عربي
تسبّب العدوان العسكري الأميركي الإسرائيلي على إيران في شل حركة الطيران في شكل شبه كامل، وأسفر عن تداعيات إنسانية مباشرة طاولت مئات المسافرين، من بينهم سوريون علقوا خارج البلاد أو داخلها عاجزين عن العودة إلى أعمالهم أو مقار إقاماتهم.
ويُفاقم غياب مؤشرات واضحة لموعد استئناف الرحلات حالة القلق لدى العالقين، ويجعل خططهم المهنية والشخصية معلّقة إلى أجل غير مسمى. وتتجاوز الأزمة حدود خسارة تذاكر السفر أو تكاليف الإقامة الإضافية لتطاول قضايا أكثر حساسية، مثل تجديد عقود العمل، والالتزام بمواعيد رسمية، وحتى أوضاع الإقامة في بعض الدول. فالكثير من السوريين المقيمين في أوروبا أو الخليج أو العراق يعتمدون على جداول زمنية دقيقة، وأي تأخير قد يعرّضهم لخسائر مادية أو قانونية. وهذا التعقيد في إجراءات العبور يزيد صعوبة إيجاد حلول بديلة، ويدفع كثيرين إلى الانتظار في مطارات أو مدن عبور، وسط تكاليف إضافية وضغوط نفسية متزايدة.
"كنت أظنها إجازة قصيرة أستعيد فيها أنفاسي، لكنها تحوّلت إلى إقامة مفتوحة لا أعرف متى تنتهي". بهذه الكلمات تختصر سحر بدوي، وهي معلمة من ريف دمشق، حالها بعد أن وجدت نفسها عالقة خارج البلاد، إثر إغلاق الأجواء السورية. سافرت سحر إلى قطر لزيارة ابنتها بعد حصولها على إجازة رسمية لمدة أسبوع من مدرستها. تقول لـ"العربي الجديد": "كنت سعيدة بهذه الأيام القليلة، شعرت بأنني أستعيد نفسي بعد سنوات من الضغط والعمل المتواصل، لكن فجأة انقلب كل شيء. انتهت إجازتي وتواصلت معي الإدارة بخصوص تجديد العقد، فوجدت نفسي عاجزة عن العودة". وتضيف بحسرة: "تحوّلت الزيارة إلى إقامة إجبارية. لا أعلم إن كان سيجري تجديد عقدي أم لا. أشعر بأنني عالقة بين بلدين، لا أنا في إجازة ولا قادرة على العودة إلى حياتي".
لا تختلف قصة أحمد جركس (38 عاماً)، المقيم في ألمانيا، كثيراً عن قصة سحر. كان أحمد قد جاء إلى سورية في زيارة عائلية قصيرة خلال شهر رمضان، على أن يعود إلى ألمانيا السبت الماضي. غير أن إغلاق الأجواء بدّد خططه. يقول: "فاتني موعد الطائرة، وخسرت عقد عمل كنت أنتظره منذ أشهر. الشركة لا تنتظر، والظروف لا ترحم. حاولت شرح الوضع، لكن في سوق العمل الأوروبي لا مجال للمخاطرة". ويضيف: "كل يوم تأخير يعني خسارة جديدة، وأنا لا أملك ترف الانتظار".
أما عبد الله جرجور، الموظف في شركة نفط في العراق، فقد ظن أنه اتخذ كل الاحتياطات اللازمة للالتزام بموعد عودته إلى عمله. غادر من اللاذقية إلى تركيا صباح السبت، تمهيداً للسفر جواً من مرسين إلى البصرة، مستفيداً من حمله الجنسيتين السورية والتركية، لكن توقف حركة الطيران بشكل مفاجئ قلب خطته رأساً على عقب. يقول عبد الله: "خرجت ملتزماً بموعد عودتي، لكن إغلاق الأجواء تركني معلّقاً. شركتي تنتظر عودتي، وأنا أخشى أن يؤثر هذا التأخير على عملي. لا أملك بديلاً واضحاً للسفر، وكل الاحتمالات مفتوحة على القلق". ويشير إلى أن كلفة الإقامة في تركيا، إضافة إلى ضبابية المشهد، تزيد من الضغط النفسي والمالي عليه.
ومن بين العالقين أيضاً فراس شلبي، سوري يحمل الجنسية الألمانية، كان قادماً من برلين إلى سورية عبر إسطنبول في زيارة عائلية طارئة بعد سنوات من الغياب. وصل إلى مطار إسطنبول ظهر السبت، حاملاً تذكرة متابعة إلى دمشق، قبل أن يُبلّغ بتوقف الرحلات الجوية إلى سورية بالكامل. يقول فراس: "وصلت وكان كل شيء منظماً، وفجأة قيل لي إنني لا أستطيع إكمال الرحلة. بقيت في المطار ساعات طويلة من دون أي حل واضح". يضيف: "والدتي مريضة، وجئت على عجل. الآن أنا عالق في تركيا. رحلة البر، إن سُمح لنا بالدخول عبر المعبر، تستغرق نحو 22 ساعة، وهي رحلة شاقة. إجازتي قصيرة، لذلك فضّلت الانتظار، واستأجرت غرفة صغيرة قرب المطار بانتظار أي تطور".
وكان مدير العلاقات في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سورية، مازن علوش، قد أكد سابقاً أن الجانب التركي لا يسمح حالياً بعبور السوريين مزدوجي الجنسية الذين دخلوا إلى سورية عبر المطارات أو عبر لبنان أو الأردن، كما يمنع عبور الأجانب عبر المنافذ البرية بهدف استخدام المطارات التركية. واستُثني من القرار حاملو الجنسية التركية، والسوريون الحاصلون على إقامة سارية في تركيا، بالإضافة إلى مزدوجي الجنسية الذين دخلوا سورية عبر المنافذ البرية مع تركيا.
كما أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني السوري استمرار إغلاق المجال الجوي أمام حركة الطائرات، وتعليق الإقلاع والهبوط في جميع المطارات السورية، اعتباراً من منتصف ليل الاثنين 2 مارس/ آذار الجاري، موضحة أن القرار يأتي في ضوء التطورات الأمنية الراهنة، وحرصاً على تطبيق أعلى معايير السلامة الجوية.
