حرب أميركا "الدينية"
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
التقرير الذي نشرته "يورونيوز"، بشأن شكاوى داخل الجيش الأميركي حول توظيف خطاب ديني لتبرير الحرب على إيران، يضع المؤسسة العسكرية الأميركية أمام اختبار بالغ الحساسية. فالمسألة، كما عرضها التقرير، لم تعد مجرّد استخدام عابر لمفردات إيمانية، بل تحوّلت إلى نمط خطاب يقدّم الحرب بوصفها جزءاً من "خطة إلهية". بحسب ما ورد، تَقدّم أكثر من 200 عسكري بشكاوى رسمية إلى "مؤسسة الحرية الدينية العسكرية"، وهي منظّمة تُعنى بمراقبة الانتهاكات المُتعلقّة بحرية المعتقد داخل القوات المسلّحة. إحدى الشكاوى، الموقّعة من 15 عسكرياً من خلفيات دينية متنوعة (بينهم مسيحيون ومسلم ويهودي)، تحدّثت عن قادة استخدموا نصوصاً من سفر الرؤيا لتوصيف المواجهة مع إيران باعتبارها تمهيداً لـ"معركة هرمجدون". التقرير أشار كذلك إلى أنّ بعض القادة أخبروا جنودهم بأنّ الحرب تندرج ضمن "خطة الله"، وأنّ الرئيس الأميركي يؤدي دوراً "مختاراً" في هذا السياق. ونقل التقرير عن رئيس المؤسسة، ميكي وينستاين، تحذيره من "تغلغل نزعة مسيحية متطرفة" في بعض دوائر القيادة، مُعتبراً أنّ هذا النوع من الخطاب يمثّل خرقاً لمبدأ الفصل بين الدين والدولة الذي يحكم المؤسسة العسكرية الأميركية. هذه ليست ملاحظة نظرية، بل اتهام مباشر بأنّ جزءًا من التعبئة المعنوية للجنود يجري تأطيره بلغة لاهوتية تتجاوز الاعتبارات الدستورية والمهنية. نمط خطاب يقدّم الحرب بوصفها جزءاً من “خطة إلهية” هذا المناخ لا يمكن فصله عن اللغة السياسية الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سياق التصعيد مع إيران. ترامب دأب على توصيف الصراع بعبارات أخلاقية حادة، مُتحدّثاً عن مواجهة "قوى الشر" وواجب الولايات المتحدة في "حماية الحضارة". وفي أكثر من خطاب، أشار إلى أنّ بلاده "مباركة ومحروسة بعناية إلهية" وهي صياغات تكتسب بعدًا مختلفًا حين تتلاقى مع تأويلات دينية داخل وحدات عسكرية في حالة قتال. الإشكال الجوهري هنا ليس في إيمان شخصي لرئيس أو لضابط. إنّما في انتقال الخطاب الديني من المجال الرمزي إلى مستوى التبرير العملياتي. الجيش الأميركي، منذ ترسيخ عقيدته الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، بنى شرعيته على المهنية والحياد المؤسسي، وعلى خضوعه الصارم للقيادة المدنية ضمن إطار دستوري يفصل بوضوح بين العقيدة الخاصة والسياسة العامة. حين يُقال لجنود إنهم ينفذون "خطة إلهية"، فإنهم يُدفعون إلى تصوّر الصراع باعتباره قدريًا لا سياسيا، مطلقًا لا نسبيًا. هذا التحوّل يحمل مخاطر داخلية وخارجية. داخليًا، الجيش الأميركي مؤسسة متعدّدة الأديان والهُويّات، وعملية إدخال تفسير ديني مُحدّد في خطاب التعبئة قد تخلق شعورًا بالإقصاء أو الضغط المعنوي على من لا يتبنون ذلك الإطار العقائدي. كما يفتح الباب أمام مُساءلات قانونية ودستورية حول استخدام الدين في سياق رسمي. تديين الخطاب العسكري يهدّد صورة الولايات المتحدة قوة عقلانية تحكمها حسابات استراتيجية خارجياً، في المنطقة العربية تحديداً، ستكون التداعيات أكثر تعقيداً. أيّ انطباع بأنّ الحرب على إيران تُقدَّم داخل بعض الدوائر الأميركية بوصفها صراعاً ذا بعد لاهوتي سيُغذي سرديات "الحرب الحضارية" ويمنح خصوم واشنطن مادة دعائية قوية لتصوير النزاع كصدام ديني لا نزاع مصالح. وهذا من شأنه أن يضعف فرص التهدئة، ويحرج الحلفاء الإقليميين الذين يعتمدون على شراكات أمنية مع الولايات المتحدة. أما على مستوى النظام الدولي، فإنّ تديين الخطاب العسكري يهدّد صورة الولايات المتحدة قوّة عقلانية تحكمها حسابات استراتيجية. الحروب التي تُخاض باعتبارها معارك بين الخير والشر يصعب احتواؤها أو إنهاؤها بتسويات سياسية. والسياسة، بطبيعتها، تقوم على التفاوض وإدارة التوازنات، لا على اليقين العقائدي. تقرير يورونيوز لا يدّعي أنّ المؤسسة العسكرية الأميركية بأكملها تبنّت هذا النهج، لكنه يكشف عن ظاهرة تستحق التدقيق. وإذا لم تُعالج بوضوح وشفافية، فإنّها قد تتحوّل من انحراف خطابي إلى تحوّل بنيوي في تصوّر الحرب ذاتها. وعند هذه النقطة، لن يكون السؤال فقط عن إيران، بل عن طبيعة الدور الأميركي في العالم: هل هو دور قوّة دولة حديثة، أم دور فاعل يرى في الصراع امتداداً لسردية دينية كبرى؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية