عربي
لم تكن "صفقة القرن" مجرد ورقة سياسية؛ بل كانت تجربة في وهم السيطرة على التاريخ، ومحاولة لترتيب الواقع وفق منطق القوة، على طاولة مفاوضات باردة تُختزل فيها العدالة في بنود تفاوضية، والكرامة في ورقة توقيع، والوجود البشري في جدول مصالح. في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدا العالم وكأنه يختبر قدرة السياسة على فرض المعنى على الأرض، وكأن التاريخ يمكن توقيعه وإغلاقه بختم دبلوماسي.
لكن الصفقة، بكل ما حملته من غرور سياسي، لم تتوقع شيئاً أساسياً: أن الواقع قد يقود البشرية إلى ما هو أعمق من الخراب، وأشد قسوة من كل الحسابات السياسية، وأن الألم قد يتحول إلى يوميات عادية، وأن المدينة نفسها قد تصبح مسرحاً مفتوحاً للدمار بلا إعلان ولا حدود.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة؛ إنها حالة وجودية تتحدى المنطق البشري، وساحة اختبار لكل وعود السلام التي تحولت مع الزمن إلى شعارات فارغة. هي الركام الذي لا يمكن طيّه، والحياة التي ترفض أن تتحول إلى بند في اتفاق، وتجربة قاسية لكل من ظنّ أن السياسة وحدها تستطيع ضبط مصائر البشر.
افترضت الصفقة أن الأرض قابلة للتقسيم، وأن القمع تمكن إدارته، وأن الصمت الدولي قد يكون ضامناً للاستقرار، وأن الزمن السياسي قادر على إعادة إنتاج التوازن. لكن غزة تثبت أن الزمن الإنساني أعمق من أي صفقة، وأن الحقائق الإنسانية لا تختزل في معادلات سياسية.
غزة اليوم ليست مجرد مدينة؛ إنها حالة وجودية تتحدى المنطق البشري، وساحة اختبار لكل وعود السلام التي تحولت مع الزمن إلى شعارات فارغة
غزة ليست مجرد خرائط أو حدود؛ إنها تجربة إنسانية وفلسفية في آن واحد. هنا لا يقتصر السؤال على السيادة، بل يمتد إلى الحق في التنفس، وإلى القدرة على البقاء حاضراً في عالم يفرض على المدينة الموت كحقيقة يومية، وإلى قدرة الإنسان على الصمود أمام صمت العالم.
أرادت الصفقة تحويل الصراع إلى مسألة تقنية: إعادة ترتيب المصالح، وتحديد الحدود، وضبط النتائج. أما الواقع الذي تعيشه غزة اليوم فهو امتحان قاسٍ لفكرة العدالة نفسها؛ امتحان يذكّر بأن العدالة ليست قابلة للتفاوض، وأن القوة لا تضمن الحق، وأن الوجود الإنساني لا يمكن تقليصه إلى معادلة مصالح.
افترضت الصفقة أن الأرض قابلة للتقسيم، وأن القمع تمكن إدارته، وأن الصمت الدولي قد يكون ضامناً للاستقرار
ما بعد الصفقة يكشف حدود السياسة حين تنفصل عن الأخلاق. هنا يظهر الفرق بين القدرة على فرض الوقائع، والقدرة على الاحتفاظ بشرعية الفعل الإنساني. وهنا يُطرح سؤال أساسي: هل يمكن للسياسة أن تكون فعلاً أخلاقياً، أم أنها غالباً ما تتحول إلى تقنية لإدارة العنف؟
الأخطر أن الخراب بات عادة، وأن الموت اليومي تحول إلى خلفية مألوفة في المشهد العالمي، وأن الركام أصبح جزءاً من الصورة، فيما تعلّم العالم كيف يتجاهل صرخة المدينة.
لهذا قد تبدو "صفقة القرن" بداية لمرحلة أسوأ؛ ليس لأنها وحدها صنعت المأساة، بل لأنها عززت وهم السيطرة على التاريخ، من دون أن تمنع الانحدار نحو واقع أكثر قسوة من أي اتفاق سياسي.
الأسوأ لم يبدأ بالصفقة نفسها، بل بدأ حين اعتقد العالم أنه قادر على تحويل الإنسان إلى بند في اتفاق، وأن التاريخ يمكن اختزاله في توقيع على ورقة.
وغزة اليوم تذكّر بأن أي صفقة، مهما بلغت قوتها، تبقى أصغر من صرخة مدينة، وأضعف من إرادة الحياة، وأقل قدرة على تفسير الألم الذي يتجاوز كل حسابات السياسة.
في النهاية، لم تكن الصفقة سوى بداية. بداية لمرحلة كشفت هشاشة الضمير الإنساني أكثر مما كشفت قوة السياسة. وغزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة، بل صرخة وجودية ترفض الاختزال، وركاماً يكتب حقيقة لم تعد السياسة قادرة على إخفائها.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنجح الصفقات القادمة في كتم صرخة المدينة، أم ستظل غزة مرآة صارخة لحدود القوة وحدود الإنسانية؟
أخبار ذات صلة.
في مختبر الإبداع: كيف يُصنع الفنان؟
العربي الجديد
منذ 23 دقيقة