عربي
أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أول من أمس الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من أوكرانيا المساعدة في التصدي لمسيّرات "شاهد" الإيرانية الموجّهة ضد دول الخليج في الشرق الأوسط. وكتب زيلينسكي على منصة إكس: "تلقينا طلباً من الولايات المتحدة لتقديم دعم محدد في مجال الحماية من طائرات شاهد في منطقة الشرق الأوسط. وقد أصدرتُ تعليمات بتوفير الوسائل اللازمة وضمان وجود خبراء أوكرانيين قادرين على ضمان الأمن المطلوب"، مضيفاً أن "أوكرانيا تدعم شركاءها الذين يساهمون في ضمان أمننا وحماية أرواح شعبنا". والأربعاء الماضي، قال زيلينسكي إن المشاورات جارية بالفعل مع حلفاء أوكرانيا في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط. وكتب على "إكس": "بإمكان أوكرانيا المساهمة في حماية الأرواح وتحقيق الاستقرار. يمتلك جيشنا القدرات اللازمة. وسيعمل الخبراء الأوكرانيون في الميدان، وتقوم الفرق حالياً بتنسيق هذه الجهود". والاثنين الماضي، صرّح زيلينسكي لوكالة بلومبيرغ بأنه مستعد لإرسال خبراء أوكرانيين متخصصين في إسقاط الطائرات الإيرانية المسيّرة إلى الشرق الأوسط، مقابل إقناع قادة دول الخليج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتطبيق هدنة لمدة شهر في أوكرانيا.
أوكرانيا ودعم دول الخليج
وأفاد مسؤول أوكراني كبير لوكالة فرانس برس، أمس الجمعة، بأن كييف سترسل "قريباً" عسكريين إلى الشرق الأوسط لمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة ومنهم دول الخليج على التصدي لهجمات إيران بالمسيرات. وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، أنه "من المتوقع أن يصل عسكريون أوكرانيون في المستقبل القريب" إلى الخليج، مشيراً إلى محادثات لا تزال قائمة "لتحديد كيفية تحقيق ذلك". وأوضح المسؤول أن كييف تأمل في الحصول بالمقابل على صواريخ لأنظمة باتريوت الأميركية، الوحيدة القادرة على اعتراض الصواريخ البالستية التي تستخدمها روسيا ضد أوكرانيا. كما تطمح أوكرانيا إلى دعم دبلوماسي في مواجهة روسيا. وقال: "نحتاج إلى صواريخ لأنظمة باتريوت، وتمويل لإنتاج أسلحة للدفاع عن أنفسنا، ولدعم دبلوماسي لإنهاء الحرب هنا". وأضاف المسؤول الأوكراني: "الجانب الأميركي هو الذي قدم الطلب، فوافقت أوكرانيا على تقديم هذه المساعدة". وابتكرت كييف وسائل فاعلة وغير مكلفة لإسقاط المسيّرات الإيرانية الصنع التي دأبت روسيا على مهاجمتها بها بكثافة منذ بدء غزوها عام 2022، ومن هذه الوسائل مسيّرات اعتراضية تدمرها في الجو. وتصدّ دول الخليج الهجمات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ بشكل مكثف منذ بدء الحرب السبت الماضي.
راكمت أوكرانيا خبرات طويلة في التصدي لمسيّرات "شاهد"
ومع تصاعد دور المسيّرات في الحروب منذ حرب أرمينيا وأذربيجان في 2020، ركز الجانبان الروسي والأوكراني على تطوير مسيّرات هجومية واعتراضية. واستعانت روسيا بإيران منذ صيف 2022 للحصول على مسيّرات "شاهد". ولاحقاً، حصلت على إذن من إيران لبناء عدة مصانع لإنتاجها وتطويرها تحت اسم "غيران" وأنتجت أنواعاً مختلفة منها، جعلتها مغايرة تماماً عن المنتج الأولي الذي حصلت عليه إيران. وإضافة إلى حصول إيران على مقابل مادي، استفاد العسكريون الإيرانيون من التعديلات الروسية التي يبدو أنها دخلت على إنتاج إيران الجديد من المسيّرات التي هاجمت بها إسرائيل ومجمل دول الخليج العربية.
في المقابل، راكمت أوكرانيا خبرات طويلة في التصدي لمسيّرات "شاهد" في السنوات الأخيرة، وحصلت على تمويل من شركائها الغربيين لافتتاح مصانع إنتاج مشترك، وزادت وتيرة التعاون الأوروبي الأوكراني منذ ربيع العام الماضي مع تسجيل تحليق مسيرات فوق مطارات ومرافق حيوية في الدنمارك وإستونيا وليتوانيا ولاتفيا وبلجيكا وألمانيا. وفي مطلع الشهر الحالي، صرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأن خبراء أوكرانيين وبريطانيين سيعملون معاً لمساعدة شركاء بريطانيا خصوصاً دول الخليج في الشرق الأوسط على إسقاط الطائرات الإيرانية المسيّرة. ورد المستشار الرئاسي الأوكراني أولكسندر كاميشين على ستارمر في الثاني من مارس/ آذار الحالي، مؤكداً استعداد أوكرانيا للمساعدة وتبادل خبراتها. وأشار كاميشين إلى أن أكثر من عشر شركات أوكرانية تنتج حالياً أنظمة اعتراض، وأن القوات الأوكرانية لديها معدل اعتراض يبلغ حوالي 90% ضد طائرات "شاهد".
ومن الواضح أن زيلينسكي يهدف إلى كسب دول الخليج التي تعرضت لاعتداءات إيرانية متكررة منذ بداية الحرب الحالية إلى جانبه، كما يسعى إلى الظهور منقذاً للعالم من أزمة طاقة كبيرة، فضلاً عن التأكيد أنه جزء من العالم الغربي. ولا يخلو العرض الأوكراني من مصلحة كبرى، وهي الضغط على روسيا لوقف إطلاق النار لمدة تراوح بين أسبوعين وشهرين، يمكن أن تكون كافية لالتقاط الأنفاس، وتحصين الدفاعات الأوكرانية. وتتمتع أوكرانيا بسنوات من الخبرة في الدفاع ضد حزم الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة الروسية المتزايدة باستمرار. في فبراير/ شباط الماضي شنّت روسيا أربع موجات من الضربات تضم كل منها أكثر من 400 طائرة مسيّرة وصاروخ. وشنت روسيا أكبر سلسلة ضربات بطائرات مسيّرة في سبتمبر/ أيلول 2025 بـ810 مسيرات، وأكبر سلسلة ضربات صاروخية في أغسطس/ آب 2024 بـ127 صاروخاً.
تعمل أوكرانيا بدورها على تطوير نظام دفاعها الجوي متعدد الطبقات، الذي يجمع بين أنظمة الدفاع الجوي التقليدية ومجموعات النيران المتنقلة على الأرض مع الطائرات والطائرات المسيّرة الاعتراضية في الجو. ولعبت إيران دوراً مهماً في تزويد روسيا بمئات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، المصممة على غرار طائرات الكاميكازي، وساعدت روسيا على بناء مصانع إنتاج مقابل تقاسم الخبرات. ومن الواضح أن استخدام التكنولوجيا الإيرانية ساعد روسيا على تطوير أسطول من الطائرات المسيّرة المتطورة القادرة على إضعاف الدفاعات الجوية الأوكرانية وإجهاد عزيمتها. وبذلك، تتمكن موسكو من الحفاظ على صواريخها الأكثر كلفة لشن ضربات دقيقة بعيدة المدى.
ومنذ مطلع عام 2022 تقريباً، بدأت طهران بتزويد روسيا بالطائرات المسيّرة وتقنياتها لاستخدامها في أوكرانيا. وفي وقت لاحق من ذلك العام، وقّعت روسيا وإيران اتفاقية لإنشاء مصنع إنتاج في روسيا لطائرات هجومية مسيّرة من تصميم إيراني. وبفضل التصاميم والتقنيات الإيرانية، ينتج مصنع ألاباوغا في تتارستان أعداداً كبيرة من الطائرات المسيّرة المصممة أصلاً في إيران. في هذا المصنع، تصنع روسيا طائرة "غيران-2"، وهو الاسم الذي أطلقته موسكو على طائرة "شاهد-136" الإيرانية الهجومية المسيّرة. تتميز هذه الطائرة المسيّرة بسهولة تمييزها بفضل شكل جناحها المثلث، وقد خضعت لبعض التحسينات في التصميم، مثل المدى والقدرة على التحمل وسعة الحمولة. ويمكنها حمل ما يقدر بما بين 40 و50 كيلوغراماً من المتفجرات لمسافة مئات الكيلومترات. في الوقت نفسه، يحسن تصميم الجناح المثلث دقة الانقضاض، ويساعد على منع التوقف المفاجئ عند السرعات المنخفضة، ويزيد استقرار الطائرة المسيّرة أثناء الهجوم. تمكن هذه الميزات من استهداف البنية التحتية الاستراتيجية بكلفة أقل بكثير من الصواريخ بعيدة المدى.
باتت روسيا قادرة الآن على إنتاج مئات الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه من طراز "غيران-2" يومياً، وقد تتمكن قريباً من إطلاق آلاف منها دفعة واحدة. وعملت روسيا على تعديل هذه الطائرات وتحسينها بإضافة مزايا جديدة، مثل أنظمة الملاحة الدقيقة، والرؤوس الحربية الأثقل، والمحركات المتطورة. أما طائرة "غيران-3" فقد أنتجت روسيا منها عدداً أقل واستخدمتها، إذ يصعّب محركها النفاث رصدها واعتراضها من الدفاعات الجوية الأوكرانية. ومنذ ذلك الحين، تم طرح أجيال جديدة من هذه الطائرة المسيّرة، مثل "غيران-4" و"غيران-5"، ونشرت على ما يبدو في الحرب مع أوكرانيا.
ورغم وجود المخططات والمساعدة الإيرانية، لا تزال روسيا تعتمد على موردين غربيين وصينيين لتأمين بعض مكونات الطائرات المسيّرة، والتي يعتمد الكثير منها على تقنيات تجارية جاهزة. وتشمل هذه المكونات المحرك، ومضخة الوقود، ونظام تحديد المواقع العالمي وأنظمة الملاحة، وأشباه الموصلات، ومكونات الهوائيات. ولمساعدة روسيا، تستغل إيران شبكاتها من الوسطاء والشركات في الحصول على مكونات غربية للالتفاف على العقوبات الدولية. واستخدمت شبكة توريد، بقيادة شركة "صحارى ثاندر" الإيرانية، شركات شحن في الإمارات والهند لبيع طائرات مسيّرة ومكونات إيرانية أصلية إلى روسيا، وللتفاوض على صفقة إنشاء مصنع إنتاج.
وتستفيد إيران أيضاً من زيادة الإنتاج الروسي، ففي ظل معاناتها من التداعيات الاقتصادية للعقوبات، جنت إيران ما يقدر بما بين مليار و1.75 مليار دولار من صفقة الطائرات المسيّرة ومرفق الإنتاج. كما أن مساعدة موسكو في الحصول على مكونات الطائرات المسيّرة، بل وحتى تعديل نسخ جديدة من طائرة "غيران-2"، ستعود بالنفع على إيران عسكرياً، إذ ستكتسب هي الأخرى القدرة على تصنيع هذه الطائرات الجديدة واستخدامها بنفسها. ولمواجهة النماذج الجديدة من المسيّرات الروسية بمساعدة إيران، تواصل أوكرانيا التعاون مع شركائها الغربيين لتوسيع إنتاج الطائرات المسيّرة الاعتراضية التي تعتبر حاسمة لقدرة أوكرانيا على إسقاط الطائرات الروسية بعيدة المدى من الأمام والخلف.
وأعلن وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، في التاسع من يناير/ كانون الثاني الماضي، أن بريطانيا بدأت إنتاج طائرات "أوكتوبوس" المسيّرة الاعتراضية المصممة في أوكرانيا والقادرة على اعتراض طائرات "شاهد" الروسية المسيّرة في يناير 2025. وأوضح هيلي أن بريطانيا تهدف إلى إنتاج آلاف من هذه الطائرات شهرياً لصالح أوكرانيا، مشيراً إلى أن كلفة إنتاج كل طائرة "أوكتوبوس" تقل بنسبة 10% عن كلفة طائرة "شاهد" الروسية. وأضاف هيلي أن بريطانيا ستحدث التصميم كل ستة أسابيع لمواكبة التطورات التكنولوجية الروسية.
جنت إيران ما يقدر بما بين مليار و1.75 مليار دولار من مرفق الإنتاج وصفقة الطائرات المسيّرة مع روسيا
تطور تقني لدى الروس والأوكرانيين
وانخرطت القوات الأوكرانية والروسية في سباق هجومي ـ دفاعي لتطوير تقنيات جديدة طوال فترة الغزو الشامل، حيث صعّدت القوات الروسية حملتها الجوية بعيدة المدى، وردّت القوات الأوكرانية بابتكار تدابير مضادة جديدة للدفاع الجوي. وتؤكد الجهود الروسية المتواصلة لإضعاف الدفاعات الجوية الأوكرانية من خلال الابتكار والتطوير المستمر على الحاجة إلى منظومة دفاع جوي أوكرانية مرنة ومتكاملة ومجهّزة جيداً، بما في ذلك ترسانة من الطائرات المسيّرة الاعتراضية. ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2024 باشرت أوكرانيا في إنتاج مسيرة "ستينغ" للقضاء على مسيّرات "شاهد" الإيرانية ـ الروسية. وحسب صحيفة "ذا تليغراف" حينها، فإن "ستينغ" مسيّرة جديدة وذات رؤية أولية مصممة للطيران بسرعة تزيد عن مائة ميل (161 كيلومتراً) في الساعة على ارتفاع حوالي عشرة آلاف قدم (نحو ثلاثة كيلومترات). كما ذكرت "ذا تليغراف" أن هناك نظام استهداف يعمل بالذكاء الاصطناعي، على الرغم من أن "ستينغ" لا تزال بحاجة إلى مشغل من محطة أرضية يوجهها، وتظهر صورة نشرها الموقع صورة مروحية رباعية مزودة بحمولة متفجرة ضخمة وقبة كاميرا. وأكدت منظمة "وايلد هورنتس"، وهي منظمة هندسية غير ربحية، إنها سلمت حوالي 14 ألف طائرة من دون طيار إلى القوات الأوكرانية منذ أوائل عام 2023، وأكدت لموقع "بيزنس إنسايدر" أن المشروع قيد التنفيذ.
واستخدمت القوات الأوكرانية بنجاح طائرات بدون طيار لإسقاط طائرات بدون طيار أخرى من قبل، واستخدمتها ضد أنظمة جوية بدون طيار للاستطلاع مثل "أورلان-10" و"زالا". ومنذ مطلع 2024، بحثت كييف في إمكانية استخدام مدافع "غيبارد" القديمة التي زودتها بها ألمانيا باعتبارها وسيلة أرخص لإسقاط الطائرات الروسية من دون طيار، ولكنها تواجه مشكلة في الحصول على الطلقات السويسرية الصنع من عيار 35 مليمتراً التي تحتاجها. كما عرضت على المطورين تصميم وإنتاج طائرات من دون طيار اعتراضية، وقال المسؤولون إن الحد الأدنى المطلوب هو سرعة طيران لا تقل عن 60 ميلاً (نحو 97 كيلومتراً) في الساعة على ارتفاع خمسة آلاف قدم (1.5 كيلومتر). ومن شأن الخبرات الأوكرانية دعم دفاعات دول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية.
