"فارس الممالك السبع"... نسمة تعبر عالماً قذراً
عربي
منذ يومين
مشاركة
يصعب العودة إلى القارة الخيالية ويستروس من دون توقّع سماع هدير أجنحة التنانين أو صليل جيوش جرّارة. مع ذلك، أول ما ينتبه إليه المتفرّج أن مسلسل "فارس الممالك السبع" (A Knight of the Seven Kingdoms)، رغم رسوخه في عالم جورج آر. آر. مارتن، يشهد تحولاً جذرياً في أسلوبه ونبرته. بالنسبة إلى بعض المعجبين المتعصّبين، المعتادين على الجدّية السياسية لمسلسل "صراع العروش" أو التراجيديا الشكسبيرية لمسلسل "بيت التنين"، قد يكون هذا التحوّل مزعجاً. لكن بالنسبة إلى آخرين، سيكون بمثابة نسمة هواء منعشة مُرحّب بها. يبدو أن شبكة إتش بي أو أدركت أن السبيل الوحيد لتجنّب ملل المشاهدين من كثرة مؤامرات القصور، يكمن في اختيار ما هو مناقض تماماً: بساطة، خِفّة، مفاجأة، فكاهة. فإذا كانت المسلسلات السابقة أشبه بأوبرات فاغنر، فإن "فارس الممالك السبع" أقرب إلى أغنية شعبية تُعزف في حانة صاخبة. إنها طريقة ذكية لتجنّب مقارنات مباشرة ستفضي إلى فشل أي عمل مشتق آخر يحاول محاكاة ضخامة الأعمال السابقة. "فارس الممالك السبع" مقتبس من سلسلة روايات قصيرة بعنوان "حكايات دانك وإيغ" نشرها جورج مارتن بين عامي 1998 و2010 (يركّز العمل على رواية "الفارس المتجوّل")، ويمثل خطّاً درامياً فرعياً من سلسلة صراع العروش الشهيرة. تكشف النصوص الأصلية أن هذا العمل أخفّ بكثير، فهو أقرب إلى رواية مغامرات من العصور الوسطى، ويتبنّى المسلسل هذه الطبيعة من دون تحفظ. إنه أكثر كوميدية بوضوح، معتمداً على التناغم بين شخصيتَين غير متوقّعتَين. أحياناً، يجعل الإخراج والحوار المتقنان العمل أقرب إلى فيلم "المفضّلة" (The Favourite) ليورغوس لانثيموس منه إلى "صراع العروش". ثمة عبثية آسرة في بيروقراطية البطولة وأبّهة الفرسان يستغلّها المسلسل ببراعة. حتى إن تجاوز المسلسل حدود الكوميديا والمفارقات الموسيقية قليلاً، فسنكون بصدد الحديث عن نسخة جديدة من "حكاية فارس"، ذلك الفيلم الكلاسيكي الشهير من بطولة هيث ليدجر. المقارنة ليست بعيدة عن الواقع، فالقصّة تدور بالكامل في ساحة مبارزة، بكلّ ما يصاحبها من ألوان وغبار وصخب. لكن هذا الطابع المرح يبقى سائداً خلال الحلقات الثلاث الأولى فقط. عندها تتغيّر الأمور. فبعد الحلقتين الأوليين من إخراج أوين هاريس (أخرج أيضاً "بلاك ميرور")، يحدث تحوّل مفاجئ يغيّر ديناميكية المسلسل، مذكّراً إيانا بأنه في نهاية المطاف، لا أحد في مأمنٍ تامّ في ويستروس. ولهذه الأسباب جميعاً، تعود الحلقة الخامسة إلى وحشية ساحات معارك ويستروس، بكلّ ما يصاحبها من عنف وعدم استقرار. يُنسب الفضل إلى جورج مارتن في المشاركة في ابتكار المسلسل وإنتاجه التنفيذي، بينما يتولّى إيرا باركر إدارة الإنتاج، ويظهر جلياً مدى تقديره للمادة الأصلية. هذا المسلسل عملٌ تمهيدي ذو صيغة غير مألوفة: ستّ حلقات، مدّة كل منها يزيد قليلاً عن 30 دقيقة. هذه المدّة (أقرب إلى طول حلقات السيتكومز) تصبّ في مصلحته، إذ تتجنّب الحشو غير الضروري. زمنياً، تدور أحداث المسلسل قبل أحداث "صراع العروش" بنحو 100 عام، وبعد قرابة 70 عاماً من الأحداث المروية في "بيت التنين". إنها حقبة آسرة تحديداً لما تفتقر إليه: عالمٌ لا تعدو فيه التنانين كونها مجرّد ذكريات وجماجم بالية. صحيح أن آل تارغاريان يحكمون العرش الحديدي، لكن سلطتهم باتت موضع تساؤل. في غياب التهديد الحاسم للتنانين، تحافظ السلطة على مكانتها عبر السياسة والتصوّرات، وهو ما نشهده من خلال عيون الفارس المتجوّل دانك (بيتر كلافاي) ومرافقه إيغ (ديكستر سول أنسيل). الصراع هنا ليس على عروش وممالك، بل يستكشف المسلسل جانباً جديداً من الحياة في ويستروس، حياة ومصائر مَن لم يحالفهم الحظّ بالولادة ضمن إحدى العائلات العريقة، وكيف يشقّون طريقهم في هذا العالم المظلم والقاسي. بدلاً من السياسة العالمية، تدور بطولة مبارزة صغيرة في قرية أشفورد المتواضعة ("يصرخ أحد المشاهدين المتحمّسين في البداية: اللورد أشفورد يمارس الجنس مع أغنامه!") بدلاً من مشهد افتتاحي مميّز تظهر فيه مبانٍ ترتفع من خريطة العالم عبر آلية تروس، تبدأ كل حلقة من دون مقدّمة. قد يتساءل المرء عمّا إذا كان العالم بحاجة حقاً إلى مسلسل فرسان ساخر، أشبه بمسلسل "ماش" تدور أحداثه في سوق من القرون الوسطى، ينتقد السلطة والعنف، مع لمحات نسوية ("سيدي، توقّف عن الاغتصاب!"). لا يعني هذا بالطبع ابتعاد روح المسلسل عن عوالم ويستروس القذرة، فالعمل مليء بالألفاظ البذيئة ولا يصلح للمشاهدة العائلية، ويضمّ أبطالاً هم في الحقيقة أبطالٌ مضادون، ولا تدور فيه أحداثٌ ذات أهمية كبيرة، وينبع توتّره الأكبر من مشهدين للمبارزة، تلك المبارزات بين فرسان يرتدون الدروع، ويحملون الرماح والتروس، ويتسابقون نحو بعضهم بعضاً في ساحة المبارزة بهدف إسقاط خصمهم. هل يبدو غير مقنع؟ أحياناً، يغدو الأقل أكثر، كما يُقال، ونجاح هذا العمل، يكمن تحديداً في احتضانه للعبثية والسخرية، وشخصياته المتنازعة، وكثرة أصوات الريح والتجشؤ، وملاحظاته اليومية الصغيرة، وفكاهته الجسدية. يبدو أن منتجي "فارس الممالك السبع" أرادوا النأي بأنفسهم تماماً عن هيبة العديد من المشاريع المماثلة، واختاروا مسلسلاً مثل أفلام الدرجة الثانية. يكمن جمال هذا العمل في منظوره الواقعي. فهو يقدّم فهماً ثقافياً واجتماعياً أعمق لكيفية عيش مختلف شرائح المجتمع خلال تلك الحقبة، بعيداً عن القلعة الحمراء. وهذا ما يجعلها قصّة أصغر وأبسط بكثير مما رأيناه حتى الآن. لكن لا تنخدعوا بحجمها: فهي تمهّد الطريق لما سيحدث في "صراع العروش".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية