عربي
امتلك المطرب والممثل المصري محمد الكحلاوي (1912 - 1982) شجاعة التغيير الجذري لمساره الفني، حين انتقل من الحالة الغنائية الدنيوية العامة إلى حالة صوفية، أوقف بها صوته على الغناء الديني والمديح النبوي. لكنه في المسارين لم يتخلّ عن اللون الشعبي، القريب من قطاعات جماهيرية واسعة تميل إلى الكلمات السهلة المؤثرة، وتفضل الألحان التي لا ترهق الذهن.
حقق محمد الكحلاوي بأغانيه الدينية شعبية جارفة، ولعله مثل ظاهرة في عالم الغناء الشعبي، بعد أن قدم لوناً خاصاً يختلف عن المديح الشائع في الموالد المصرية. نشأ الكحلاوي يتيماً، وانتقل مبكراً من ريف محافظة الشرقية بصبغته المحافظة إلى حي باب الشعرية في قلب القاهرة، ليجد نفسه في بؤرة التناقض بين التعليم الأزهري الرصين وبين فنون الصهبجية الذين كانوا يملأون ليل القاهرة صخباً وطرباً. حفظ القرآن صبياً، والتحق بالأزهر فاكتسب لغة عربية طيعة، ومخارج حروف سليمة، وقدرة على تذوق الشعر العربي. توازياً، أكسبه حي باب الشعرية الروح الشعبية والقدرة على مخاطبة الناس بلغتهم البسيطة.
لم يدرس الكحلاوي الفن في المعاهد، وإنما تشبع به من خلف كواليس حديقة الأزبكية، حيث الفرق التمثيلية وكبار المطربين، وحين ألقته الصدفة أمام الجمهور لأول مرة، بعد أن تغيب مطرب فرقة أولاد عكاشة، لم يغنِّ بأسلوب الدارسين، بل غنى بفطرة أبناء البلد، فكان تجاوب الجمهور معه كبيراً، وأتته فرصة السفر إلى بلاد الشام فاغتنمها، واستمرت رحلته ثماني سنوات، قبل أن يعود وهو في سن العشرين وقد حمل ثروة كبيرة أعانته على الانطلاق في مشاريعه الفنية.
كان من أثر الرحلة الشامية على محمد الكحلاوي أنه انتبه إلى اللهجة البدوية، وإمكانية توظيفها في الغناء المصري المعاصر، ولم يكن أحد ليعينه على هذا الاتجاه أفضل من الشاعر بيرم التونسي، الذي صاغ له كلمات تجمع بين خشونة البادية وعذوبة الروح المصرية، بعد أن وضع الشيخ زكريا أحمد لهذه النصوص ألحاناً مزجت بين الهوية البدوية والمزاج التطريبي، فصلحت لجذب أذن المستمع المديني في القاهرة والمدن، وأيضاً في القرى والأرياف.
استغل الكحلاوي السينما ليقدم ما يمكن تسميته بالدراما الغنائية البدوية، وظهر بالزي البدوي على صهوة جواد، وبنى تصميمات ديكورية تحاكي الخيام والصحراء. كان هذا الصدق الفني في تقديم اللون البدوي سبباً شجع كبار النجوم - وعلى رأسهم فريد الأطرش - على تقديم محاولات مماثلة، لكن ظل الكحلاوي صاحب الريادة في هذا اللون بصوته وأدائه واختياراته اللحنية. أسس الكحلاوي شركة أفلام القبيلة، لتكون خطوة اقتصادية ببعد فني قومي. ومن خلالها، منح التابلوهات الغنائية روحاً شعبية، تشبه الحارة المصرية والريف المصري.
وصل محمد الكحلاوي إلى درجة عالية من النجاح الجماهيري بأبعاده التجارية المساعدة على الاستمرار، فقد تنوعت مشاركاته السينمائية تمثيلاً أو غناءً أو تلحيناً. كما رسخ أقدامه باعتباره مطرباً إذاعياً شعبياً، يؤدي الأغاني العاطفية والمواويل البلدية. تكشف قوائم الأفلام السينمائية عن مشاركته بالغناء في فيلم "عنتر أفندي عام 1935. ومنذ ذلك التاريخ، اشترك الرجل في عشرات الأفلام، إلى أن جاءت محطته السينمائية الأخيرة في فيلم "بنت البادية" (1958) الذي مثل فيه دور الشاب نصار.
مع السينما، كانت الرحلة الغنائية والتلحينية للكحلاوي غنية ومزدحمة، سواء بأغاني الأفلام أو أغاني الإذاعة، ومن أشهر أغانيه التي لحنها بنفسه: "ارقص يا قلبي وميل" كلمات حيرم الغمراوي، و"ادلع يا جمل" لفتحي قورة، و"إن كنتوا نسيتوا اللي جرى" لحسن عبد الوهاب، و"أني والله غريب" لمحمد إسماعيل، و"البحر فرحان متهني" لعبد العزيز سلام، و"سيدي على سيدي" لجليل البنداري.
واشترك في عدد من الأوبريتات والمحاورات الغنائية، منها: "أقول يا زين" مع سعاد وهبي، و"ألو ألو ياللي في بالي" مع فايدة كامل، و"يا دي النعيم" و"بنظرة عين" و"حبيت يا بوي" و"حراق الحب" مع شافية أحمد، و"مش قادرة أخبي يا حسين" مع سعاد مكاوي، و"يا طارحين الشبك" مع شادية، و"يا يُما" مع حورية حسن، و"مين يقول معايا" مع شريفة ماهر.
لكن بعد هذه الرحلة الطويلة، خلع محمد الكحلاوي عباءة نجم الشباك ليرتدي ثوب الزاهد، وترك الغناء الذي تتعدد أغراضه ليجعل صوته وألحانه في خدمة غرض واحد، هو المديح النبوي، وليقيم حاجزاً بين ماضيه الفني والغنائي متعدد الأغراض، وحاضره المنذور لغرض واحد، يسابق فيه الرجل الزمن، وكأنه يعوض ما فاته، ولتنتج حالته الوجدانية الجديدة مئات الألحان الدينية.
قدم الرجل عشرات الأغاني التي وصلت إلى قلوب الجماهير، وأشبعت الأشواق الإيمانية لدى المستمعين.. لكن الزمن ادخر للكحلاوي ذروة جماهيرية لا يكاد يبلغها أحد، حين لحن كلمات الشاعر والزجال عبد الفتاح شلبي: "لأجل النبي لأجل النبي.. تقبل صلاتي على النبي".
تبدو تلك الكلمات في غاية البساطة، معانيها واضحة ومباشرة، وكان ذلك من أسرار نجاحها، بعد أن وجد فيها كل محزون أو مظلوم تعبيراً عن معاناته، وسبيلاً إلى مناجاة تحيل كل الحزن والكرب والظلم إلى الإله العالم بكل شيء: "يا إله الكل كن لي.. أنت عالم بي كلي، يظلموني.. أنت شايف.. يِتهموني.. أنت عارف.. من عبادك إيه حصلي.. أنا في جاه النبي.. تكرم عبيدك والنبي.. لأجل النبي".
لحن محمد الكحلاوي كلمات الأغنية بنغم من مقام الصبا، لكنه آثر أن يخفف من الطابع الحزين للمقام، وألا يضغط على مناطق الفجيعة في أبعاده. أراد لأغنيته أن تكون مرنة مع حال كل مستمع، فيها مسحة من حزن وقدر من الشجن، وشيء من الفرح والسرور ابتهاجاً بالنبي. وكل هذا مع لحن سهل الغناء، سهل الحفظ، يتشكل بالحالة النفسية اللحظية للمستمع، فيبكي أحياناً، أو يصفق مع الإيقاع وهو فرح أحياناً أخرى.
كانت النتيجة فوق التوقع؛ انفجرت الأغنية في ربع مصر، محققة نجاحاً جماهيرياً كاسحاً، وامتدت في القرى والنجوع والحواري، وصارت مطلباً ثابتاً لمستمعي الراديو ومشاهدي التلفزيون. والأهم، أنها عاشت، وبقيت إلى اليوم، بعد أن صارت أيقونة للغناء الديني الشعبي الصادق المؤثر.
ومع هذه الأغنية الاستثنائية، نجح الكحلاوي في إطلاق وصيفات لها، في مقدمتها: "حب الرسول يابا" للشاعرة علية الجعار، و"محمد نبينا رسول السلام" و"رسول الجهاد" و"مدد يا نبي" لعلي سليمان، و"مولد النور" لعبد الفتاح مصطفي، و"إليك يا ربي" للسعيد جلال، و"الحجاج" لجليل البنداري، و"حي على الصلاة" لنبيل الفكهاني، و"كتاب الله" لمحمد ريحان.
عندما قرر الكحلاوي في النصف الثاني من حياته أن يتفرغ للمديح النبوي، طغت هذه الصورة الروحانية على تاريخه الدنيوي الثري، ونسي المؤرخون أن هذا المداح الزاهد هو نفسه الذي أسس شركة إنتاج سينمائي، وهو نفسه الذي امتلك جرأة تقديم الأغاني البدوية، وأداء وتلحين كثير من أغاني الأفلام. ضاع الكحلاوي السينمائي والكحلاوي المطرب والكحلاوي الملحن لحساب مطرب جديد ولحن جديد، هو الكحلاوي المنشد المداح المتصوف، المؤثر للاعتكاف مطولاً في المسجد الذي بناه قريباً من جامع الإمام الشافعي.
وإذا كان التاريخ يغفل أحياناً عن شيخ المداحين بوصفه منتجاً سينمائياً مغامراً أو رائداً للأغنية البدوية، فإن ذاكرة الوجدان الشعبي قد أنصفته حين منحته الخلود في أسمى صوره، فبقي حاضراً كلما ارتفع صوت "لأجل النبي"، وما أكثر الأصوات التي تشدو بها كل يوم.
لا يمكن النظر إلى التحول الذي أحدثه الكحلاوي في مسيرته باعتباره استبدال نص ديني بآخر دنيوي، فالرجل اختار أن يعيد صياغة هويته ووجدانه وعلاقته بالعالم. وبينما يرتكز الغناء العاطفي والبدوي الذي برع فيه قديماً على إبراز الأنا الفنية ومخاطبة الغرائز الجمالية المباشرة، جاءت مرحلته الصوفية لتذيب هذه الأنا في رحاب الحضرة النبوية.
أدرك الكحلاوي بحدسه الشعبي أن الارتقاء الروحي لن يتحقق بتعدد الأغراض الفنية، وإنما يكمن في السلام الذي يحققه المديح، الذي عكس تصالحاً متأخراً بين ابن البلد الفطري وبين الأزهري المتأمل، فاستعار من الأول حرارة التعبير وقربه من وجدان البسطاء، واستحضر من الثاني جلال الكلمة وقدسية المعنى.
