لأنّ الصمت يشبه التواطؤ
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تحت سماء تعرف أسماء أطفالها واحداً واحداً، تسقط الصواريخ كأنّها امتحان قاسٍ لضمير العالم، وكأنّها سؤال فجّ يفرض نفسه على كلّ قلم وكلّ قلب. وحين تهتزّ النوافذ وترتجف الأمهات في أسرّة القلق، لا يعود الكلام زينةً ثقافية، ولا ترفاً لغوياً نتباهى به في الصالونات، وإنما يتحوّل إلى موقف أخلاقي واضح، وإلى شهادة يجب أنْ تُقال بملء الوعي والمسؤولية. المدن ليست خرائطَ معلّقةً على جدران العواصم، ولا نقاطاً في تقارير عسكرية باردة، وإنّما هي بيوت وذكريات وأصوات بائعين عند الفجر، وهي مدارس تفتح أبوابها على أحلام صغيرة، وهي مساجد ومدارس ووجوه طيّبة تمشي إلى أعمالها بثقة بسيطة في انتظام الحياة. وحين تمتدّ إليها يد القصف، فإنّ ما يُستهدَف ليس مبنى ولا شارعاً فحسب، وإنّما ذلك الإحساس العميق بالأمان الذي يحتاجه المرء كي يُحبّ ويعمل ويكتب ويخطّط لغده. ما يفعله النظام الإيراني عدوان صريح، وهذه عبارة أقولها بوعي كامل لمعناها، وبحرص كامل على التمييز بين نظام وشعب، فالشعوب، مهما اختلفت لغاتها وعقائدها، تشترك في هشاشتها الإنسانية وفي حاجتها إلى الاستقرار والكرامة، وهي تدفع غالباً أثمان قرارات لم تُستشر فيها. أمّا الأنظمة حين تختار القصف وسيلةَ خطاب، وحين تضع الصواريخ في مقام الحجّة، فإنها تتحمّل مسؤولية ما تخطّه بأيديها من جراح. نحن لا نخاصم شعباً، ولا نحمل في قلوبنا ضغينةً عمياء، فالكراهية لا تبني وطناً ولا تحرس حدوداً، وهي نار تأكل صاحبها قبل أنْ تبلغ خصمه. ونحن أبناء منطقة تعلّمنا فيها أنْ نقرأ التاريخ بعيون مفتوحة، وأنْ نعرف كيف تتحوّل الشعارات إلى ستائر تخفي مصالح ضيّقة، وكيف يُستدعى اسم المقاومة أحياناً ليبرّر انتهاك سيادة الآخرين. ومن حقّنا أنْ نسأل، ومن حقّنا أنْ نرفض، ومن حقّنا أن نعلن أنّ أرضنا ليست ساحة تصفية حسابات. الأمن ليس امتيازاً نطلبه من أحد، ولا هبة تُمنح في مواسم الرضا السياسي، وإنّما هو حقّ أصيل تكتبه الجغرافيا ويثبته الدم والعرق والعمل. وكرامة الأوطان لا تُوضع على طاولة المساومات الإقليمية، ولا تُختصر في بيانات مشحونة بالكلمات الكبيرة. الكرامة تُصان حين تُحترم الحدود، وحين يُصان حقّ الشعوب في أنْ تعيش من دون خوف دائم، ومن دون تهديد عابر للسماء. ولأنّنا نكتب من موقع إنساني قبل أيّ موقع آخر، فإننا نعرف أنّ الحرب تجرّ معها خراباً يتجاوز لحظة الانفجار، فهي تغيّر إيقاع الحياة وتزرع في القلوب قلقاً طويل الأمد، وهي تجعل الطفل يسأل أسئلةً أكبر من عمره، وتجعل الأمُّ تقيس المسافات بين الغرفة والملجأ بدل أن تقيسها بين البيت والمدرسة. وهذه كلفة أخلاقية لا يمكن أن تُخفى خلف أيّ خطاب تعبوي. ثمّ إنّ وضوح الموقف لا يعني القطيعة مع العقل، ولا يعني إغلاق باب الحوار حين يكون ممكناً، ولكنّه يعني أن الحوار لا يقوم تحت وابل النار. ومن يريد أنْ يتحدّث عن العدالة عليه أنْ يبدأ باحترام سيادة الآخرين، ومن يرفع راية الدفاع عن المظلومين عليه أن يتذكّر أن الظلم لا يتجزأ. أكتبُ لأنّ الصمت في مثل هذه اللحظات يُشبه التواطؤ، وأكتبُ لأنّ الكلمة إنْ خرجت من ضمير حي تصبح جزءاً من حماية المعنى. وأكتب لأنّ المرء حين يرى مدنَه مهدّدةً يعرف أنّ الحياد رفاهية لا يملكها. وبين الانفعال الأعمى والبرود القاسي مساحةٌ اسمها المسؤولية، وفيها نقف، نعلن رفضنا للعدوان، ونمدّ في الوقت نفسه يداً إلى كل صوت عاقل يريد أنْ يجنّب هذه المنطقة مزيداً من الخسارات. سنظلّ نميّز بين الشعوب وأنظمتها، وسنظلّ نؤمن بأنّ العلاقات بين الأمم يمكن أنْ تُبنى على الاحترام المتبادل، لا على استعراض القوة. وسنظلّ نردّد أنّ حقّنا في الأمان ثابت، وأن أرضنا ليست ورقةً في صراع الآخرين، وأنّ كرامتنا الوطنية جزء من كرامتنا الفردية. وحين نقول ذلك، فإنّنا لا نبحث عن تصفيق، وإنّما نحرس حقّاً بسيطاً وعميقاً: أنْ نعيش في أرضنا بطمأنينة، وأنْ نرى سماءنا مفتوحةً للغيم والمطر، لا للصواريخ.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية