خواطر صحراوية: من القضية الوطنية إلى الحكم الذاتي
عربي
منذ 5 أيام
مشاركة
ما كان لعبد الله العروي أن يتوقع، على أي نحو، تصديق المغرب، بإيعاز من ترامب وتوجيه من إدارته، على اتفاقيات أبراهام، وانخراطه بقوة ملحوظة وإرادة مؤكدة في تطبيع علاقاته المختلفة مع الكيان الصهيوني (2020)، وأنْ يُتَوَّجَ ذاك بخصوص القضية الصحراوية، التي اهتم بها وكتب عنها مقالات للبرهنة على مغربيتها التاريخية، باستصدار مجلس الأمن قراراً رقمه 2797 (أكتوبر/ تشرين الأول 2025) يدعم مقترح الحكم الذاتي (حَلّاً واقعياً وجدّياً للنزاع حول الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية). يتعلق مفهوم التوقّع بالتقدير والتنبؤ وترقب الوقوع، أو الخلوص إلى اقتناع ما يمكن أن يكون مطابقاً لما يتطلّبُه الموضوع من بيان يُجْلِيه، أو حَلّ يَفُكّ عقدته، أو نهاية تُطْوِي صفحته. غير أن التوقع، بهذا المفهوم، لم يكن يعني للمفكر التاريخاني شيئاً كثيراً، وربما لم يَطُف بذهنه أي تصور يبلور معناه وَمَغزاه. ومع ذلك، لم نكن حقاً إلّا في البدايات الأولى للسبعينيات، من القرن الماضي، عندما أصبحت القضية الصحراوية مطلباً مغربياً ونزاعاً إقليمياً في الوقت نفسه، وعندما انبرت قوة جديدة مدعومة من دُوَل الجِوار (ليبيا، الجزائر) لمعارضة المغرب في اختياره استناداً إلى مبدإ تقرير المصير (يعني الانفصال أيضاً)، وفي ضوء الفكرة "الجمهورية الديمقراطية الشعبية" التي اختارها النظام الجزائري، في مواجهة الملكية الرجعية حليفة الغرب والإمبريالية. فكان الكفاح المسلح أسلوباً لتحقيق الهدف المعلن، الذي هو الوصول إلى بناء كيان لـ"جمهورية شعبية ديمقراطية" مساحتها ستّ مرّات ضعف مساحة سويسرا. لم تكن القضية الصحراوية بالنسبة إلى العروي، انطلاقاً من منظوره التاريخي، إلا قضية وطنية مندرجة في مسلسل "استرداد" المغرب أجزاءً من أراضيه عليها من الشواهد التاريخية ما يكفي لبناء مفهوم قانوني سياسي للسيادة، أي باسترجاع ما سُلب منها بسبب المد الاستعماري، أو بسبب الأطماع التي تولدت من ذلك وأصبحت جزءاً من السيادة الوطنية لمناطق وأقاليم جغرافية أخرى (موريتانيا، الجزائر). والحقيقة هنا أن عبد الله العروي أصبح، منذ البداية، اعتماداً على فلسفة التاريخ ومعناه، في مواجهة ثلاث جبهات: الشرعية الداخلية المبنية على "البيعة"، وقد مثلها الملك بوصفه القائد العام للقوات المسلحة وأمير المؤمنين إلخ، حين طرح قضية الصحراء، مطلباً وطنياً رسمياً، جَنَّدَ من حوله سائر القوى السياسية الشرعية بمختلف الطرق الضامنة للالتفاف الشعبي. فَكَان أن تضمَّنَ الطرح من الناحية القانونية والسياسية أيضاً استراتيجية مُدَبَّرة Deliberate strategy للإقناع بعدالة القضية وأحقيته بها وارتباطها الجغرافي بباقي المناطق التي تشملها السيادة على الأرض. ولم يكن من المستغرب، على أي نحو، أن يهتم عبد الله العروي رسمياً بالموضوع، فكتب حوله عدة مقالات بالفرنسية أحاط فيها، بأسلوب سياسي جدالي، بمختلف المسائل التي أثارتها في تلك المرحلة على أكثر من صعيد، وبصورة خاصة في علاقة بالدولة الجزائرية، وبالأطماع الخاصة، المصوغة بطريقة إيديولوجية متهافتة، التي أعلنها رئيسها هواري بومدين في ذلك الإبان. أراد العروي للقارئ أنْ يفهم ويدرك أنّ علاقته بالتاريخ مَبْحَثاً، جزء من علاقته بالصحراء قضية وطنية تاريخية أما الجبهة الثانية، فهي الدولة الجزائرية هذه نفسها، لأنها كانت قد تحولت منذ ما قبل بروز قضية الصحراء، وأساساً منذ ما سميت حرب الرمال (1963) إلى خَصْم عنيد يتعارض بكل قواه وشعاراته مع جاره الغربي في كل شيء. بل يمكن القول إن الخصومة بين البلدين تحولت إلى "عقيدة مسنونة" راسخة لم تَبْلَ مراسمُها ولم تتغير مراميها. وربما كان العنصر المباشر الذي شجّع عبد الله العروي للخوض في الموضوع، هو الموقف المتناقض الذي وقفه النظام الجزائري (وحزبه الوحيد: جبهة التحرير) من خلال رعايته حركة مسلحة على أراضيه، ثم مساهمته الفعلية في الحرب ضد المغرب (معركة "أمغالا" الأولى والثانية، 1976)، ويضاف إلى ذلك ما كان يروج في الإعلام الرسمي عن الاحتلال المغربي أرض الصحراء الغربية، وتمجيد حركة المقاومة الباسلة تحت راية حق تقرير المصير للشعوب، إلخ. ولذلك اجتهد العروي لتأكيد الطابع التنافسي الذي ميّز العلاقة بين البلدين في تناقض شديد مع المطامح الوطنية المشتركة، التي تبلورت في مؤتمر طنجة (إبريل/ نيسان 1958) قبل استقلال الجزائر، بالمعنى الذي يفيد بأن الوحدة، بمختلف أبعادها التاريخية، هي الأساس الموضوعي للتوجه المغاربي، وأن تحقيقها، ولو في الحد الأدنى الممكن أو الضروري، هو المخرج التحرّري الذي تتطلع إليه شعوب المنطقة. وكان هذا نفسه النهج الذي أراد جيش التحرير في الجنوب المغربي على مشارف الصحراء السير عليه، لو كُتب له أن ينتصر على التحالف الاستعماري الذي أفشله وقضى عليه. الجبهة الثالثة، ولم تكن إلا ضمنية وبعض جوانبها مذكور في الثانية، هي المتعلقة بـ"الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية" المعلنة في 27 فبراير/ شباط 1976، أي منذ تحوّلت الجبهة كحركة مسلحة إلى "مُضَاعِفٍ مَُتصَوَّر" (Imagined multiplier) هو الدولة المفترضة. وهذا تَحَوُّلٌ في الدرجة وَمَشْرُوعٌ، في إطار القانون الدولي، لبناء كيانٍ ذي سيادة له شعب وإقليم وحكومة قادرة على إدارة الشؤون العامة، إلخ. ومع أن العروي لم يتكلم عن هذا المعطى الجديد في تطور القضية الصحراوية ضمن المخطط الاستراتيجي الإقليمي بالوضوح المطلوب، إلا أن تجاهله، وَهُو ما لا يُقَال، وترفعه عن الخوض فيه كان، على الأرجح، لسببين: شرعية لم يشأ منحها تلقائياً ومجانياً للكفاح المسلح في وجه القضية التي يدافع عنها، وكذا تَعَففهُ عن التراشق الإعلامي والبروباغندا السياسية التي انتعشت بين البلدين، المغرب والجزائر بصورة مذهلة، بحيث استخدم فيها الطرفان أقذع السباب وأحط الأوصاف لتوسيم سياسات متناقضة دَافِعُهَا في المغرب وَطَنيّةٌ شاملة، وفي الجزائر موقفٌ "مبدئي" (حق تقرير المصير) تعلنه الدولة بالوكالة لتمجيد الانفصال. سينشر عبد الله العروي في هذا المناخ، ولو في اتجاه آخر، مذكرات شخصية لا تتقيد إلا بما "تَحَصَّل" في ذاكرته عن القضية الصحراوية من مواقف وتصورات، فكان كتابه "مذكرات الصباح... الجزء الأول" الذي جاء، على كثير من الذاتية، للتعبير عن الاهتمام الذي أولاه مجدّداً للقضية الصحراوية وللأبعاد التي اكتسبتها من خلال ارتباطها وترابطها مع مجموع الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تهم تطور المجتمع وبناء الديمقراطية، وكذا في علاقة بالخطابات المتنوعة والمتناقضة كذلك التي انتجتها السلطة في معالجتها لتلك القضية على أكثر من مستوى. وبناءً عليه، اتسم موقفه، في ما أرى، بمظهرين: نقد السياسة الرسمية المتبعة من الدولة والنظام الحاكم في علاقة بالتطورات العامة التي تدرّجت فيها القضية الصحراوية. والثاني، يُلاَحَظُ على الكَاتِبِ فيلسوفِ التاريخ نَفْسِه، حين استكان إلى نوع من "العزلة" الموحية لقارئ المذكرات بشيء من اليأس الذي يُلابس الفكر والموقف. عبد الله العروي عالج القضية الصحراوية وحللها قضية وطنية منتهية اعتماداً على معنى السلطة العليا للدولة المستقلة ودلالتها أراد العروي للقارئ أنْ يفهم ويدرك أنّ علاقته بالتاريخ مَبْحَثاً، جزء من علاقته بالصحراء قضية وطنية تاريخية. إلا أنها، وهنا الموقف، صارت تُرْهِن مستقبل المغرب، نظراً إلى ما أحاط بها من تدبير لم يتسم بالفعالية المطلوبة كما يُفْهَم من كلامه. المؤرّخ، كما يمكن أن نفهم، هو الذي يملك الرؤية الموضوعية الثاقبة المتحصلة من بحثه المتواصل عن الجذور البعيدة "للأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية"، عنوان أطروحته للدكتوراه (1977). أما السياسي البراغماتي الحامل للرؤى العسكرية والدبلوماسية والاستراتيجيات المختلفة التي تَقَلَّب فيها تدبيرُ القضية الصحراوية، فضلاً عن مختلف القضايا المتعلقة بتطور المجتمع والتناقضات المتفاعلة فيه، فكان لعبد الله العروي فيه رأي (حُكْمُ قيمة)، ولكنه لم يكن يملك عنه أيّ تصور (الفهم المجرّد). لقد فُهِمت القضية الصحراوية، وتأكد فهمها بإلحاح شديد، على أنها قضية وطن بِرُمّته بحكم ارتباطها بتربته واتصالها بتاريخه وَتَعَالُقِها مع مؤسساته، بل ويمكن القول إن السياسات التي بُنيت عليها، أظْهَرُهَا سياسة "المسلسل الديمقراطي"، هي التي برّرت أهمَّ التحولات التي عرفتها الحياة السياسية العمومية والشرعية في المغرب منذ منتصف السبعينيات. أما التدبير السياسي، التصرف والتخطيط والتنظيم، الذي هو المِحَكّ الحقيقي للاختبار والتجربة المُمَارَسَة، فلم يكن خافياً على عبد الله العروي، كما يظهر، أن القضية الصحراوية استوت على العرش مع الملكية نفسها نظاماً للحكم، من حيث تحولت إلى "استثناء" جديد حُجِبَت بمقتضاه عن الأحزاب السياسية المسماة وطنية وغيرها (منها مَنْ كان الموقف من الصحراء من أخص تعبيراته الوطنية منذ ما قبل الاستقلال)، ولم تحظ، بالمثل، بأية مشاركة شعبية إلا عندما كان يُرَاد للمشاركة أن تبدو للرأي العام الدولي كالتفاف شعبي حول استراتيجية وطنية حَصْرِيّة ومركزية. وتقديري أن عبد الله العروي أيضاً عالج القضية الصحراوية وحللها قضية وطنية منتهية اعتماد على معنى ودلالة السلطة العليا للدولة المستقلة، وهي تؤسس لسيادتها على مفهومِ طَلَبِ الرَدّ أو الاسترجاع (طرفاية، 1958، سيدي إفني 1969، الساقية الحمراء 1975، ثم وادي الذهب 1979)، ولكنه غفل عن المظهر الجوهري الذي ارتبط بها، أي بكونه نزاعاً إقليمياً أخذ، مع مبدأ تقرير المصير، طابعاً دولياً ترعاه الأمم المتحدة، وتحضنه اللجنة الرابعة للجمعية العمومية المختصة بالملفات الاستراتيجية، وانتهى بقرار من مجلس الأمن إلى المفهوم المصوغ في مقترح الحكم الذاتي حلّاً جهوياً لِنِزَاعِ القضية الوطنية.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية