عربي
لطالما وجدت نفسي خلال جلسات العصف الذهني أو المواقف التي يُفترض أنّها تبحث عن حلول لمشكلات مُعقّدة أمام مفارقة مُتكرّرة، ألا وهي أنّنا بتنا نبدأ من الأداة قبل أن نفهم المشكلة، وننجذب إلى أقصى ما وصلت إليه التكنولوجيا قبل أن نسأل إن كنّا بحاجة إليها أصلًا. كأنّ عقلنا الجمعي أصبح مُهيّأً تلقائيًا لافتراض أنّ الحل الأفضل هو الحلّ الأكثر تقدّمًا تقنيًا، والأغلى ثمنًا، والأكثر إثارة للإعجاب، لا الأكثر ملاءمة أو كفاءة.
في هذه المواقف يخطر في بالي مثال يبدو بعيدًا، لكنه في الحقيقة شديد الدلالة. تخيّل التفكير في مشكلة التنقّل داخل مدينة مزدحمة، تعاني من اختناقات مرورية، وشح في مواقف السيارات، وضغط على البنية التحتية، ثم يأتي من يقترح ولو ضمنيًا نموذجًا أقرب إلى سيارة بوغاتي توربيون الهجينة الخارقة، وحش هندسي بقوّة تقارب 1800 حصان، تسارع مذهل، سرعة قصوى تتجاوز أيّ منطق حضري، وسعر يلامس أربعة ملايين يورو! من زاوية هندسية وتقنية بحتة، البوغاتي إنجاز مذهل، ولربما ذروة ما يمكن أن توجده الصناعة في يومنا هذا. لكن من زاوية المشكلة الأصلية ألا وهي الانتقال من نقطة (أ) إلى نقطة (ب) داخل مدينة مأزومة يتحوّل هذا الحل إلى عبث صريح. ففي هذا السياق، سيارة صينية صغيرة اقتصادية بأربعة أبواب، سهلة الركن، منخفضة الاستهلاك، ستكون أكثر فعالية، وأكثر عقلانية، وأكثر انسجامًا مع الواقع.
ننزلق من التفكير القائم على حلّ المشكلات إلى تفكير تقوده التكنولوجيا نفسها
المشكلة ليست في السيارة الخارقة بحدّ ذاتها، بل في المنطق الذي يجعلنا نراها كإجابة مُحتملة لسؤال لم تُصمَّم أصلًا للإجابة عنه. هذا المنطق نفسه يتكرّر في مجالات أخرى بلا ضجيج. نريد هاتفًا أفضل، فنطارد رقاقات أصغر فأصغر، نانومتر بعد نانومتر، وكأنّ تجربة المُستخدم العادي انهارت لأنّ الشريحة ما زالت 7 نانومتر وليست نانومتر واحد. نريد ذكاءً اصطناعيًا أقوى، فنفترض أنّ الحلّ هو المزيد من البيانات، والمزيد من القدرة الحاسوبية، والمزيد من استهلاك الطاقة، من دون أن نتوقف طويلًا عند السؤال البسيط: هل القصور فعليًا في الأداة أم في طريقة تعريف المشكلة ومقاربتها؟
بتنا شيئًا فشيئًا، ننزلق من التفكير القائم على حلّ المشكلات إلى تفكير تقوده التكنولوجيا نفسها. لم نعد نسأل: ما الذي نحتاجه؟ بل ما الذي يمكن للتقنية أن تفعله الآن؟ ثم نحاول لاحقًا إعادة صياغة المشكلة كي تتلاءم مع هذا الجواب الجاهز. في هذه اللحظة، تفقد الاستراتيجية معناها، وتتحوّل إلى سباق استعراضي، تُقاس فيه القيمة بآخر إصدار، وأعلى رقم، وأضخم قدرة، لا بمدى الأثر أو الكفاءة أو الملاءمة.
هذا الانجراف لا يحدث صدفة، فوراءه منظومة اقتصادية وإعلامية صاخبة تروّج لفكرة أنّ التقدّم مرادف دائمًا للتعقيد، وأنّ البساطة علامة تخلّف، وأنّ الاكتفاء بما هو كافٍ ضرب من القصور في الطموح، ومغامرة بخسارة المستقبل. وبهذا المعنى، لا نكون فقط ضحايا إغراء التكنولوجيا، بل أيضًا أسرى نماذج أعمال لا تزدهر إلا عبر خلق احتياج دائم لما هو أحدث، حتى لو لم يكن أكثر نفعًا.
أصبحنا أسرى نماذج أعمال لا تزدهر إلا عبر خلق احتياج دائم لما هو أحدث، حتى لو لم يكن أكثر نفعًا
المفارقة أنّ السؤال الجوهري، الذي يُفترض أن يكون نقطة البداية لكلّ تفكير رشيد، يكاد يختفي ألا وهو: ما المشكلة الحقيقية؟ لمن؟ وفي أيّ سياق؟ وبأيّ كلفة اجتماعية واقتصادية وبيئية؟ عندما لا تُطرح هذه الأسئلة بوضوح، تصبح الحلول مهما بدت متقدّمة حلولًا معزولة عن الواقع، جميلة في العروض التقديمية، لكنها ثقيلة وغير عملية في الحياة اليومية.
بالتأكيد، لا أنكر هوسي الشخصي بالتقنيات الجديدة، ولا أقصد هنا رفض التكنولوجيا أو التقليل من قيمة الابتكار، بل إعادة وضعه في مكانه الصحيح. فالتكنولوجيا مجرّد وسيلة، ولم ولن تكون غاية بحدّ ذاتها في يومٍ من الأيام. والحلّ الجيد ليس ذاك الذي يُثير الإعجاب التقني، بل الذي يحقّق الهدف بأبسط الطرق المُمكنة، وأقلّها كلفة، وأكثرها انسجامًا مع السياق الإنساني الذي وُجد من أجله، من دون الوقوع في فخ محاولة إيجاد حلول تقنية لمشكلات لا تحتاجها.
ربما المشكلة الأكبر التي نواجهها اليوم ليست في نقص التقنيات، بل فقدان الانضباط الفكري الذي يذكّرنا بأنّ التفكير يبدأ من السؤال، لا من الأداة، وأنّ أعظم الابتكارات ليست دائمًا تلك التي تذهب إلى أقصى الحدود، بل تلك التي تعرف متى تتوقّف.