فتوى بالقتل عام 1989 من قبل المرشد الأعلى الإيراني السابق آية الله روح الله الخميني. وفي اليوم التالي لبدء الحرب مع إيران، قام رجل يرتدي سترة كتب عليها “ملك لله” (Property of Allah) وقميصاً بتصميم يشبه العلم الإيراني، بقتل ثلاثة أشخاص في حانة في أوستن بتكساس؛ ويجري التحقيق في الحادث كعمل إرهابي محتمل، رغم ضآلة المعلومات المتاحة حول دوافع الجاني حتى الآن.

وتعد هجمات الذئاب المنفردة النوع الأصعب في التنبؤ، لأن الأفراد — كما يشير الاسم — ليس لديهم شركاء ويتجنبون التوجيهات من الجهات الحكومية أو غير الحكومية. وحين يتم التخطيط للمؤامرة من قبل شخص واحد، تقل فرص ما تسميه السلطات “تسرب” الخطط. وإذا لم يكن المهاجم مرصوداً بالفعل من قبل أجهزة إنفاذ القانون، يصبح منع المؤامرة أكثر صعوبة. ومع ذلك، ورغم أن الهجوم الملهم هو الاحتمال الأرجح، إلا أنه الأقل احتمالاً في التسبب بأعداد كبيرة من الضحايا، لأن العديد من الذئاب المنفردة يفتقرون للتدريب وغالباً ما تتسم خططهم بالعشوائية.

أما “الهجمات الموجهة”، فستكون تحت سيطرة الإيرانيين بشكل أكبر، حيث قد يكلف الحرس الثوري عصابات أو مجرمين أو أفراداً من المافيا بتنفيذ مهامهم. وفي عام 2011، وجهت السلطات الأمريكية اتهامات لمنصور أربابسيار في مؤامرة محبطة لاغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة آنذاك، عادل الجبير، بتوجيهات من فيلق القدس (وقد أقر أربابسيار بالذنب في عام 2012). وتضمن جزء من تلك المؤامرة العمل من خلال فرد اعتقد الإيرانيون أنه عضو في عصابة تهريب المخدرات المكسيكية الشهيرة “لوس زيتاس”. وفي عام 2022، دفعت إيران أموالاً لعضوين في منظمة إجرامية من أوروبا الشرقية لقتل المعارضة والصحفية الإيرانية مسيح علي نجاد في منزلها في بروكلين، وهي مؤامرة تم إحباطها أيضاً.

ورغم أن العمل من خلال الجماعات الإجرامية قد يكون فعالاً، إلا أنه يعرض إيران وداعميها لخطر كشفهم من قبل عملاء سريين. فهذه المؤامرات تتطلب تواصلاً بين الموجهين الإيرانيين والمكلفين بجمع الأسلحة واختيار الأهداف ووضع الخطط العملياتية. وكلما زاد التواصل بين عقد الشبكة، زادت فرصة وكالات الاستخبارات الأمريكية لتعقب هذه الاتصالات واعتراضها، بما في ذلك عبر الاستخبارات الإشارية.

ويظل السيناريو الأقل احتمالاً للانتقام الإيراني هو اعتماد النظام على “الخلايا النائمة”. فالتخطيط لهذا النهج يمثل تحدياً كبيراً لأنه يتطلب من العملاء الإيرانيين أو الوكلاء الإرهابيين أن يكونوا قد أنشأوا غطاءً عميقاً لسنوات. ومع ذلك، قد يكون هذا النهج هو الأكثر دموية، لأن من يتم نشرهم لمثل هذه العمليات هم أعضاء نخبة في الحرس الثوري أو حزب الله أو الجماعات الأخرى التي ترعاها إيران.

وفي عام 2017، أُلقي القبض على عملاء حزب الله المقيمين في الولايات المتحدة، علي كوراني وسامر الدبيك، بتهمة القيام بأنشطة لصالح جناح العمليات الخارجية في حزب الله. واعترف كوراني لمكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه كان جزءاً من خلية نائمة، وحُكم عليه بالسجن. وبعد عامين، في 2019، اعتُقل أليكسي صعب، وهو مقيم في نيوجيرسي، بتهمة استطلاع معالم أمريكية لهجوم محتمل لحزب الله. وشملت المواقع التي راقبها صعب ساحة “تايمز سكوير”، و”وول ستريت”، وبورصة نيويورك، ومركز “روكفلر”، والعديد من الأهداف الرخوة الأخرى؛ وقد أُدين وحُكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً.

ورغم السجل الناجح لأجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات الأمريكية في إحباط المؤامرات المدعومة من إيران على الأراضي الأمريكية، وحتى مع ضعف شبكة الوكلاء الإيرانيين، إلا أن هناك سبباً وجيهاً للقلق اليوم. فخلال السنوات القليلة الماضية، حولت الحكومة الأمريكية الموارد والأفراد بعيداً عن مكافحة الإرهاب نحو أولويات أخرى، تشمل الصين وروسيا والهجرة. ولهذا السبب، يمكن القول إن الداخل الأمريكي بات اليوم أكثر عرضة للخطر مما كان عليه منذ وقت طويل.

ويبقى السؤال حول رغبة إيران في الانتقام؛ إذ يحتاج الإرهابيون إلى “القدرة” و”النية” معاً للنجاح. وبينما تضعف قدرات الإيرانيين حالياً، فإن نيتهم في الهجوم تزداد قوة يوماً بعد يوم.

 

The post أنماط الرد على الغرب.. ماذا قد تفعل إيران حين لا يتبقى لديها ما تخسره؟ appeared first on يمن مونيتور.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية