عربي
بعد نحو خمسة أسابيع على عرضه الدولي الأول، في الدورة الـ42 (22 يناير/كانون الثاني ـ 1 فبراير/شباط 2026) لمهرجان ساندانس السينمائي (جائزة لجنة التحكيم الخاصة للأفلام الوثائقية العالمية، فئة التأثير الصحافي)، يُعرض "طيور الحرب" (2026، 85 د.)، للّبنانية جناي بولس والسوري عبد القادر حبق، في المسابقة الدولية للدورة الـ28 (5 ـ 15 مارس/آذار 2026) لمهرجان سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية: قصة حبّ، تُشكّلها الثورة والحرب والمنفى. ففي 13 عاماً، يتراكم أرشيفٌ يُستند إليه في تتبّع يوميات بولس (مُقيمة في لندن) وحبق، اللذين يلتقيان للمرة الأولى بفضل عمل مشترك بينهما في الحرب السورية. فبسبب منع الصحافيين الدوليين من دخول سورية، تعتمد وسائل الإعلام حينها على ناشطين (أمثال حبق) لتوثيق الأحداث في الواقع. التعاون المهني بينهما يتحوّل، تدريجياً، إلى شراكة وثيقة.
في POV (مجلة وثائقية كندية)، يكتب كورتني سْمَال (26 يناير/كانون الثاني 2026): "ننظر كثيراً إلى الحرب من منظور المعاناة والكراهية. قصص القصف والنزوح والمجاعة، والأنظمة التي تحرّكها السلطة والأيديولوجيا، تتبادر إلى الذهن عادة عند التفكير في الصراعات العالمية التي يعيشها الناس حالياً". يُضيف أنّ "الحبّ" كلمة تغيب، غالباً، مُشيراً إلى أنّ "قوة الحبّ في زمن الحرب جوهر الوثائقي "المؤثّر" هذا". ومع اشتعال الحرب السورية عام 2016، لم يكن للرومانسية وجود في ذهن الصحافية اللبنانية، فـ"جُلّ اهتمامها (حينها) ينصبّ على إيجاد طريقة لتغطية الصراع، بعد منع الصحافيين من دخول حلب".
أمّا ريبيكا مارتن (رئيسة تحرير Cinema Femme، ومديرة مهرجان سينما فام للأفلام القصيرة بشيكاغو)، فتصف الفيلم بأنّه يسرد حكاية جناي بولس، "التي تتزايد خيبة أملها من الصحافة التقليدية"، بينما يواجه عبد القادر حبق "سقوط حلب، والثمن الباهظ الذي يدفعه إلى توثيق الأحداث". في مقالتها المنشورة في المجلة نفسها (3 فبراير/شباط 2026)، تكتب أنّه، "في خضم التحوّلات السياسية الجذرية، التي تشهدها سورية ولبنان، يتأمّل الفيلم في ما يُفقَد، وما يُكتَسب، عندما يصمد الحبّ في ظروف استثنائية".
في حوارها معهما، تُعبّر مارتن عن إعجابها بـ"طيور الحرب"، لكونه "مؤثّراً للغاية"، قبل أنْ تسأل حبق عن أهمية توثيق ما يحصل في منطقته، وعن بداية تصويره: "عند اندلاع الثورة عام 2011، كنتُ جزءاً منها. كنتُ في الشوارع. حينها، يمنع نظام الأسد تماماً وصول الصحافة الدولية إلى البلد. وسائل التواصل الاجتماعي في بداياتها. شباب وأنا نعرف كيفية استخدام فيسبوك ويوتيوب". هكذا يبدأون تصوير ما يدور حولهم، ثم ينشرونه في الإنترنت. يقول إنّ الأمرَ مسؤوليةٌ، "إذْ يجب إيصال أصوات هؤلاء الناس إلى العالم والعرب"، خاصة أنّ النظام "يدّعي عدم حدوث شيء". يُضيف: "لكننا هناك نتظاهر ونصوّر. ما يبدأ بدافع فطري، يُصبح دورياً في الثورة. أحياناً، نسافر سبع ساعات فقط لنشر لقطات، لأنّ الإنترنت لم يكن يعمل. أحياناً أخرى، نضطرّ إلى تهريب معدات الإنترنت إلى البلد. الأمر صعب للغاية، لكنه ضروري".
من جهتها، تقول جناي بولس إنّ كل واحد منهما يصوّر فطرياً: "منذ صغري، أصوّر حياتي وعائلتي ولبنان ومحيطي. هذه وسيلة لمراقبة العالم وفهمه. عند اتفاقنا على صنع الفيلم، نتساءل: ما اللحظات التي تغيّر حياتنا حقاً". بالنسبة إليها، "انتفاضة 17 أكتوبر" اللبنانية (2019)، والانهيار الاقتصادي، والتحوّلات الإقليمية، أمور جوهرية: "تلك المنعطفات المحورية أساس القصة. إنّها لحظات تغيّر حياتنا وعلاقاتنا". يقول حبق إن توثيق كلّ شيءٍ في حلب المحاصرة "أمرٌ ملحّ"، وإنْ لم تُنشر اللقطات أبداً: "هذا توثيق لجرائم حرب. لم نكن نعرف أبداً ما إذا سننجو، أو من سيكون مسؤولاً عن لقطاتنا إنْ لم ننج".
في هذا الإطار، يُذكر أنّ لدى حبق نحو 12 تيرابايت من لقطات عالية الدقّة، وأنّ اختيار ما يُفترض بالفيلم أنْ يتضمّنه، "يعني أنْ نتساءل: متى شككنا بحياتنا؟ متى تغيّر كلّ شيء؟". يرى أنّ هذه اللحظات "المحرّك الرئيسي للفيلم".
إلى ذلك، ينقل ليو بِراكلاو (فارايتي، 16 ديسمبر/كانون الأول 2025) عن أولي هاربُتل، كبير المسؤولين الإبداعيين في شركة "دوغووف"، قوله إنّ الفيلم قصة حبّ "استثنائية وحميمة، منسوجة في ظلّ الصراع"، وإنّه قصة حرب ومنفى أيضاً، و"ثمن الشهادة على حقيقتها بوضوح عاطفي نادر". أمّا المنتجة سونيا هنريتشي، فتقول (فارايتي أيضاً، العدد نفسه) إنّ الفيلم "يستخدم أرشيفاً ليروي قصصاً تغفلها التغطية الإخبارية"، وإنّ سؤاله المحوري، الأكثر إلحاحاً في الأذهان: "كيف يمكننا أن نكون معاً رغم اختلافاتنا؟". أما مارك توماس (سكرين اسكتلندا، داعمة الفيلم) فيرى أنّ اللقاء المُصادفة بين بولس وحبق، "وسط فوضى الصراع"، سيُغيّر مسار حياتهما (فارايتي).
من جهتهما، يروي الثنائي بولس ـ حبق أنّهما، بإنجازهما "طيور الحرب"، منطلقان في "رحلة تتجاوز الحدود والخطابات السياسية". كما أنّهما ينسجان قصة حبّهما "عبر حروب لبنان وسورية، وثوراتهما وتحوّلاتهما"، ويُشيران إلى أنّ نتاجهما هذا "يعكس تعقيدات المنطقة التي نعتبرها وطناً، لكنه (النتاج) في جوهره استكشاف إنساني عميق للتواصل، وتأكيد على أنّ الحبّ قادر على النمو، حتى في أكثر البيئات تشرذماً".
