تهديد ترامب بقطع العلاقات التجارية يربك الاقتصاد الإسباني
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يعكس تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، على خلفية موقف الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز بعدم دعم العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران ورفض استخدام قواعدها العسكرية لأغراض لوجستية، مدى تداخل السياسة في الاقتصاد. فالتهديد، الذي لم تُحدَّد آلياته التنفيذية بشكل واضح، أعاد إلى الواجهة هشاشة التوازن بين المصالح الاقتصادية والخيارات السيادية في العلاقات الدولية، كما فتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة الترابط الاقتصادي بين البلدين وحدود القدرة الفعلية على تحويل التوتر السياسي إلى قطيعة اقتصادية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ليست الشريك التجاري الأول لإسبانيا، تبقى من أكثر الشركاء حساسية وتأثيراً بسبب حجم التبادل وطبيعة القطاعات المرتبطة بها، إضافة إلى التشابك الاستثماري العميق بين الطرفين. وقد شهدت هذه العلاقة خلال الأشهر الماضية حالة من التقلّب، خاصة في ظل التهديدات الجمركية المتكررة من قبل الرئيس الأميركي، ما وضع قطاعات إسبانية رئيسية أمام حالة من عدم اليقين ودفعها إلى البحث عن أسواق بديلة. وتشير بيانات وزارة الاقتصاد الإسبانية إلى أن إسبانيا صدّرت إلى الولايات المتحدة ما قيمته 16.7 مليار يورو في عام 2025، بانخفاض ملحوظ مقارنة بالعام السابق، في حين استوردت منها أكثر من 30 مليار يورو، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري إلى نحو 13.4 مليار يورو. وتُظهر هذه الأرقام أن العلاقة تميل إلى صالح واشنطن من حيث الميزان التجاري، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن اعتماد متبادل، خاصة في مجالات الطاقة والصناعة. ومع ذلك، تمثل الولايات المتحدة نحو 4.3% فقط من صادرات إسبانيا، في حين أن معظم التجارة الإسبانية تتم داخل الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن التأثير المحتمل لأي عقوبات سيكون انتقائياً أكثر منه شاملاً. قطاعات يمكن أن تتضرر في حال تحوّل التهديد إلى إجراءات فعلية، فإن بعض القطاعات ستجد نفسها في خط المواجهة، ولا سيما القطاع الزراعي والغذائي. وفي مقدمتها زيت الزيتون، الذي تبلغ صادراته إلى السوق الأميركية نحو 970 مليون يورو سنوياً، إضافة إلى النبيذ (288.3 مليون يورو) ومنتجات اللحوم مثل لحم الخنزير (نحو 200–250 مليون يورو). ويزداد الخطر بسبب وجود منافسين دوليين مثل تونس في زيت الزيتون، والأرجنتين وتشيلي في النبيذ واللحوم. أما في القطاع الصناعي، فتتجاوز صادرات الآلات والمعدات الكهربائية والصناعية 4 مليارات يورو سنوياً، إلى جانب السيراميك ومواد البناء، فيما يفوق قطاع الأدوية 1.2 مليار يورو، وهو قطاع ذو قيمة مضافة عالية وقد يتحول إلى أداة ضغط فعالة. وتكمن أهمية هذه القطاعات في ارتباطها بشبكات الإنتاج والتوظيف، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا أثر داخلي ملموس. وتشير بيانات غرف التجارة إلى أن بعض هذه القطاعات سجّل نمواً مزدوج الرقم في السنوات الأخيرة، ما يزيد من حساسيتها لأي قيود تجارية محتملة. في المقابل، ارتفعت واردات إسبانيا من الولايات المتحدة إلى أكثر من 30 مليار يورو (+7%)، مدفوعة أساساً بارتفاع مشتريات الغاز الطبيعي المسال إلى 4.2 مليارات يورو في 2025 مقارنة بـ 2.01 مليار يورو في 2024. كما ارتفعت واردات المنتجات الدوائية من 6.259 إلى 6.730 مليارات يورو، والآلات والمعدات من 2.443 إلى 2.740 مليار يورو. ويُعد الغاز الطبيعي المسال أحد أبرز عناصر الترابط الاقتصادي بين البلدين، إذ أصبحت إسبانيا بوابة رئيسية لدخول هذه المادة إلى أوروبا بعد الحرب الأوكرانية، مستفيدة من بنيتها التحتية في الموانئ ومحطات الغاز. إلى جانب التجارة، تلعب الاستثمارات الأميركية دوراً محورياً في الاقتصاد الإسباني، إذ تُقدّر بنحو 130 مليار يورو، ما يجعل الولايات المتحدة أكبر مستثمر أجنبي في البلاد. وتشمل هذه الاستثمارات شركات كبرى مثل BlackRock، التي تمتلك حصصاً في شركات إسبانية مدرجة، إضافة إلى مشاريع ضخمة أعلنتها شركات مثل Amazon في مجال البنية التحتية والتكنولوجيا. الإطار الأوروبي وحدود التأثير رغم هذه المخاطر، تبقى قدرة واشنطن على استهداف إسبانيا بشكل منفرد محدودةً، إذ إن مدريد جزء من الاتحاد الأوروبي الذي يحتكر صلاحيات السياسة التجارية. وهذا يعني أن أي إجراء عقابي سيُطبَّق على مستوى التكتل كله، وليس على دولة بعينها. ومع ذلك، تتيح القوانين الأميركية هامشاً للتحرك، إذ يمكن لإدارة ترامب فرض رسوم أو قيود على أساس الأمن القومي أو الممارسات غير العادلة، لكن ذلك يتطلب تحقيقات وإجراءات قانونية معقدة. ويبدو أن التهديد الأميركي يحمل طابعاً سياسياً أكثر منه اقتصادياً صرفاً. فحتى في حال تنفيذ إجراءات جزئية، من المرجح أن تستهدف قطاعات محددة ذات رمزية أو تأثير سياسي، بدلاً من اللجوء إلى قطيعة شاملة يصعب تحقيقها عملياً. كما أن قطع العلاقات التجارية بالكامل سيضر أيضاً بالمصالح الأميركية، خاصة في مجال صادرات الطاقة، إذ تعتمد إسبانيا على الولايات المتحدة في جزء مهم من وارداتها النفطية والغازية. وفي هذا السياق، أكدت المفوضية الأوروبية تضامن دول الاتحاد مع إسبانيا بعد تهديدات ترامب، مشددة على أن أي إجراءات أحادية تجاه دولة عضو يجب أن تُناقش ضمن إطار القوانين الأوروبية المشتركة، في إشارة إلى دعم بروكسل لموقف مدريد وحرصها على حماية أعضائها من أي ضغوط تجارية أحادية الجانب. داخلياً، أثارت هذه التطورات قلق الأوساط الاقتصادية التي شددت على أهمية الحفاظ على العلاقات مع واشنطن باعتبارها شريكاً استراتيجياً، في وقت تواجه فيه الشركات الإسبانية تحديات متزايدة في الأسواق الدولية. وفي المقابل، تؤكد الحكومة الإسبانية أن أي مراجعة للعلاقات التجارية يجب أن تتم ضمن احترام القواعد الأوروبية، ما يعكس رهان مدريد على البعد الجماعي في مواجهة الضغوط الثنائية. وسواء نفّذ ترامب وعيده أم لم يفعل، تكشف الأزمة الحالية أن الاقتصاد يُستخدم مرة أخرى أداةً في صراع سياسي أوسع، أكثر منه هدفاً بحد ذاته. (الدولار= 0.86 يورو)

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية