منطق الدولة لا الفوضى
رسمي
منذ ساعتين
مشاركة

 

 

افتتاحية 26 سبتمبر

 

المنعطف الراهن الذي تمر به منطقتنا، بما يحمله من تحولات دراماتيكية وتوترات متصاعدة لم يكن وليد الصدفة أو نتاج لحظة عابرة، بل هو الثمرة المرة لعقود من التآكل في مفهوم (الدولة الوطنية) وتراجع احترام السيادة لحساب فواعل غير دولاتية وأجندات عابرة للحدود لم تجلب سوى الخراب.

لقد أثبتت الوقائع أن العبث بأمن الشعوب واستقرارها يبدأ حينما تستباح الحدود وتخترق النظم الوطنية تحت ذرائع أيديولوجية أو مصلحية ضيقة مما يؤدي إلى تحويل الجغرافيا الإقليمية إلى ساحات للصراع بالوكالة، حيث تقايض مقدرات الشعوب بمكاسب جيوسياسية لا تخدم إلا القوى التي تقتات على الفوضى.

إن هذا الانحدار الخطير في البيئة الأمنية الإقليمية يفرض علينا اليوم أكثر من أي وقت مضى ضرورة العودة إلى (منطق الدولة) الذي يؤكد عليه فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي في أكثر من خطاب وأكثر من تصريح، بوصفه الحصن الوحيد القادر على لجم التدهور، فالدولة القوية بمؤسساتها والشرعية بسيادتها هي الكيان الوحيد القادر على احتكار القوة وتنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية وفق القانون بعيداً عن تغول الميليشيات أو التنظيمات التي ترى في تفتيت الهوية الوطنية وسيلة لفرض أجنداتها المتطرفة.

إن استقرار المنطقة ليس مجرد أمنية سياسية بل هو استحقاق لا يمكن بلوغه إلا من خلال استراتيجية شاملة تضع احترام السيادة في قمة أولوياتها وتتعامل مع التدخلات الخارجية والولاءات العابرة للحدود بوصفها مهددات وجودية لا يمكن التهاون معها.

وهذا يتطلب عملا دؤوبا لتجفيف منابع التطرف بكافة أشكاله، ليس فقط عبر الوسائل الأمنية والعسكرية بل من خلال معالجة الجذور الفكرية والاجتماعية التي تتغذى عليها الخطابات الراديكالية.

إن تجفيف هذه المنابع يعني بالضرورة تحصين المجتمعات بمنظومات تعليمية وتنموية تعلي من شأن المواطنة وتلغي المساحات الرمادية التي تستغلها القوى الظلامية للتسلل إلى الوعي الجمعي. وفي هذا السياق تبرز الحاجة الملحة لبناء شراكات إقليمية ودولية مسؤولة، تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام الفعلي للحدود والخصوصيات الوطنية، شراكات تبتعد عن سياسة المحاور والاصطفافات التصادمية وتتجه بدلاً من ذلك نحو صياغة عقد أمني وتنموي مشترك يحمي المكتسبات ويؤمن المستقبل.

إن الطريق نحو السلام والتنمية يمر حتما عبر بوابة الاستقرار السياسي الذي يوفر البيئة الحاضنة للازدهار الاقتصادي، فلا تنمية في ظل الحروب ولا سلام في ظل سيادة منتقصة.

إن الشعوب التي عانت من ويلات النزاعات تتطلع اليوم إلى قيادات تتبنى لغة العقل ومنطق المؤسسات وتؤمن بأن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على البناء والابتكار لا في الهدم وإثارة القلاقل.

إن ترسيخ منطق الدولة يعني ببساطة تغليب المصلحة الوطنية العليا على ما دونها، وضمان أن تظل الدولة هي الفاعل الوحيد والأساسي في الساحة الدولية بما يضمن لها حماية مواطنيها وتلبية تطلعاتهم في حياة كريمة ومستقرة.

كما أن اللحظة التاريخية الراهنة تتطلب وقفة جادة لمراجعة المسارات السابقة والإدراك بأن التلاعب بأمن الدول هو مقامرة خاسرة للجميع وأن الأمن الجماعي للمنطقة هو كل لا يتجزأ، لا يتحقق إلا حينما تحترم كل دولة سيادة جاراتها وتلتزم بمبادئ القانون الدولي كمرجعية وحيدة وحاكمة للعلاقات البينية، لتصبح المنطقة ساحة للتنافس التنموي الإيجابي بدلا من كونها بؤرة للتوترات المزمنة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية