عربي
منذ منتصف الثمانينيات، بدأ المشروع الترجمي للناقدة والروائية العراقية لطفية الدليمي، التي غادرت عالمنا أمس الأحد عن عُمر يناهز 83 عاماً، بالتبلور ليصبح أبرز وجوه مسيرتها الثقافية التي بدأت قبل ذلك التاريخ بأكثر من عقدين. يُمكن وصف هذه العقود الأربعة بأنها عُمر آخَر خُصّص للترجمة، تنوّعت خلاله الاختيارات بين الرواية والسيرة الذاتية، والدراسات الفلسفية، والمقالات النقدية. في البدء كانت ترجمة رواية "بلاد الثلوج" لـ ياسوناري كواباتا (1985)، إذ نقلت جماليات الرواية اليابانية إلى العربية مع الحفاظ على الحسّ الشعري للنص، قبل أن يتوسع المشروع ليشمل أعمالاً مثل يوميات أناييس نن، وفلسفة كولن ويلسون، وكتب العلوم والسيرة الذاتية لستيفن هوكينغ، وصولاً إلى أعمال تيري إيغلتون وفيرجينيا وولف وتوني موريسون وآخرين.
وإذا كان الاختيار قطعة من عقل المرء، كما درج قول نقّاد العربية الأوائل، فإن ما تجلّى في اختيارات الدليمي يقول الكثير عن اهتمامها العميق بالقضايا الإنسانية والاجتماعية والفكرية، بما يحوّل هذا المشروع إلى فضاء متعدد الطبقات والأبعاد، يمكن قسمته نظرياً إلى عدّة حقول رئيسية، لتضيء هذه القسمة منهجية اختيار النصوص والاعتبارات الفكرية التي وقفت عندها، من دون أن نذهب إلى وضع حدود صارمة بينها، بالعكس تماماً. من هذا المنطلق، يمكن النظر إلى مشروعها الترجمي على أنه بنية متكاملة، وليس حقولاً مفصولة أو نصوصاً من هنا وهناك.
إلى جانب مشروعها الترجمي، أنجزت لطفية الدليمي عشرات الأعمال في الرواية والقصة والمسرح، من بينها روايات: "عُشّاق وفونوغراف وأزمنة"، و"بذور النار"، و"سيّدات زُحل"، و"عالم النساء الوحيدات"، و"من يرث الفردوس"، و"مشروع أوما"، بالإضافة إلى مجموعات قصصية مثل: "ممرّ إلى أحزان الرجال"، و"البشارة"، و"التمثال"، و"مسرات النساء"، و"إذا كنت تحبّ"، و"موسيقى صوفية"، وأعمال مسرحية ودراسات نقدية عديدة.
يمثّل مشروعها بنية متكاملة تتقاطع فيها الأجناس الكتابية
في ترجماتها الروائية، يبرز عمل الكاتبة الهندية أنيتا ديساي "ضوء نهار مشرق" الذي نقلته الدليمي إلى العربية عام 1989، نموذجاً لخصوصية مُبكرة في الالتفات إلى نصوص ما بعد الكولونيالية. وبهذا نجدها تكتب في إحدى مقالاتها، بأنها رأت في هذا العمل وجهاً قاتماً من وجوه مستقبل العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003؛ العنف الديني والطائفي، والتهجير القسري وتقسيم البلاد، وانهيار الثقافة. صدى هذه الرواية لا نجده في حقل الترجمات الروائية بالضرورة، بل سيعود على هيئة ترجمة فكرية لكتاب "الثقافة" لتيري إيغلتون، عام 2018. عملٌ يغوص في تفكيك المفردة الأكثر إشكالية (الثقافة) على صعيد المفهوم والتطبيقات، والتي ظلّت محطّ تناول مديد للدراسات الثقافية بمختلف تقاطعاتها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
كذلك هو الحال على مستوى السير الذاتية التي نقلتها إلى العربية، نجدها تعود عام 2017 إلى الهند مرّة أُخرى، مع كتاب "رحلتي: تحويل الأحلام إلى أفعال (مذكرات الرئيس الهندي الراحل زين العابدين عبد الكلام)"، برز اهتمامها بالجانب الإنساني والروحاني في الحياة اليومية للكاتب: علاقاته بعائلته وأقرانه، تقديره للعطاء دون مقابل، وحتى التفاصيل الصغيرة في الطبيعة والمدينة التي شكلت رؤيته للعالم. ترجمة مثل هكذا عمل يضعنا في صميم الانفتاح المعرفي والأخلاقي للكاتب على البيئة المحيطة به، وعلى القيم الاجتماعية المتنوعة، وعلى التطلعات الكبرى للهند بعد الاستقلال.
بموازاة ذلك، في ترجمتها لسيرة الفيلسوف كولن ويلسون "حلمُ غاية ما" (2015)، ركزت الدليمي على الفضاءات الفكرية التي شكلت شخصية الكاتب، النص يسلط الضوء على رحلة الفكر والتحليل الذاتي، على تطور رؤيته الفلسفية، على المصادر التي استمد منها إلهامه المعرفي، ويكشف كيف انتقلت أفكار ويلسون من تجربة شخصية محددة إلى منهج شامل للفهم النقدي للأدب والفلسفة وعلم النفس. هنا، يظهر الترابط المعرفي بين نصَّي عبد الكلام وويلسون: كلاهما يسعى إلى عرض تجربة شخصية متكاملة تربط بين الوعي الذاتي والتفاعل مع العالم الخارجي بما في ذلك السياسة نفسها.
التفات مبكر إلى نظرية الثقافة ونصوص ما بعد كولونيالية
وإذا كان انشغالها بسير الكُتّاب العالميّين قد شكّل لها مساحة معرفية واسعة، فإن مذكّراتها "عصيان الوصايا: كاتبة تجوب في أقاليم الكتابة" (2018) تمثّل لحظة انتقالها إلى مستوى آخر، ألا وهو اختمار التجربة في سبعينيات العُمر. في هذا العمل، نكتشف صوت الدليمي بوصفه تجربة مستقلّة، توظّف صاحبته ما اكتسبته من السير المترجمة لبناء عالمها الخاص. يفتح الكتاب نافذة على مسارها الطويل بين الكلمات، وقدرتها على دمج التجربة الشخصية بالفكر والمعرفة المكتسبة، وضمن هذا السياق نقرأ سطراً من ذكرياتها: "وأنا الصبية مهدورة الروح بين الإلحاد الذي وُصِم به الأب في أوساط المتدينين، وبين ليالي الذِّكر والمدائح النبوية وتمجيد الرّسُل وصيحات الوجد: حيّ.. حيّ.. حيّ، كنت أتبدّد ما بين الرفض والقبول لكلا الأمرين، وأبحث عن منجىً في الركون لملاذ أجهل بلوغه".
كذلك يظهر اهتمام لطفية الدليمي النقدي بالرواية جليّاً في ترجمتها ودراستها لكتابين: "تطوّر الرواية الحديثة" (2016) لجيسي ماتز و"الرواية المعاصرة" (2017) لروبرت إيغلستون. يتتبع الأول مسار الرواية الحديثة من بداياتها مع هنري جيمس وجيمس جويس وفيرجينيا وولف، مروراً بالتيارات المختلفة حتى روايات ما بعد الحداثة وما بعد الكولونيالية، مركزة على التقنيات السردية الجديدة، وتشظي الحبكة، وتعدد وجهات النظر، وعلاقة الرواية بالزمان والمكان. في حين يرصد الثاني علاقة الرواية بسؤال المعاصرة، مع التركيز على أثر العولمة، والتكنولوجيا، والتحولات التاريخية على النص الروائي. هنا تصبح الرواية وسيلة لاستكشاف الإنسان ومكانه في عالم سريع التغير، وفهم كيف يعيد الأدب تشكيل فهمنا للزمن، والمجتمع، والثقافة، والفرد.
أمام هذه السيرة الممتدّة التي شملت، إلى جانب الترجمات، عشرات الأعمال في الرواية والقصة والمسرح، تبدو تجربة لطفية الدليمي كافية لتقديم نفسها، وإن صادف رحيلها يوم المرأة العالمي، في إشارة تذكّر بنشاطها النسوي ودورها مع مثقفات عراقيات في تأسيس "منتدى المرأة الثقافي" عام 1992، قبل أن تؤسس عام 2004 "مركز شبعاد لدراسات حرية المرأة". ومع هذا المسار الطويل، يلفت الانتباه أن حضورها الثقافي الواسع لم يواكبه دائماً ما يوازيه من التفات مؤسسي أو احتفاء نقدي على المستوى العربي، على الرغم من كثرة الجوائز والفعاليات الثقافية في السنوات الأخيرة. وربما يفتح رحيلها المجال لإعادة النظر في هذا الإرث (كما هي العادة مع الراحلين/ات)، الذي يجمع بين الإبداع والترجمة والنشاط الاجتماعي، ويستحق أن يُقرأ بوصفه جزءاً مهماً من تجربة الكتابة النسوية والفكرية في العراق والعالم العربي.
