بلال و الفتح الأعظم - احمد عبدالملك المقرمي
حزبي
منذ ساعة
مشاركة

 

 

   تمادى طغيان قريش في مكة، حتى ظنوا أنهم قادرون عليها أبد الدهر، فشددوا وطأة الأذى و الاضطهاد على المسلمين.

    و هذا هو دأب الطغاة و المستكبرين ممن يصورون لأنفسهم أنهم الملأ المختار من السماء، و الذي لا يجوز لأحد ان ينازعهم

في مكانة أو زعامة؛ إرثا يزعمونه، أو حقا مكتسبا يحتسبونه لأنفسهم من غير أن يكون لهم أدنى حق فيما يدعون  أو يزعمون.

   و أمام بطش قريش و تنكيلها أذن الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه بالهجرة إلى يثرب؛ خاصة و قد أخذ ممن أسـلم من أهلها ـ من الأوس و الخـــزرج ـ البيعة على الحماية و النصرة.

 

   و ممن خرج مهاجرا إلى يثرب في وقت مبكر أيقونة الصبر، و رمز قوة التحمل بلال بن رباح ؛ مضرب المثل في مواجهة المشاق و العذاب.

 

   و برغم ما كان يلقاه من عذاب و تنكيل في مكة المكرمة على يد طغاتها، إلا أن الحـــنين إلى مكة المكــــرمة وشعابها ، و جبالها و مياهها لم يغادر مخيلته، و لم يبرح ذاكرته، و لطالما هزه الشوق، و دعاه الحنين إليها ، فللأوطان حـب غير منسي، و مكانة لا تزول.

   و ها هو ذا بلال ـ بعد وصوله مهاجرا إلى يثرب ـ تصيبه الحمى ، و هنا يعاوده الحنين إلى ملاعب الصبا، و مراتع الشباب وكان إذا اشتدت به الحمى؛ يتدكر، فيتمثل قائلا :

 

      ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلة

      بواد  وحولي  إذْخِرٌ  و جليل

 

      و هل  أَرِدَنْ يوما  مياه  مِجَنّة

      و هل يبْدُوَنْ لي شامة وطَفِيل

 

   لكن و الحق يقال، ما كان شوقه ليقعد به ـ معاذ الله ـ عن إيمان راسخ، و ملازمة محمد عليه الصلاة و السلام.

 

   حسب أهل مكة أنهم بهجرة الرسول الكريم إلى المدينة المنورة قد خلا لهم الجو، و استقرت بهم الحال على الأمر الذي كانوا عليه قبل رسالة محمد عليه الصلاة والسلام. و ما علموا أن العد التنازلي لهيمنتهم قدا بدأ عمليا منذ الخطوة الأولى التي خطاها محمد صلى الله عليه و سلم نحو المدينة، بل قد بدأت منذ يوم بيعة العقبة الكبرى.

 

   ليس بمقدور أحد أن يمنع تدفق ســـــيل الحــياة، أو يحول مجـــراه، و ليس بمقدور البغاة و الطغاة أن يحبسوا الضــــياء و النور.

 

   لم تمض غير ثماني سنوات من هجرة خرج أهلها من مكة نحو يثرب متسترين بالليل خيفة من قريش، التي لم تدرك مغبة فعلها إلا بعد أن تكاملت هجرة المهاجرين؛ لتصدمها يقظة متأخرة تقف بها وجها لوجه أمام مآلات الهجره، و مستقبلها.

 

  لم يطل انتظار قريش فقد كانت يوم بدر لها بالمرصاد على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة حيث تلقت قريش صفعة كبري لم تكن في حسابها يوم أن فقدت سبعين رجلا من قياداتها في يوم واحد ، و سبعين آخرين نجوا بأنفسهم إلى حبال الأسر، و هو ما كانت تستبعده قريش أن يحل بها ما نزل في ساحها.

   مقبرة الطغاة في غرورهم، و زوالهم يعجّل به كبرياؤهم حيث يتنكرون لكل القيم، و يديرون ظهورهم لكل المبادئ بمجـرد أن يشعروا بشيء من قوة، فحينها لا يعرفون معروفا، و لا يحترمون موثقا.

 

   و جاء اليوم الموعود للقاءمكة المكرمة، فقد بَرّح الشوق ببلالا و صحبه، و كان العامل الأهم لاستعجال اللقاء غدر قريش بهدنة العشر سنوات وفق صلح الحديبية الذي لم يمضِ عليه غير سنتين، فكان غدر قريش مفتاح الفتح العظيم.

 

   يجتهد البشر في رسم خططهم، بين هجوم و دفاع، و هذا أمر واجب و مطلوب، و يأتي إذن الله بفرج لم يكن في الحسبان لأي من الطرفين. فالغدر بصلح الحديبية قامت به مكة غرورا و استكبارا، و النتيجة اقتطفها من خرجوا مهاجرين بصورة المستضعفين في حسابات قريش.

 

   مضى بلال في موكب أشرف جيش سار إلى هدف، مضى تسابقه أشوقه لتكتحل عيناه برؤية راية الإسلام ترفرف في سماء مكة، و سقوط راية الشرك و الطغيان.

 

   و يدخل محمد صلى الله عليه و سلم مكة فاتحا في العشرين من شهر رمضان من العام الثامن من الهجرة، و يحطم الرسول الأصنام من البيت، و يهدم كل مآثر الجاهلية، و يلتفت نحو بلال فيأمره أن يصعد الكعبة معلنا من على سقفها أول أذان للصلاة من مكة، و ما من شك أن بلالا كان يتذكر، و يتذكر معه الكثيرون حينها يوم كان يردد في جنبات مكة بصبر ، و صمود:  أحد  ..  أحد  !  إي و الله يا بلال؛  أحد أحد إلى  يوم الدين.

   مهما كان العنت، و مهما كان مكر المخططات، و مهما تكاثرت مشاريع الصغار، فإنها إلى زوال، و إن النصر مع الصبر، و إن الله مع الصابرين.

 

  

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية