عربي
سلط اتهام أذربيجان لإيران باطلاق مسيّرة على مطار ناخيتشيفان الضوء على إمكانية توسع الحرب على إيران إلى منطقة جنوب القوقاز وتمددها. وأعادت الحادثة التي وقعت، الخميس الماضي، فتح ملف العلاقات الإيرانية الأذربيجانية التي لا يمكن وصفها بالودية، منذ استقلال أذربيجان عن الاتحاد السوفييتي في 1991، والتي ساءت أكثر منذ حرب إقليم ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان في عام 2020. ولم تفلح الزيارات المتبادلة لمسؤولي البلدين في نقلها إلى علاقات طبيعية، في مؤشر على حجم الخلافات التي تتداخل فيها الاعتبارات الدينية والعقائدية والتاريخية، وتشعل نارها بين حين وآخر علاقات التحالف بين أذربيجان وإسرائيل من جهة، وأذربيجان وتركيا من جهة أخرى. وما زاد من حجم الخلافات، التقارب الكبير بين أذربيجان والولايات المتحدة في السنتين الأخيرتين، وآخرها توقيع باكو وواشنطن في الشهر الماضي اتفاقية للشراكة الاستراتيجية في مجالات الطاقة والاستثمارات والأمن، بعد أشهر من اتفاق أذربيجاني أرميني على افتتاح "ممر ترامب للسلام والازدهار" على حدودها مع مقاطعة سيونيك الأرمينية، وتسليمه لشركات أميركية.
الانفجار في مبنى مطار ناخيتشيفان
الخميس الماضي، وثقت مقاطع فيديو انفجاراً في مبنى مطار ناخيتشيفان، الجيب الأذري داخل أرمينيا، والمحاذي للحدود مع إيران، تسببت به طائرة مسيّرة. وذكرت وكالات أذربيجانية أن مسيّرة أخرى سقطت قرب مدرسة في ناخيتشيفان. ووصف الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، الحادث بأنه "هجوم إرهابي"، مطالباً إيران بتفسير رسمي واعتذار ومحاسبة المتورطين. ووفقاً لعلييف، فإن أذربيجان لا ولن تشارك في أي عمليات ضد إيران، لكنها مستعدة للدفاع عن سلامة أراضيها وأمنها. وطالبت وزارة الخارجية الأذربيجانية إيران بتقديم تفسير، واستدعت السفير الإيراني مجتبى ديميرجيلو. وتوعدت وزارة الدفاع الأذربيجانية بالرد، وقالت إن "هذه الأعمال العدوانية لن تمر دون رد" وأفادت بإسقاط مسيّرة أخرى.
أحبطت أذربيجان عدة أعمال تخريبية "إرهابية" خطط لها الحرس الثوري الإيراني
وفيما تُصرّ باكو على أن إيران هي من أطلقت الطائرات المسيّرة، نفت طهران أي تورط لها، مشيرةً إلى أن إيران "تحترم سيادة جميع الدول، خصوصاً الدول الإسلامية والدول المجاورة". واتهمت وزارة الخارجية الإيرانية إسرائيل بالوقوف وراء الحادث. ونفى نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، أي تورط إيراني في الحادث. وجاء التصعيد في وقت ذكرت فيه منصة "قازتشي" الأذربيجانية، نقلاً عن مصادر، أن أذربيجان وضعت قواتها في حالة تأهب قتالي ونشرتها على الحدود مع إيران. وأشارت المصادر إلى أن أذربيجان نشرت أنظمة دفاعية ضد الطائرات المسيّرة والأجسام الطائرة منخفضة الارتفاع، إلا أن هذه الأنباء لم تؤكد رسمياً.
كذلك، أعلنت أذربيجان مساء الجمعة إحباط عدة أعمال تخريبية "إرهابية" خطط لها الحرس الثوري الإيراني، بما في ذلك مؤامرة لاستهداف خط أنابيب نفط رئيسي يمر عبر جنوب القوقاز إلى تركيا. وذكر بيان صادر عن جهاز أمن الدولة ونقلته وكالة الأنباء الحكومية (أذرتاج) في وقت متأخر من مساء الجمعة، أن الأهداف شملت خط أنابيب النفط باكو ـ تبليسي ـ جيهان والسفارة الإسرائيلية في أذربيجان وكنيساً يهودياً وزعيم جماعة يهودية قديمة في أذربيجان تسمى يهود الجبل. وتؤكد أذربيجان أنها تقف على الحياد في حرب إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة، لكن علاقاتها بدولة الاحتلال كانت محط خلافات في الماضي. وفي خريف 2021، اتهمت إيران أذربيجان باستدعاء قوى خارجية على حدودها، بعدما شهدت حدود إيران مع أذربيجان وأرمينيا، عرقلة وصول الشاحنات الإيرانية المتجهة إلى أرمينيا، واعتقال سائقين إيرانيين، وإغلاق طريق غوريس كابان من قبل القوات الأذربيجانية.
وحينها، حذرت إيران من مؤشرات على مخطط أذربيجاني وتركي، بدعم إسرائيلي، لإحداث تغييرات جيو ـ سياسية في منطقة جنوب القوقاز عبر إنهاء حدودها مع أرمينيا، وذلك من خلال السيطرة على الشريط الحدودي الممتد من جمهورية ناخيتشيفان إلى الأراضي الأذربيجانية، الذي يشكل الحدود الإيرانية الأرمينية في محافظة سيونيك الأرمينية. في تلك الأزمة، حشدت إيران عسكرياً على الحدود مع أذربيجان، ونفذت مناورات عسكرية باسم "فاتحو خيبر"، وسط استقرار وحدات ومعدات عسكرية إيرانية قتالية على النقطة الصفر الحدودية مع أذربيجان في منطقة بلدشت الإيرانية. وحينها، أكد المرشد الإيراني علي خامنئي، أنه "يجب ألا يسمحوا للجيوش الأجنبية بأن تأتي على بعد آلاف الأميال لأجل مصالحها التي لا صلة لها بشعبهم وتتدخل في هذه البلدان وتوجد فيها عسكرياً وتتدخل في جيوشها"، داعياً دول المنطقة إلى إدارة جيوشها من دون تدخّل الغرباء.
وأعربت إيران، أكثر من مرة، عن قلقها بشأن استخدام إسرائيل لأذربيجان في أنشطة تجسس. ويقول الإيرانيون إن إسرائيل لا تزود أذربيجان بالمعدات العسكرية فقط، بما في ذلك الطائرات من دون طيار، ولكنها تستخدم أيضاً الأراضي الأذربيجانية للتجسس ومراقبة الأراضي الإيرانية. وزودت إسرائيل أذربيجان بأنواع مختلفة من الأسلحة في حربها ضد أرمينيا في 2020، وفي خضم الحرب التي تخوضها إسرائيل في غزة، تجنب علييف الانحياز إلى أحد الجانبين، ما أثار غضب طهران. وتواصل شركة النفط الحكومية الأذربيجانية، سوكار، تزويد دولة الاحتلال بقرابة نصف احتياجاتها من النفط عبر تركيا.
وتنذر حادثة المسيّرة، الخميس الماضي، بأن تتحول أذربيجان إلى ساحة جديدة للمواجهة. وتشترك أذربيجان مع إيران بحدود تتجاوز 765 كيلومتراً، وهي الأطول مع جيرانها. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن عدد الأذربيجانيين المقيمين في إيران يفوق عددهم في أذربيجان نفسها، ويراوح عددهم بين 12 و22 مليون نسمة، مقابل 10 ملايين نسمة في أذربيجان. وفي تجاوز لخط أحمر طالما تجنبته باكو، قال علييف إن أذربيجان "مكان أمل للأذربيجانيين الذين يعيشون في إيران". وتحيي أذربيجان ذكرى تقسيم أراضيها التاريخية بين بلاد فارس والإمبراطورية الروسية في القرن التاسع عشر. وتحتفل أذربيجان في 31 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، ذكرى اليوم الذي هدم فيه ناشطون التحصينات السوفييتية على الحدود الأذربيجانية الإيرانية في ناخيتشيفان عام 1989، باعتباره "يوم تضامن الأذربيجانيين حول العالم". وغالباً ما يشار إلى شمال إيران في باكو باسم أذربيجان الجنوبية، على الرغم من أن مثل هذه المنطقة غير موجودة رسمياً، وهناك محافظات إيرانية هي أذربيجان الشرقية وأذربيجان الغربية وأردبيل.
وتخشى السلطات الإيرانية من تصاعد النزعة الانفصالية في المحافظات الشمالية. وقبل 20 عاماً، اندلعت احتجاجات أذربيجانية في شمال البلاد، ففُرِّقَت بالقوة، وسقط قتلى من المتظاهرين. ومع صعود دور أذربيجان الاقتصادي واستقرار نظامها السياسي، ومحافظتها على التوازنات، أصبحت باكو تهديداً حقيقياً للداخل الإيراني مع الأزمة الاقتصادية وبروز الهويات العرقية والطائفية. بالنسبة إلى أذربيجان، تُعَدّ إيران جارة كبيرة وخطيرة ومسلحة. وتخشى باكو تصدير الثورة الإسلامية. ومنذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي، شددت السلطات الأذربيجانية قبضتها على منع بروز تيارات دينية، قد يذهب بعضها لدعم النموذج الإيراني، وحظرت في 1995 الحزب الإسلامي القريب بأفكاره من مبادئ الثورة الإسلامية في إيران.
وشهدت علاقات إيران وأذربيجان تقلبات كثيرة، بما فيها تحسن ملحوظ في العامين الأخيرين. وفي العام الماضي، نظمت إيران وأذربيجان مناورات عسكرية مشتركة، واستقبل علييف نظيره مسعود بزشكيان بحفاوة بالغة في باكو. وفي أحد خطاباته، ألقى بزشكيان أبياتاً شعرية باللغة الأذربيجانية. ورغم تحالفها مع إسرائيل، تلتزم أذربيجان الحياد خلال الحرب في إيران. وتخشى إيران من تفاقم الأوضاع فيها، وتحوّله إلى حرب أهلية يمكن أن يتسبب في تدفق هائل للاجئين عبر الحدود المغلقة في جنوب القوقاز منذ وباء كورونا في عام 2021. وبعد انتصارها في ناغورنو كاراباخ، كان من بين مطالب أذربيجان إنشاء ممر نقل إلى ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية. وبعد نزاعات طويلة حول الجهة التي ستتحكم بحركة المرور على طول هذا الممر، اتفقت أرمينيا وأذربيجان مع الولايات المتحدة على ما يسمى "طريق ترامب للسلام".
وبحسب الاتفاقية، تنقل أرمينيا مؤقتاً السيطرة على هذا الجزء من أراضيها إلى شركات أميركية، ستتحكم في حركة البضائع وتدفقها. وفي مؤشر على عدم رضاها عن المخططات، لوّح علي لاريجاني، مستشار خامنئي، العام الماضي، بتحويل الممر إلى "مقبرة لمرتزقة ترامب". وأدى انتصار أذربيجان العسكري على أرمينيا في عام 2020، وعلاقاتها الوثيقة بكل من تركيا وإسرائيل، إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لمنطقة القوقاز، وهي منطقة مضطربة تتعارض فيها مصالح روسيا وتركيا وإيران منذ فترة طويلة. وتغيرت التوازنات والتحالفات في جنوب القوقاز في العقود الثلاثة الأخيرة كثيراً، وبعدما كانت المنطقة تابعة لموسكو في الكامل، بدأت أرمينيا وجورجيا وأذربيجان في شق طريقها الخاص، وباشرت في ظل ظروف صعبة وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة في شق طريقها الخاص، بعيداً عن روسيا التي شهدت ظروفاً لا تقل صعوبة عن البلدان الثلاثة. وبدا واضحاً أن روسيا الغارقة بالفوضى، ركزت، في تسعينيات القرن الماضي، ومطلع العقد الأول من القرن الحالي، أكثر على أوضاعها الداخلية وقمع النزعات الانفصالية في جمهوريات شمال القوقاز التابعة لها، مع ارتفاع الحس القومي للجمهوريات ذات الغالبية السكانية المسلمة، والظروف الاقتصادية الصعبة، ولم يكن لدى روسيا الكثير لتقدمه لهذه البلدان، فتراجع دورها كثيراً على حساب صعود تركيا.
في العام الماضي، نظمت إيران وأذربيجان مناورات عسكرية مشتركة
جنوب القوقاز في العقل الروسي
وبدأ تركيز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ ولايته الثانية (2004 ـ 2008) على تمتين العلاقات مع بلدان الاتحاد السوفييتي السابق، لكن الحرب على جورجيا في 2008، وضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في عام 2014 أثارا مخاوف هذه البلدان. وبعد الحرب على أوكرانيا في 2022 انصبّ اهتمام بوتين على كسب الحرب، ما تسبب في تغيرات جذرية في تحالفات المنطقة وعلاقاتها، بما في ذلك صعود أدوار الصين والاتحاد الأوروبي وأوروبا على حساب تراجع روسيا. وكانت إيران من الدول التي لم تستفد من انهيار الاتحاد السوفييتي، ولم يكن عندها ما تقدمه لبلدان جنوب القوقاز إثر خروجها من حرب طويلة منهكة مع العراق (1980 ـ 1988)، وتعرضت لاحقاً للعزلة الدولية، وفرضت عليها عقوبات أضعفت اقتصادها، وانشغلت طويلاً بموضوع ترسيم الحدود القانونية لبحر قزوين الذي منع انهيار الاتحاد السوفييتي من حصول إيران على نصف ثرواته مع بروز دول مستقلة جديدة. وعلى الرغم من أنه كان يفترض أن تتوجه إيران بعلاقاتها مع أذربيجان أولاً لعوامل دينية وعرقية، فإنها اختارت دعم أرمينيا في حرب ناغورنو كاراباخ الأولى بين عامي 1992 و1994، ما دفع أذربيجان إلى التقارب مع تركيا والولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي. ولاحقاً تراجع اهتمام إيران أكثر بالمنطقة مع تركيزها على إيجاد ممر لها نحو البحر الأبيض المتوسط، وبناء تحالفات وولاءات لها في العراق وسورية ولبنان واليمن.
ورغم رغبة الطرفين في عدم الانزلاق إلى نزاع مسلح، وهو ما عبّر عنه اتصال وزير الخارجية الإيراني، الخميس الماضي، مع نظيره الأذربيجاني جيهون بايراموف، وتأكيده أن العسكريين الإيرانيين فتحوا تحقيقاً في الحادث، فإن الحرب قد تمتد إلى جنوب القوقاز، وتأثيراتها، في حال انهيار إيران، ستتسبب في اختلال منظومتي الأمن في جنوب القوقاز وبحر قزوين. ومن المؤكد أن نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية، والتطورات الداخلية في إيران ستحدد شكل العلاقات المستقبلية وتصرفات كل من إيران وأذربيجان في منطقة تنتظر على صفيح ساخن.
