عربي
حين ظهرت لطيفة الشرع إلى العلن للمرّة الأولى، ظهرت معها أصوات سورية كثيرة مرحِّبة بهذه السيّدة التي شكّل حضورها لدى السوريين الخارجين من حرب إبادة استهدفت كينونتهم المجتمعية والهُويّاتية صورةً مثالية للسيّدة الأولى التي يحلمون بها: سيدة شابة بالحجاب الإسلامي الملتزم، بسيطة بابتسامة خفيفة ومحتشمة، هي "تشبهنا" كما درج "الترند" في وقتها. غير أن الترحيب الشديد بها كان لأكثر من مظهرها ولباسها؛ كان لوظيفتها الرمزية في المخيال السوري العام، لتناسبها مع الصورة المتخيَّلة عن المرأة السورية: هادئة، غير صدامية، غير متعالية، تتناسب طبقياً مع عموم المجتمع، لا تنتمي إلى شرائح النُّخب، هي نموذج للصورة النسائية المألوفة التي لا تشكّل أيَّ تهديد صدامي مجتمعي، ولا تُحدث ارتباكاً في الهُويّة الاجتماعية من حيث وظيفتها بوصفها أنثى. لقد منح ظهورها في ذلك الوقت إحساساً عاماً بالطمأنينة لمجتمع خارج من حروب متشابكة أمنية ومذهبية وطبقية، إحساساً يقول رمزياً: إن هذه السلطة ليست غريبة عنّا.
يضيق الفضاء السوري العام اليوم بالنساء؛ يختفين حتى من الظهور المكثّف في الشوارع، بحسب ما يقول الأصدقاء الذين لم يغادروا سورية. تُستثنى من هذا ربّما مدن بعينها لاعتبارات مختلفة ليس هنا مجالها. يضيق بهن الإعلام السوري والثقافة السورية والاقتصاد السوري والدبلوماسية السورية، وربّما من حسن الحظّ أن شركات الإنتاج الدرامي قديمة، وإلا لكنّا نرى اليوم مسلسلات درامية مقتصرة على الذكور. تضيق حتى الاجتماعات العامة مع مسؤولي السلطة من النساء. يبدو المشهد العام وكأنّ النساء السوريات أُعدِمن جميعاً أو نُفِين أو مُنِعن من الحركة والظهور، ونحن هنا نتحدّث عن الصورة العامة، الصورة الإعلامية لشكل سورية اليوم. هذه الصورة تخلو تماماً من النساء، مع أن أحدث إحصائية تفيد بأنّ نسبة عدد النساء في سورية تزيد على نسبة الذكور بما لا يقل عن 10٪ (!)، أين هنّ إذاً؟ أين الصحافيات والإعلاميات والكاتبات والتشكيليات والمحاميات والقاضيات والدبلوماسيات وسيّدات الأعمال؟ أين الناشطات المدنيات والنسويات في سورية؟ من أخفاهن تماماً حتى بات المشهد السوري العام مليئاً بالهرمونات الذكورية وباللحى؟ كما لو أننا في جبهة قتال وحرب لا في بلد ممتدّ الحضارة إلى آلاف سنين مضت كانت فيها النساء حاضرات دائماً وبقوة لا يُستهان بها.
حين ظهر ترند "تشبهنا" عن لطيفة الشرع لم يكن ذلك عفوياً، بل كان القصد منه تحديد المساحة التي ستُمنح للمرأة السورية ضمن آليات السلطة الجديدة: المساحة الخلفية الضيّقة من الصورة العامة. ذلك أن المنظومة الجهادية التي وجدت نفسها فجأةً في رأس السلطة نشأت في بيئة حرب وهُويّة ذكورية قائمة على صراع طامح للسلطة والقيادة. هذه المنظومة ترى في التنوّع إضعافاً لتماسكها الداخلي وبؤرة لكسر الهرم الذي تقوم عليه سلطتها. تشكّل النساء في هذا الهرم القاعدة السفلية التي قد يؤدّي إعادة ترتيبها إلى تحطيم الهرم بأكمله. في هذه المنظومة تبدو رماديةُ توزيع الأدوار بمثابة ثورة على الذكورية المجتمعية والسياسية التي تقوم عليها بنية هذه السلطة، بمثابة انتفاضة على الأيديولوجيا التي نشأ عليها فكرها.
لهذا حسمت باكراً، وبوضوح شديد، موضوع توزيع الأدوار الجندرية عبر الصورة المناسبة لها والمتمثّلة في "السيدة الأولى" التي "تشبهنا". التشابه الذي يُراد له اختصار حضور النساء السوريات ضمن سقف محدّد مسبقاً ومؤطَّر بخطاب أخلاقي دعوي يحصر مشاركاتهن العامة في أطر مناسبة مجتمعياً (التعليم والتمريض)، أو في أطر لا يوجد فيها كثيرٌ من التماس مع الذكور (بائعات ملابس نسائية)، أو يُخفى هذا الحضور من الصورة الإعلامية التي توحي للعامة بأنّ المجتمع بأكمله تحت سيطرة السلطة التي تشكّله، بما يحمي تراتبية المجتمع وهرميّته، وبما يحافظ على الهُويّة الذكورية المرغوبة في المجتمع التي تكفل استقراره بعد سنوات حرب مع نظام يفترض سوريون كثرٌ أن "علمانيته" كانت السبب في جرائمه. وهو افتراض تعمل السلطة الحالية على ترسيخه عبر إعادة تشكيل المجتمع والسياسة والإعلام والثقافة بذكورية متّسقة تماماً مع منظومتها الجهادية.
