ناصر الخولاني.. عدّاء الأمس وحارس الأرشيف المرئي لمأرب لثلاثة عقود
أهلي
منذ 4 ساعات
مشاركة

أصحاب الجلالة – أعد حلقاتها لـ”يمن ديلي نيوز” عدنان الشهاب: في مدينة مأرب، حيث تتقاطع حكايات الحرب والتنمية والذاكرة، يواصل ناصر الخولاني، عمله خلف عدسة كاميرته منذ أكثر من ثلاثة عقود، شاهداً على تحولات المكان والإنسان في المحافظة العريقة.

نسج الخولاني من ملاعب الرياضة وسباقات الدراجات في شبابه، إلى توثيق السيول والانتخابات والمعارك في الميدان، سيرة استثنائية صنعها بالشغف والإصرار رغم شح الإمكانات وغياب الدعم.

حمل الكاميرا على كتف، وأحياناً البندقية على الكتف الآخر، ليحمي نفسه وأدواته ليواصل توثيق تاريخ مأرب واليمن بعدسته.

وُلد ناصر قاسم الخولاني في العاصمة صنعاء 1970، وتعود جذوره العائلية إلى منطقة خولان بن عامر في محافظة صعدة.

اتسمت طفولته بمزيج من النشأة في أحياء صنعاء القديمة، عاش طفولته في حي الصعدي ثم انتقل إلى الخط الدائري الغربي بصنعاء.

يذكر ناصر أن والده توفي وهو في عمر 12 سنة تقريباً، وكان والده يعمل سائق شاحنة وساهم في نقل المواد لبناء مبنى الخطوط الجوية اليمنية في حي الحصبة.

درس المرحلة الابتدائية في مدرسة الشعب بباب اليمن، ثم انتقل لمدرسة غمدان في شارع الزبيري للمرحلة الإعدادية، وأتم دراسته الثانوية في مدرسة هائل سعيد، شارع هائل.

الشغف الرياضي المبكر

كان “مجنون رياضة” منذ صغره؛ حيث بدأ كلاعب كرة قدم في نادي المجد (فئة الناشئين والشباب)، وبالتوازي مع ذلك برز في ألعاب القوى (سباق 800 متر) في بطولة المدارس ممثلاً لأمانة العاصمة وحقق المركز الأول على مستوى الجمهورية، كما حقق المركز الثالث في بطولات الأندية على مستوى الجمهورية.

لعب في نادي المجد الرياضي بصنعاء في فئات الناشئين والشباب (مركز ظهير)، وصولاً إلى الفريق الأول، كما خدم مدة أربع سنوات كـ “عسكري رياضي” في قوات المظلات والنجدة، وكان يمثل المنتخب العسكري في الفعاليات الرياضية.

سباق “السلام والود” (1990)

قبل إعلان إعادة الوحدة، (بين شطري الوطن سابقا) شارك ناصر في سباق “السلام والود” بالدراجات من تعز إلى عدن، (المشاركون من الشطرين)، حقق ناصر في المرحلة النهائية المركز الثالث، ونال جائزة عبارة عن ميدالية وكاميرا.

حظي الفريق باستقبال جماهيري وشعبي حاشد، حيث استقبلهم الناس في الطرقات بإعجاب، وكانت القاطرات العسكرية المرافقة محملة بالعصائر والأشياء التي وزعت على الناس تعبيراً عن الود، كما تم تكريم الفريق من مسؤولين.

المشاركات الخارجية

بدأت مسيرته كرياضي بارز مثّل اليمن في منتخبات ألعاب القوى والدراجات الهوائية، وكانت أول مشاركة له في “البطولة العربية للدراجات”، بجمهورية مصر، وبعدها بنحو عام شارك ببطولة “طواف الجولان” في سوريا، وهي بطولة شاقة امتدت لمسافة 700 كم على مراحل، وكانوا يحملون إطارات احتياطية يدوياً لمواجهة الأعطال، كون الدراجات التي لدى الفريق لم تكن مخصصة للسباقات الطويلة.

شارك في العراق مرتين في “بطولة صدام الدولية” (1986-1987)، وحقق مع المنتخب اليمني المركز الثالث، وتميزت مشاركته بإصراره، حيث أكمل السباق وهو مصاب بكسر في “الترقوة” بعد اصطدامه بدراجة لاعب هندي، وكانت هذه آخر مشاركة له حيث اعتزل الرياضة بعد عودته، بسبب شعوره بالإهمال وعدم العلاج، وبدء البحث عن مسار مهني جديد.

هدية من السعودية

يذكر ناصر أن المنتخب اليمني حصل على مساعدات من المملكة العربية السعودية شملت 6 دراجات هوائية و6 بدلات.

الدراجات التي قدمتها السعودية كانت مخصصة لسباقات المضمار وليست للمسافات الطويلة، وهو ما أثار استغراب المنظمين في البطولات الخارجية الذين تعجبوا من قدرة الفريق على المنافسة في طرق طويلة والفوز في بعض المشاركات.

خياط الملابس بأنفسهم

بسبب غياب الدعم، قام أعضاء الفريق بخياطة ملابسهم الرياضية بأنفسهم ووضعوا عليها علم الجمهورية لتمثيل البلاد، كما أن مصروف اللاعب الواحد في الرحلات الخارجية لم يتجاوز 100 دولار.

لا يزال ناصر يتذكر بعض أعضاء المنتخب حيث ضم لاعبين علي عنتر، ومحمد الرداعي، وسامي البحيري، وناصر العماد، وحسين البيلي.

رغم هذه الفوارق الكبيرة في التجهيزات مقارنة بالدول الأخرى، استمر الفريق في المشاركة، وحققوا نتائج طيبة منها المركز الثالث في بطولة صدام الدولية بالعراق.

شغفه المبكر بالتصوير

بدأ شغف ناصر الخولاني بالتصوير كهواية ذاتية قوية منذ مرحلة مبكرة من حياته، وتحديداً خلال مسيرته الرياضية في صنعاء، حيث كان يقتني كاميرا شخصية يصور بها زملائه اللاعبين والأنشطة الرياضية في “الحواري” ونادي المجد، بالإضافة إلى توثيق الرحلات الرياضية إلى مدن مثل الحديدة وتعز.

استخدم في بداياته كاميرات “الكوداك” القديمة التي تعمل بنظام الأفلام التي تتطلب تحميضاً، ونقطة التحول عندما حصل على جائزة عبارة عن كاميرا كوداك لفوزه بالمركز الثالث في سباق “السلام والود” (من تعز إلى عدن) عام 1990، وقد فرح بها كثيراً وكانت دافعاً إضافياً لتعلقه بهذه الهواية.

الوظيفة في مأرب

بعد أن ترك ناصر الرياضة بسبب الإصابة وعدم الاهتمام، بدأ بالبحث عن وظيفة، وكان لديه “نسيب” (قريب) يعمل في مكتب وزير الزراعة، فطلب أن يبحث له عن عمل ولو خارج صنعاء فعرض عليه العمل في مكتب الزراعة في مأرب، فوافق.

مرحلة الإعلام الزراعي

بدأت رحلته مع الإعلام من بوابة الإعلام الزراعي عام 1990، كمساعد لمسؤول الاعلام الزراعي، ثم عزز مهاراته بالحصول على دبلومات تخصصية من مصر عام 1994، حصل خلالها على دبلوم عالي مكثف في التصوير التلفزيوني والمونتاج والإخراج الإذاعي، وتعلم فنون تحميض الأفلام الفوتوغرافية وتصميم المنشورات عبر الكمبيوتر في بداياته.

عندما بدأ عمله صُرفت له دراجة نارية (موتور) لتسهيل تنقله بين السكن ومقر العمل، إلا أن هذه الدراجة كانت سبباً في تعرضه للمطاردات والتقطعات خاصة في منطقة “المطار” التي كانت طريقاً ترابياً معزولاً، في تلك الفترة كانت تفتقر للأمان والخدمات.

يذكر ناصر أنه لم يكن غرض المسلحين سرقة الدراجة، بل كانوا يحاولون احتجازها كوسيلة ضغط على الدولة لتحقيق مطالب قبيلة معينة.

البندق والكاميرا.. ونهاية المعاناة

لمواجهة هذه المخاطر، اضطر الخولاني إلى حمل البندقية على كتفه والكاميرا على الكتف الآخر لحماية نفسه وممتلكات العمل أثناء التنقل.

كان يضطر أحياناً لشحن بندقيته استعداداً للمواجهة، وهو ما كان يجعل المتقطعين يحذرون منه كونه “مغامراً” مستعداً للقتال، مما يدفعهم أحياناً لتركه وشأنه.

بمرور الوقت، بدأ بعض “المتقطعين” بالتعرف على شخصيته، وتحولت تلك العلاقة المتوترة إلى معرفة وصداقة، حتى أن بعض من حاولوا التعرض له سابقاً أصبحوا يذكرون تلك المواقف معه بضحك واعتزاز بعد أن عرفوا نزاهته وإخلاصه في عمله.

التطور التقني والعمل الميداني الحربي

عاصر ناصر التحول التقني من تصوير الأشرطة الكبيرة (VHS) وصولاً إلى أشرطة “ال دي في كام” ثم التصوير الرقمي الحديث.

يستمر الخولاني حتى اليوم في تحديث أدواته بجهد شخصي، فهو يمتلك أحدث الكاميرات لمواكبة التطورات المتسارعة في عالم الإعلام رغم محدودية دخله، رغبةً منه في مواكبة كل جديد وتجنب التوقف عن العمل كما حدث لزملاء آخرين، ويضطر أحيانا للاستعانة بأقاربه المغتربين في كندا وأمريكا.

كما قام بتحويل مخزونه البصري القديم (الأرشيف) إلى تنسيقات رقمية (دي في دي)، ويمتلك حالياً قناة على “يوتيوب” تضم أكثر من 5000 فيديو توثق تاريخ وأنشطة مأرب.

انتقل بكاميرته إلى خطوط النار والجبهات (في صرواح، قانية، وحريب) لتوثيق تفجيرات أنابيب النفط، (قبل الحرب) رغم المخاطر الأمنية وإطلاق النار الذي تعرض له، ومؤخرا في توثيق المعارك بين الجيش والحوثيين.

وفي تطوير مهاراته يقوم بتدريب نفسه باستمرار على برامج الكمبيوتر والوسائل التقنية الحديثة لضمان بقائه مطلعاً على كل جديد في مهنة التصوير.

التوثيق للقنوات الرسمية

يذكر ناصر أنه في العام 2000، انتُدب للعمل في إعلام محافظة مأرب وأصبح المصور الميداني الأبرز لتغطية الكوارث الطبيعية كالسيول، والانتخابات، والفعاليات الرسمية.

عمل كمزود حصري للمواد الفيلمية لقنوات اليمن، وسبأ، وعدن لأكثر من 25 عاماً، ويتكفل بإرسال الشريط من “الفرزة” (موقف سيارات الأجرة) وغالباً يدفع أجرة الإرسال التي تتراوح بين 200 إلى 250 ريال (حينها) من حسابه الشخصي، حتى الأدوات والأشرطة لم تكن القنوات توفرها له.

أحياناً كان يقوم بتسجيل الصوت والمؤثرات في منزله باستخدام الكاميرا، ثم يرسل الشريط جاهزاً ليتم مونتاجه نهائياً في القناة.

يذكر ناصر أنه غطى حصرياً حادثة تفجيرات أنابيب النفط، وتعرض لإطلاق نار لمنعه من التصوير، وسافر بسيارته الى صنعاء لتسليم المادة بنفسه في ذات اليوم، لضمان عدم تسربها أو ضياعها.

يؤكد ناصر أنه لم يستلم خلال 25 عاما أي رواتب أو مستحقات مالية من القنوات الرسمية (اليمن، وعدن، وسبأ)، وعندما طالب وزير الإعلام معمر الإرياني، (اثناء زيارة لمأرب) رفض المختص المالي توجيه الوزير بحجة أن ناصر “منتدب” وليس موظفاً رسمياً في تلك القنوات.

الدعم الوحيد الذي كان يتلقاها ناصر من محافظي المحافظة المتعاقبين (الزايدي، النسي، والبخيتي، الزوكا، والعرادة) تقديراً لجهوده، لكنها ليست مستحقات ثابتة.

أول لقاء له مع المحافظ العرادة

أثناء عمله تعرض لمضايقة وشعر ناصر أنه ربما لم يعد عمله مرغوباً في مكتب إعلام المحافظة.

ذهب الى مكتب المحافظ الشيخ سلطان العرادة، بعد أيام قلائل من تعيينه، وأخبره أنه خدم مأرب لمدة 20 عاماً، وأنه مستعد لتدريب أشخاص آخرين ليواصلوا المهمة من بعده بنفس الكفاءة ليتنحى عن العمل.

لكنه تفاجأ برد المحافظ العرادة قال له: “لقد خدمت 20 عاماً وستخدم معي 20 عاماً أخرى، فنحن لا نستغني عنك”، ووجه لاحقاً لتطوير العمل الإعلامي بتوفير استوديو متكامل وكاميرا كبيرة حديثة (دي في كام).

وصف الخولاني رد المحافظ بأنه يعكس أصل الكرم والتقدير (رد شيخ بن شيخ)، وكان له أثراً كبيراً في رفع معنوياته وتحفيزه على الاستمرار في عمله الإعلامي والميداني، وشعر بتقدير حقيقي لجهوده.

قرار التسوية

يذكر ناصر أن وزير الزراعة أصدر له قرار تعيين منذ حوالي 12 إلى 18 عاماً، حيث شغل الخولاني منصب مديراً لمكتبه لسنوات طويلة، إلا أنه لم يحصل على الدرجة المستحقة في الخدمة المدنية، رغم توجيهات المحافظ العرادة بضرورة تسوية وضعه بناءً على هذا القرار، لكن المعاملة لا تزال عالقة بين المكاتب الحكومية دون تنفيذ فعلي حتى الآن.

عدم ضمه في كشوفات الجيش

يذكر ناصر أنه لم يتم ضم اسمه إلى كشوفات الجيش، بحجة “ليس عسكرياً رسمياً” ولا يمتلك ملفاً في السجلات الحالية.

يقول ناصر إنه حاول مقابلة رئيس الأركان (بن عزيز) لشرح قضيته، لكن مدير المكتب كان يمنعه من الدخول بحجة عدم وجود القائد، مما حال دون وصول تظلمه لرئيس هيئة الأركان بن عزيز.

ابنه الجندي

ابن ناصر الخولاني الأول (23 عاماً) اختار المسار العسكري بدلاً من الإعلام، وقد أصيب ثلاث مرات أثناء مشاركته في المعارك، وأصيب بمرض السكر نتيجة “الخوف والصدمة” اثر سقوط قذيفة عليهم وهم نائمون في وقت الفجر.

في حادثة منفصلة، نجا ابنه الصغير (صلاح) بأعجوبة عندما سقطت قذيفة من جبل هيلان على شقتهم في حي “الكمب”، حيث كان يلعب وسط الغبار والأنقاض وتدمرت غرفتهم تماماً.

فريضة الحج

يذكر ناصر أنه ظل يتابع مكتب الأوقاف والمسؤولين لمدة خمس سنوات للحصول على فرصة للحج أو العمرة، رغم خدمته الطويلة وتغطيته لأنشطة المكتب.

وأبدى أسفه أن بعض الاعلاميين تمكنوا من الحج ثلاث مرات، بينما هو يُحرم من ذلك لأنه ليس من “المقربين”.

وقال إنه يمتلك ثلاث كاميرات، وأنه يفكر بيع اثنتين منها ليوفر تكاليف الحج بجهده الذاتي ويؤدي “حق الله”، بدلاً من انتظار التقدير الرسمي الذي لم يأتِ، ويخشى أن يتقدم به العمر أكثر قبل أن يحقق هذا الحلم.

رسالته

يرى أن الإعلام حالياً “مشتت” وكل طرف يسبح في فلكه الخاص، رغم دعوات السلطة المحلية المتكررة لتوحيد الخطاب الإعلامي لخدمة المحافظة والوطن.

يدعو ناصر إلى “غربلة” شاملة للجسم الإعلامي، وتصحيح وضع “الشللية” التي تسيطر على الدورات التأهيلية والفرص، حيث يتم تدوير نفس الوجوه بينما تُقصى الكوادر الخبيرة والمؤهلة لأسباب حزبية أو شخصية.

ويشدد على أن هدف الإعلامي يجب أن يكون إظهار وجه المحافظة وخدمة الوطن بعيداً عن المناكفات أو التفكير الضيق الذي يسعى لعرقلة الآخرين بناءً على انتماءاتهم، وأن يكون الإعلام صفاً واحداً مع الجبهات والجيش.

ظهرت المقالة ناصر الخولاني.. عدّاء الأمس وحارس الأرشيف المرئي لمأرب لثلاثة عقود أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية