بدر الكبرى،أو بدر الفرقان؛ حجر الزاوية لانتصارات الأمة المستمرة، و إن تعثرت،أو توقفت أحيانا.
كا ذلك في يوم الجمعة 17 من شهر رمضان من العام الثاني من الهجرة النبوية الشريفة. كان البغي قد تشامخَ تشامخ الدخان، و مضى الملأ في قريش ينفخون في عيدان ذلك الدخان محرضين للعامة أن امشوا و اصبروا على آلهتكم؛ فيما مضى الإيمان، يُرسّخ المبادئ في قلوب فتيةآمنو ابربهم؛ فكانت مبادئ لا تهزها العواصف، و لا يحجبها دخان عقلية المنادين بالضعفاء: "لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون".
يا لخيبة المهزوم المكابر بالدخان، و ببث البلبلة للتضليل، ويح تلك العقلية التي تمشي في الناس بلا حجة؛ إلا أن تحرض أتباعها على أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم، و أن يستغشوا ثيابهم، إصرارا على ألا يسمعوا لهذا القرآن، و أن يلغوا فيه.
كم هو خائب ذلك الذي يعادي الحقيقة، و ينازلها بالسراب، و الدخان، و التضليل بالإرجاف.
في غفلة من الزمن تكون فيه السيطرة لطغيان البغي ممن يستضعفون المجتمعات حدّ أن يجعلوهم مجرد تابعين، بلا رأي و لا رؤية، يعيشون في ظلام، و يأوون إلى ظلام.
هنا يأنس الطغيان، و يظن أن بغيه قد أتى أُكله، و أن المجتمع بناسه أطوع لهم من بنانهم، مهما كانت كلمات الطغيان تافهة، و رؤاه بائسة.. و هكذا ظن الملأ في قريش، أنهم قد امتلكوا زمام العامة .
جاءت:" إقرأ"، و ما أدراك ما إقرأ؛ كلمة هزت مكة من أصل قواعدها ، و هزت الملأ في قريش من أعماقهم، حتى ضاقوا بها ذرعا.
يستعصي الباطل حينا؛ حتى ليظن البسطاء، و يظن معهم المنتفعون، و المتربصون،أن لا سبيل إلى مواجهة الباطل المنتفش. يحدث ذلك لفترة قبل أن تتشقق صفوفه، و تنهار أركانه.
برزت قوة قريش ـ فيما يرى المحلل العسكري، و السياسي ـ حين رأوا المسلمين يخرجون متخفين فرادى في هجرتهم إلى يثرب، ثم يلحق بهم الرسول صلى الله عليه و سلم، فتخلو مكة من المسلمين، إلا من أفراد مستضعفين يكتمون إيمانهم، أو محاصرين من أن يتمكنوا من الخروج مهاجرين.
ثلاث عشرة سنة قضاها المسلمون في مكة المكرمة في أذى و ملاحقات، و اضطهاد، و كانت النهاية خروجهم مهاجرين منها إلى يثرب.
لم يمض غير عام و بضعة أشهر قضاها الرسول و المسلمون معه في المدينة المنورة ؛ ليلتقي المسلمون مع مشركي قريش في أول مواجهة عسكرية، هي غزوة بدر.
تغير الحال، و تبدلت الأوضاع؛ و إذا بالمضطهدين المطاردين و قد وقفوا وجها لوجهه أمام قريش في ميدان النزال.
كان الملأ من قريش يقودون ألف مقاتل، استنفروهم لإبادة محمد (ص) و أصحابه، بينما كان الرسول في 313 رجلا من أصحابه.
قال قائل المسلمين و قد اصطفت الفئتان: إمض بنا يا رسول الله للجهاد، فلعل الله يريك منا ما تقر به عينك، و قال آخر: إمض بنا لحربهم، و لن نقول ما قاله بنوا إسرائيل: إذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، و لكن امض أنت و ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
ذلك كان حال، و معنويات جيش المدينة المنورة، بينما كان حال جيش قريش يمثله عمير بن وهب الذي خرج يستكشف عددَ، و عتاد المسلمين؛ حين عاد ليقول لقريش: إنهم ثلاثمائة يزيدون قليلا، أو ينقصون قليلا، و لكن دعوني أمضي لأرى هل لهم من مدد، أو كمين، فسار في وادي بدر فلم يجد أحدا، فعاد يقول لقريش: ليس للقوم إلا ذلك العدد، و لكن ما أرى أن يُقتل منهم أحد حتى يقتلوا أمثالهم؛ فما فائدة الحياة بعدهم، فروا رأيكم ، و ذاك رجل آخر من قريش يمضي إلى عتبة بن ربيعة يحثه على أن يوظف وجاهته للانسحاب دون قتال.
لكن أمر الله نافذ في الطغاة، فقد أبى أبو جهل إلا أن يبقى حتى تسمع العرب بمسيرهم، فيظلون يهابونهم أبد الدهر، و لقد سمعت بهم العرب، و لايزال العرب يسمعون بهم أنهم هزموا هزيمة لم يهزموا مثلها من قبل.
سمع بهم العرب و غير العرب و أن الحق منتصر، مهما أبدت المقدمات نتائج مخيبة، و مهما ظهر الطغاة أنهم أكثر قوة و أعظم جندا، فقد أعطت بدر الكبرى دروسها، و ألقت عبرها، و كيف يكون الإعداد، و كيف يُبنى الجند الشداد، و كيف يتوسلون النصر بالإيمان، و الوحدة و الاتحاد"لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم".