عربي
ظلّت الحرب جرحاً مفتوحاً في ذاكرة البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيش، فسكنت صورها وأصواتها رواياته حتى بعد مرور عقود، كما سكنت أحلامه التي كان يحدث أن يصرخ فيها طالباً بندقيته كي يطلق النار. حيث تشكّلت رؤية الكاتب البرتغالي الذي رحل منذ أيام، للعالم وللكتابة وسط تجربة وجودية عنيفة هي الحرب الاستعمارية في أنغولا في مطلع السبعينيات، التي شارك فيها بوصفه طبيباً عسكرياً.
كان يردّد أن "الكتّاب يشبهون موزارت الطفل الذي، بعد أن عزف أمام الإمبراطور، ركض نحو الإمبراطورة قائلاً: 'أحبّيني'، فهم يفعلون الشيء نفسه بكتبهم، التي ليست سوى محاولات لنيل الحب". وتجلّت هذه النظرة في علاقة أنتونيش بقرّائه، فكان يقول: "أحبّ الناس، أحب أن يقرأوني، وأحب خصوصاً أن أتعرف إلى قرّائي". ولم يكن يرى الكتابة عملاً منعزلاً، بل حواراً إنسانياً، الكتب فيه أشبه "بزجاجات تُلقى في البحر، تحمل رسائل لا يعرف صاحبها إلى أي شاطئ ستصل".
لم يحظ في طفولته بالكثير من حبّ والديه وحنانهما، وترك ذلك في نفسه أثراً عميقاً، لم يكن يخجل من الاعتراف به، وربما لهذا السبب ظل يبحث عن ذلك الاعتراف العاطفي الذي افتقده في البدايات، وكان يؤكد دائماً أن الصداقة في البرتغال شيء عميق يكاد يكون مقدساً، واحتفظ بعلاقة قوية بجنوده السابقين الذين خدم معهم في أنغولا، وعن هذه العلاقة يروي حكاية بالغة الدلالة: "ذات يوم ذهبتُ إلى الشمال بمناسبة صدور أحد كتبي. كان كثير من جنودي السابقين يعيشون هناك، في منطقة مينهو، قرب بورتو. فجاؤوا جميعاً؛ كانوا في غاية التأثّر، تبادلنا العناق. ولم أصعد إلى المنصّة، بل بقيتُ في الأسفل معهم. فقال مقدّم الحفل: 'كما ترون، أنطونيو لوبو أنتونيش يحبّ الفقراء كثيراً!' فغضبتُ بشدّة. أخذتُ الميكروفون وقلت: 'جنودي ليسوا فقراء! إنهم أمراء، وعليكم أن تعاملوهم كما يليق بالأمراء!'. كنّا نجتمع مرة في السنة على مأدبة غداء، وفي كل مرة في مدينة مختلفة، لأنّنا متفرقون في أنحاء البرتغال. فصاروا يجيئون جميعاً في حافلة كبيرة تحمل لافتة كُتب عليها: 'الأمراء…'. كم هو جميل أن أراهم! ثم نتحدث عمّا عشنا معًا وكأننا ما زلنا نعيشه في تلك اللحظة. هذه خصوصية برتغالية: الصداقة هي الشعور الأهم؛ الصداقة بين الرجال. أمّا النساء، فأعتقد أنهن لا يملكن صديقات حقاً؛ لديهن شريكات أو حليفات. أمّا نحن الرجال فلنا أصدقاء نحبهم فعلاً؛ والرفقة الرجولية مهمة جداً، وربما ورثنا ذلك عن العرب. فمثلاً، حين أنشر كتاباً ويحقق نجاحاً كبيراً، يفرح أصدقائي كثيراً، ولا يشعرون بأي غيرة. ويكتبون لي: 'فوزك هو فوزنا'".
لم يكن يرى الكتابة عملاً منعزلاً بل حواراً إنسانياً
ولم تكن لقاءاته بالقرّاء تخلو من لحظات استثنائية، كما حدث مرة وهو يوقّع كتبه في باريس، إذ تقدّمت إليه سيدة مسنّة اسمها أوديبيرتي. وما إن سمع الاسم حتى بدأ يتلو قصيدة للشاعر الفرنسي أوديبيرتي يحفظها عن ظهر قلب (يذكر أصدقاؤه أنه كان عاشقاً للشعر ويحفظ منه قصائد كاملة). عندها نظرت إليه المرأة بعينين دامعتين وقالت: "إنّه أبي". تأثر أنتونيس كثيراً بذلك الموقف، وقال لاحقاً إنه يتمنى أن تقول ابنته عنه يوماً، بعد رحيله، العبارة نفسها.
هكذا كان أنتونيش يرى في الأدب حياةً كاملة، لا مجرد كتب. وكما قال في إحدى رواياته: "هذا ليس كتاباً… بل الحياة نفسها؛ تُغرس كشوكة في اللحم، ثم تشعر أنها تنمو في داخلك".
