في اليوم العالمي للمرأة
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
يصعب العثور على لغةٍ تليق بالمرأة في يومها العالميّ، خصوصاً تحت الحرب. جفّت الكلمات ولم تعد تُسعفنا بشيء ذي معنى. صار للبلاغة مستودعاتٌ تُفتتَح في الموعد نفسه كل عام: المرأة "شريك الرجل"، المرأة "نصف العالم"، لا بدّ من كسر "السقف الزجاجي" الذي يحول دون حصولها على حقوقها. ثم تُغلق المستودعات البلاغيّة ويُعاد شحن ترساناتها بمواد أكثر فتكاً وتطوّراً وشفافيةً، كي تستمر في تدمير الحياة وخنق الأنفاس ببطء. المفارقة أنّ السقف لم يعد زجاجيّاً فحسب، بل صار إدارياً وثقافياً وأخلاقيّاً، ولم يعد حكراً على جغرافيا بعينها، بل امتدّ كظلّ ثقيل على أغلب بلاد العالم. ما إن تتقدّم المرأة خطوة حتى يعيد المجتمع الذكوري خلطَ الخرائط. ما إن تفتح باباً حتى يُستبدل القفل. ما إن تنتزع قانوناً عادلاً حتى يؤوّله الأقوى على الأرض. تؤكّد التقارير الدولية، بأرقامها الباردة، أنّ النساء يتعلّمن أكثر ويعملن أكثر ويقتحمن بتفوّقٍ مجالاتٍ كانت حكراً على الرجال. وتحت هذا الهدوء الإحصائي، تنبض حقيقة موجعة: ما انفكّت النساء في أكثر الدول "تحضّراً" يناضلن من أجل راتب مساوٍ لشهادة مساوية. وثمّة نصوصٌ أخرى تُكتب في الظلّ، من نوع "فضائح إبستين"، تكشف عن أن "معسكر النور" نفسه يخفي عتمة كثيفة. أُلغيت أسواق العبيد رسميّاً، نعم، لكن العبودية أعادت تصميم نفسها بلباسٍ أنيق. تغيّرت السياط إلى بطاقات ائتمان، وتحوّلت الأوامر إلى عقود، لكن منطق العبودية والاستعباد بقي كما هو. يزداد الألم حين تُدَوّي القنابل وتدفع المرأة الثمن أضعافاً مضاعفة. لا فرق إن كانت مبدعة أو أكاديمية أو ربّة بيت. تعيد الحربُ الجميع، والمرأة أكثر من الجميع، إلى النقطة الصفر. يتحوّل بيتُها إلى غرفة طوارئ، وصوتها إلى وسيلة نجاة لأطفال خائفين، وجسدها إلى ساحة اختبار للقسوة. تنهار القوانين في لحظة، وتعود الغرائز السياسية إلى بدائيتها الأولى. وفي لحظة الحرب، تصبح إنجازات العقود الماضية كلّها هامشاً قابلاً للمحو. تمتلك المجتمعات الذكورية خطاباً جاهزاً لهذا السياق، يُستخرج من الأدراج في كل أزمة: تُباع الوصاية باسم الحماية، والقيود باسم الهوية، والقمع باسم الأمن، والتزمّت باسم الأخلاق. وتستمرّ ماكينة التشكيك في كل تفاصيل حياتها اليومية، بلا رحمة: هل نجحتِ؟ لا بد أنك أهملتِ بيتك. هل طالبتِ باستقلالك؟ لا بد أنك أنانية. هل عبّرتِ عن طموحك؟ إذن أنت عدوانية. الرسالة واضحة وإن لم تُكتب: يمكنكِ أن تتقدّمي شرط ألا يُربك تقدّمك المنظومة، وألا تبتعدي كثيراً عن المربّع القديم، حيث يتربّع المجتمع الذكوري مطمئناً. لذلك يبدو الثامن من مارس أحياناً احتفالاً حزيناً جريحاً بالتناقض: عالمٌ يُصفّق للمرأة التي كسرت القيود، بيد، بينما يستمرّ في تصنيع قيودها باليد الأخرى. ماذا يمكن أن نقول للمرأة إذَن، في مثل هذا اليوم؟ هي ليست بحاجة إلى النفاق الاجتماعي. ولا تحتاج من يخبرها بما سجّلت من تقدّم. وجودها في البيت والعمل والشارع دليل كافٍ على ذلك. والأفضل أن نغتنم مثل هذا اليوم كي نفهم إن كان المجتمع الذكوري (في العالم بأسره) قادراً على تحمّل تقدّمها، وطرح الأسئلة المربكة والضرورية في وقتٍ واحد. هل تَغيّرَ موقعها؟ ليس من شكٍّ في أنّه تغيّرَ بعض الشيء. هل تغيّر السياق العامّ من حولها؟ أقلّ بكثير ممّا هو مطلوب. إلّا أنّها أدركت أنّ الحقوق لا تُهدى بل تُنتزع. وفي زمن الحروب والأزمات تظهر حقيقة أخرى أوضح: ليس كل تطوّر تقدّماً. قد نتقدّم تقنيّاً وننكفئ أخلاقياً. قد نصنع مدناً ذكية بينما العقول بدائية. يُقاس التقدّم الحقيقي بما نحميه من بشر وبما نحصّنه من قيم، لا بما ننتجه من أدوات. وليس من تقدّمٍ ما دامت المرأة في حاجة إلى النضال من أجل أبسط حقوقها. المرأة في هذه الوضعيّة ليست ضحية العالم. إنّها إصبع اتّهام في وجهه. والأفضل في مثل هذا اليوم وبعد تهنئتها بيومها العالميّ، توجيه رسالة إلى المجتمعات: متى يعترف نصف البشريّة بدينه لنصفه الآخر؟ متى يدرك أنّ معاناة المرأة اليوم لا يعني أنّها ضحية اختلالها وفشلها، بل هي برهان اختلال العالَم وفشله. حين تظلّ المرأة محتاجة إلى النضال من أجل أبسط حقوقها، المشكلة ليست في طموحها، بل في معايير بناء المجتمع نفسه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية