عربي
في الأيام التي أعقبت الضربات الإيرانية على مدن ومنشآت في الخليج، لم يكن التغيير الأكثر وضوحاً في صور الدخان أو في البيانات العسكرية، بل كان في أماكن أخرى أكثر هدوءاً، في المطارات تحديداً؛ في مدارج اعتادت أن تكون من بين الأكثر ازدحاماً في العالم، فبدت أقلَّ حركة. بعض الرحلات أُلغيت، وأخرى أُعيد رسم مساراتها بعيداً عن المجال الجوي المتوتّر. شركات التأمين البحري رفعت أقساط المخاطر، ومستثمرون أجّلوا اجتماعات كانوا قد خطّطوا لها منذ أشهر. لم تكن تلك مجرّد تفاصيل لوجستية عابرة؛ كانت علامةً على تحوّل أعمق، فالخليج الذي بُني في العقود الماضية ليكون عقدة الاقتصاد العالمي وجد نفسه فجأة داخل معادلة الحرب. المدن التي صُممت لتكون مراكز مالية وموانئ عالمية وجسوراً بين آسيا وأوروبا اكتشفت أن موقعها الاستراتيجي الذي صنع ثروتها يمكن أن يصبح أيضاً مصدر هشاشتها.
خلال العقدَين الماضيَين، قدّمت دبي والدوحة وأبوظبي والرياض نفسها باعتبارها جغرافيا الاستقرار في منطقة مضطربة. بنية تحتية حديثة، وأسواق مالية مفتوحة، ومطارات تربط القارّات؛ كانت الفكرة التي قامت عليها هذه التجربة واضحة: تحويل الجغرافيا إلى اقتصاد. لكنّ الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، وما تبعها من ضربات إيرانية طاولت عدّة دول خليجية، كشفت مفارقةً لم يعد بالإمكان تجاهلها: المركز الاقتصادي الجديد للعالم يقع أيضاً في مدى الصواريخ.
يعيد هذا التحوّل طرح سؤال لم يعد من الممكن تأجيله: ما معنى الأمن في الخليج اليوم؟ فمنذ حرب الخليج عام 1991، تشكّلت منظومة أمنية إقليمية تقوم على وجود عسكري أميركي كثيف وعلى اتفاقات دفاعية واسعة، وبدت هذه المعادلة مستقرّّةً ثلاثة عقود. وكانت الولايات المتحدة ضامناً استراتيجياً، وقواعدها العسكرية المنتشرة في الخليج جزءاً من بنية الردع في المنطقة. لكن السنوات الماضية بدأت تكشف حدود هذه المعادلة. ففي سبتمبر/ أيلول 2019 استهدفت طائرات مسيّرة وصواريخ منشآت شركة أرامكو في بقيق وخريص في السعودية. خلال ساعات فقط، انخفض إنتاج النفط العالمي بنحو 5%. كان ذلك أحد أكبر الاضطرابات المفاجئة في تاريخ سوق الطاقة الحديثة، غير أن الأثر الاقتصادي لم يكن الرسالة الأهم في تلك اللحظة. كانت الرسالة الأعمق أن البنية التحتية للطاقة في الخليج يمكن أن تتعرّض لضربة كبيرة من دون أن يؤدّي ذلك إلى ردّ عسكري يعيد ترميم الردع. لم تُنهِ تلك الحادثة الثقة بالمظلّة الأمنية الأميركية، لكنّها زرعت شكّاً استراتيجياً داخل المنطقة. ومع الضربات الإيرانية أخيراً عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على قوة خارجية لحماية منطقة تقع في قلب مدى الصواريخ؟
في عالم يعتمد على الثقة والاستقرار لتدفّق الاستثمارات، يزعزع احتمال الحرب الحسابات الاقتصادية
هنا تظهر الجغرافيا بوصفها العامل الأكثر حسماً في معادلة الأمن الخليجية، فالولايات المتحدة قوة عابرة للقارّات تستطيع أن تخوض حرباً في الشرق الأوسط ثم تعود إلى عمقها الاستراتيجي خلف محيطَين. أما دول الخليج فلا تملك هذا الخيار؛ إنها تعيش في جغرافيا ضيّقة على الضفة المقابلة مباشرة لإيران، والمسافة بين بعض المنشآت النفطية الخليجية والسواحل الإيرانية لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات. وهذا يعني أن إيران ليست خصماً بعيداً، بل هي جار دائم. وفي الوقت نفسه، يقدّم ذلك جواباً لسؤال: لماذا لم تردّ دول الخليج على الضربات الإيرانية؟ فمَنع الانفجار استراتيجية بحد ذاته، وإدارة التوازنات انتصار، حتى لا تتحوّل لحظة ردّ إلى حرب لا تنتهي.
وليست الجغرافيا مجرّد خريطة سياسية، بل معادلة أمنية كاملة، فالموانئ ومنشآت النفط والغاز والمطارات التي تمثّل قلب الاقتصاد الخليجي تقع كلّها تقريباً ضمن مدى الصواريخ الإيرانية. وفي عالم يعتمد على الثقة والاستقرار لتدفّق الاستثمارات، يكفي احتمال الحرب لزعزعة الحسابات الاقتصادية. لكن الجغرافيا الخليجية لا تتجسّد فقط في مدى الصواريخ، بل أيضاً في أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم: مضيق هرمز. عبر هذا الممرّ الضيق يمرّ ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية. لعقود طويلة كان المضيق أحد أعمدة استقرار سوق الطاقة، غير أن التهديدات المتكرّرة بإغلاقه خلال الحرب الحالية أعادت إحياء سؤال قديم في دوائر الطاقة الدولية: ماذا لو أصبح هرمز غير آمن؟
ليست هذه المرّة الأولى التي يصبح فيها المضيق محور أزمة. ففي الثمانينيات، خلال الحرب العراقية – الإيرانية، شهد الخليج ما عُرف بحرب ناقلات النفط. آنذاك تعرّضت السفن التجارية لهجمات متكرّرة، وتدخّلت الولايات المتحدة لحماية الملاحة البحرية في عملية عسكرية عُرفت باسم "إرنست ويل" (1987) لحماية ناقلات النفط الكويتية. لكن الفارق اليوم كبير؛ ففي ذلك الوقت كان الخليج مصدراً للطاقة فقط، أما اليوم فقد أصبح أيضاً مركزاً مالياً واستثمارياً عالمياً. ولذلك أيّ اضطراب طويل في الملاحة لن يهدّد النفط فحسب، بل سيهزّ النموذج الاقتصادي الذي بنت عليه دول الخليج مكانتها الدولية.
تبدو الاستراتيجية التي اعتمدت عليها دول الخليج عقوداً أقل استقراراً مما كانت عليه
لهذا السبب بدأت دول الخليج منذ سنوات بالبحث عن بدائل جزئية لمضيق هرمز: خطوط أنابيب تتجه نحو البحر الأحمر أو بحر العرب، وموانئ خارج المضيق، واستثمارات متزايدة في البنية التحتية التي تقلّل الاعتماد على هذا الممر الحيوي. ومع ذلك تبقى حقيقة جيوسياسية يصعب تجاوزها: الخليج سيظلّ في قلب واحدة من أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم.
إلى جانب الجغرافيا، كشفت الحرب أيضاً تحوّلاً في طبيعة الثقة في الضمانات الأمنية الأميركية. فخلال العقود الماضية اعتمدت دول الخليج إلى حد كبير على المظلّة الأمنية الأميركية، غير أن التحوّلات في السياسة الأميركية، من التركيز المتزايد على آسيا إلى الرغبة في تقليل الانخراط العسكري في الشرق الأوسط، جعلت فكرة الاعتماد الكامل على الحماية الأميركية أقل يقيناً مما كانت عليه في الماضي.
لا يعني هذا نهاية التحالف مع واشنطن، لكنه يعني أن دول الخليج بدأت تدرك أن الأمن لا يمكن استيراده بالكامل من الخارج. يدفع هذا الإدراك المنطقة تدريجياً نحو مسارَين متوازيَين: تعزيز الاعتماد الذاتي في الأمن وتنويع التحالفات الإقليمية. وقد بدأت دول الخليج الاستثمار بشكل أكبر في الصناعات الدفاعية المحلية وفي تطوير أنظمة دفاع جوي وصاروخي متقدّمة، كما تتجه إلى توسيع شراكاتها الأمنية مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان، في محاولة لبناء شبكة توازنات أوسع تقلّل الاعتماد الكامل على قوة واحدة. وفي الخلفية يقف تحوّل أوسع في النظام الدولي نفسه. فالعالم الذي تشكّل بعد الحرب الباردة، حين كانت الولايات المتحدة الضامن شبه المطلق للأمن العالمي، بدأ يتغيّر. تعيد القوى الكبرى ترتيب أولوياتها، والتحالفات لم تعد ثابتة كما كانت في السابق. وفي هذا السياق، تبدو الاستراتيجية التي اعتمدت عليها دول الخليج عقوداً أقل استقراراً مما كانت عليه.
لم يعد أمن الخليج مسألة إقليمية، بل أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الاقتصادي العالمي
لكن السؤال الذي بدأ يتردد اليوم في دوائر الطاقة العالمية يتجاوز حدود الخليج نفسه: ماذا لو أصبح مضيق هرمز غير آمن فترة طويلة؟ فالعالم الذي يعتمد على هذا الممر الضيق لن يقف مكتوف اليدين. فهرمز ليس مجرّد مضيق جغرافي، بل شريان يمرّ عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، وأي اضطراب مستمر فيه لن يكون أزمة إقليمية فحسب، بل هزّة في بنية الاقتصاد العالمي.
لهذا بدأت بالفعل ملامح تفكير استراتيجي جديد في طرق الطاقة، فدول الخليج توسّع خطوط الأنابيب التي تنقل النفط إلى موانئ خارج المضيق، مثل الموانئ الواقعة على البحر الأحمر أو بحر العرب. كما تتزايد الاستثمارات في موانئ بديلة وبنية تحتية تسمح بتجاوز نقاط الاختناق البحرية. وفي الوقت نفسه تفكّر الدول الصناعية الكبرى بجدية أكبر في تنويع مصادر الطاقة وتسريع التحوّل نحو بدائل تقلّل الاعتماد المفرط على هذا الشريان الحيوي.
ومع ذلك، تبقى حقيقة يصعب تغييرها: المشكلة ليست في الطريق فقط، بل في المصدر نفسه. فدول الخليج ستظل في المستقبل المنظور أحد أهم خزّانات الطاقة في العالم، وسيظل الاقتصاد العالمي مرتبطاً باستقرارها. ولهذا لم يعد أمن الخليج مسألةً إقليميةً تخص دوله وحدها، بل أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الاقتصادي العالمي. في هذا المعنى قد لا يكون السؤال الأهم كيف تنتصر دول الخليج في الحرب، بل كيف تمنع الحرب من إعادة تعريف مستقبلها. ففي منطقة تتقاطع فيها الجغرافيا بالطاقة بالاقتصاد العالمي، قد يصبح منع الانفجار نفسه شكلاً من أشكال القوة.
