عربي
أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، أمس الأربعاء، في بيان رسمي من قصر لا مونكلوا، مقر رئاسة الحكومة، في مدريد، رفضه القاطع لأي مشاركة أو دعم لمسار عسكري في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، رداً على تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أول من أمس الثلاثاء، خلال استقباله المستشار الألماني فريدريش ميرز في البيت الأبيض، بـ"قطع العلاقات التجارية مع إسبانيا". وقال سانشيز: "لن نكون شركاء في شيء يضرّ بالعالم، فقط بسبب الخوف من ردود أو تهديدات بعض الأطراف"، واضعاً هذا الموقف في سياق مبادئ إسبانيا في احترام القانون الدولي والسعي إلى حلّ النزاع عبر الدبلوماسية وليس باستخدام القوة. ولخّص سانشيز موقف إسبانيا في أربع كلمات قائلاً: "موقف إسبانيا ضد الحرب"، مضيفاً أن موقف حكومته "لا يمكن اختزاله في الخوف من العقوبات"، ومؤكداً أن إسبانيا ترفض "تكرار أخطاء الماضي التي أدت إلى كوارث إنسانية"، ومشيراً بصراحة إلى حرب العراق التي خلّفت مزيداً من العنف وعدم الاستقرار في المنطقة. وأشار رئيس الوزراء الإسباني إلى عدم إمكانية "حلّ المشكلات الدولية عبر القنابل والحروب، وأن الحل الحقيقي يكمن في الحلول السياسية والدبلوماسية".
أشار سانشيز إلى رفض بلاده القاطع للضربات الإيرانية على دول الجوار
وفي السياق نفسه، أشار سانشيز إلى "رفض بلاده القاطع للضربات الإيرانية على دول الجوار"، وأن هذه الحرب حتى الآن لا يمكن معرفة تبعاتها السياسية والإقليمية، مشدداً على أن "الحرب لا تجلب إلا الفوضى وعدم الاستقرار والعنف". وحمّل سانشيز في كلمته رسائل قوية تشير إلى أن بلاده لن تسمح باستخدام قواعدها العسكرية في روتا ومورّون لأغراض قتالية مرتبطة بالصراع، في خطوة التزمت بها الحكومة اليسارية في إسبانيا رغم الضغوط الخارجية. كما شدّد سانشيز على أن العلاقات التجارية بين إسبانيا والولايات المتحدة تُدار في إطار الاتحاد الأوروبي والقانون الدولي، وأن أي تغيير فيها يجب أن يتم وفق هذه الأطر وليس عبر تهديدات أحادية الجانب.
إسبانيا تعيد تعريف سياستها الخارجية
صحيح أن هذه التصريحات التي أدلى بها سانشيز تأتي في ظلّ سياق دولي متوتر ومتصاعد، خصوصاً بين إسبانيا والولايات المتحدة، على خلفية العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، لكنها في جوهرها تعكس مساراً متدرجاً في تفرد الموقف الإسباني أوروبياً، وإعادة تعريف السياسة الخارجية لإسبانيا منذ اندلاع الحرب على غزّة في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فمنذ ذلك الحين، برزت مدريد كأحد أكثر الأصوات الأوروبية وضوحاً في انتقاد العمليات العسكرية التي تُدار خارج إطار الشرعية الدولية، متجاوزةً الحذر التقليدي الذي طبع مواقف قوى أوروبية كبرى. ولم يقتصر هذا التمايز على الخطاب السياسي، إنما تُرجم إلى خطوات عملية متقدمة، كان أبرزها اعتراف إسبانيا الرسمي بدولة فلسطين، في خطوة وضعتها في طليعة الدول الأوروبية التي سعت إلى إعادة التوازن للموقف الدولي من الصراع. كما اقترن ذلك بمواقف أكثر صراحة في توصيف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، حيث لم تتردد الحكومة الإسبانية في إدانة الانتهاكات الجسيمة التي لا تزال ترتكبها إسرائيل والدفع داخل الأطر الأوروبية نحو مساءلة أكثر وضوحاً. وفي السياق ذاته، اتجهت مدريد إلى مراجعة طبيعة تعاونها مع إسرائيل، حيث جرى تعليق أو تقييد عدد من الاتفاقيات والصفقات ذات الطابع العسكري، في إشارة إلى أن الموقف السياسي بات ينعكس على مستوى السياسات التنفيذية.
بهذا المعنى، يمكن فهم الموقف الإسباني الحالي من التصعيد بسبب العدوان الأحادي، كما وصفته إسبانيا، على إيران، بوصفه امتداداً طبيعياً لهذا التفرد في المسار، حيث تجد إسبانيا نفسها اليوم أكثر انسجاماً مع ذاتها السياسية وهي ترفض الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع، وتعيد التأكيد على أولوية الحلول الدبلوماسية واحترام القانون الدولي. هذا المسار يعكس إدراكاً متنامياً داخل دوائر القرار الإسباني بأن كلفة الاصطفاف غير المشروط قد تكون مرتفعة سياسياً واقتصادياً، خصوصاً في ضوء تجارب سابقة ما تزال حاضرة في الذاكرة السياسية، وفي مقدمتها تداعيات حرب العراق، وهو ما أشار إليه رئيس الحكومة الإسبانية بأن غزو العراق جلب مزيداً من عدم الاستقرار والاقتتال إلى المنطقة، وأن طريق الحرب لا يقود إلى الديمقراطية. يذكر أنه خلال غزو العراق عام 2003، دعمت إسبانيا التي كان يرأس حكومتها حينذاك خوسيه ماريا أزنار الولايات المتحدة بقوة.
وكان الرئيس الأميركي قال للصحافيين، أثناء لقائه ميرز في البيت الأبيض أول من أمس، إن "إسبانيا كانت مريعة"، مشيراً أيضاً إلى رفض سانشيز زيادة الإنفاق الدفاعي للدول المنضوية في حلف شمال الأطلسي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى طالب به ترامب الذي يعتبر أن الولايات المتحدة تتحمّل عبئاً كبيراً. وقال ترامب: "سنوقف التجارة بأكملها مع إسبانيا، لا نريد أي علاقة مع إسبانيا"، مضيفاً أنه طلب من وزير الخزانة سكوت بيسنت "قطع جميع التعاملات مع إسبانيا". ولا يزال من غير الواضح ما هي الوسيلة التي سيلجأ إليها ترامب لإنهاء التجارة مع إسبانيا، بعدما ألغت المحكمة العليا استخدامه لصلاحيات الطوارئ لفرض رسوم جمركية تعسّفية. وأضاف: "بإمكاني غداً أو حتى اليوم، وقف كل ما له علاقة بإسبانيا، كل الأعمال التجارية. لدي الحق في أن أفعل ما أشاء بها".
وردّت الحكومة الإسبانية بأن لديها علاقة تجارية "متبادلة المنفعة" مع الولايات المتحدة ودول أخرى، مضيفة أنه "إذا رغبت الإدارة الأميركية في مراجعة هذه العلاقة، فعليها أن تفعل ذلك مع احترام استقلالية الشركات الخاصة والقانون الدولي والاتفاقيات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة". وأضافت: "بلادنا لديها الموارد اللازمة لاحتواء الآثار المحتملة ومساعدة القطاعات التي قد تتأثر وتنويع سلاسل التوريد".
على الصعيد الأوروبي، يعكس الموقف الإسباني أيضاً تفرداً داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تسعى إسبانيا إلى إعادة توجيه البوصلة من المقاربة الأمنية الصرفة نحو مقاربة سياسية - دبلوماسية. فمدريد لم تكتف بالتعبير عن تحفظها إزاء التصعيد، بل حاولت خلال اجتماعات وزراء الخارجية الأوروبيين الدفع نحو صياغات أكثر صرامة في إدانة العمليات العسكرية الأحادية، في مقابل توجه دول أخرى إلى تبني لغة أكثر حذراً أو ميلاً إلى التبرير.
تحاول مدريد الدفع نحو صياغات أكثر صرامة في إدانة العمليات العسكرية الأحادية
هذا التباين برز أيضاً في مقاربة إسبانيا لدور حلف شمال الأطلسي، حيث أبدت الحكومة الإسبانية تحفظاً واضحاً على الدعوات المتزايدة لرفع الإنفاق العسكري وتوسيع الانخراط العملياتي في بؤر التوتر. فبينما تدفع بعض الدول الأوروبية نحو تعزيز البعد العسكري للحلف كأولوية استراتيجية، تميل مدريد إلى التشديد على أن الأمن الأوروبي لا يمكن اختزاله في الأدوات العسكرية فقط، بل يجب أن يستند أيضاً إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي في الجوار الإقليمي. وفي هذا السياق، تبرز إسبانيا كدولة تحاول إعادة التوازن داخل النقاش الأوروبي، من خلال رفض الانجرار الكامل وراء منطق "العسكرة المتزايدة"، والدعوة إلى إبقاء قنوات التهدئة مفتوحة، سواء في الشرق الأوسط أو في ملفات دولية أخرى. كما يرتبط هذا الموقف المتفرد الإسباني برؤية أوسع لدور أوروبا في العالم، حيث تدفع مدريد باتجاه أن يكون الاتحاد فاعلاً سياسياً واقتصادياً مستقلاً، لا مجرد امتداد للسياسات الأميركية، وتوجه الاتحاد الأوروبي نحو أسيا يأتي ضمن هذا الدور الذي تلعبه إسبانيا.
وأعربت المفوضية الأوروبية عن استعدادها للدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي بعد تهديد ترامب. وقال المتحدث باسم المفوضية أولوف غيل، في بيان: "نتضامن بشكل كامل مع جميع الدول الأعضاء وجميع المواطنين ونحن على استعداد، عبر سياستنا التجارية المشتركة، لحماية مصالح الاتحاد الأوروبي".
علماً أن حكومة سانشير أعربت أيضاً عن امتعاضها من موقف ميرز من المسألة، خلال لقائه ترامب، إذ اكتفى الأخير بالتعليق أن على إسبانيا زيادة إنفاقها الدفاعي، وبدا بصمته وكأنه متوافق مع تهديدات ترامب. وتحدثت وسائل إعلام غربية عدة، أمس، عن سياسة ميرز التي تقوم على عدم معارضة الرئيس الأميركي أبداً أمام الكاميرات. وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، أمس، إن مدريد أوصلت لبرلين "شعورها بالمفاجأة" من تصريحات ميرز، مضيفاً أنه "عندما نتشارك العملة ذاتها، وسياسية تجارية موحدة، وسوقاً مشتركة، فإننا نتوقع ذات التضامن الذي أبدته إسبانيا مثلاً بقضية غرينلاند". وتابع: "منذ أن كنت في الحكومة، كان لدينا 3 مستشارين ألمان: أنجيلا ميركل، وأولاف شولتز، وميرز اليوم. لا أستطيع أتخايل ميركل أو شولتز يدليان بمثل هذه التعليقات. لقد كانت هناك روح أوروبية في ذلك الوقت". علماً أن ترامب لم يوفر ميركل أيضاً من تعليقاته أول من أمس، حيث قال إنه كانت لديه "خلافات" معها، قائلاً: "لقد أخبرتها حينها: إنك تضرّين ببلدك بسبب سياسة الهجرة، وتضرّين ببلدك بسبب سياسة الطاقة"، واصفاً ميرز بأنه "قائد ممتاز".
داخلياً، يصطدم هذا التفرد لمواقف حكومة سانشيز بقوى اليمين واليمين المتطرف المعارضة للحكومة الإسبانية وقد اتخذ هذا الرفض طابعاً أكثر حدة واستقطاباً، حيث تقود قوى اليمين، وعلى رأسها ألبرتو نونيز فيخو، إلى جانب حزب فوكس، جبهة معارضة صريحة لسياسات الحكومة. فقد عارضت هذه القوى مواقف مدريد منذ حرب الإبادة على غزة، واعتبرتها خروجاً عن الإجماع الغربي، قبل أن تصعّد انتقاداتها مع موقف إسبانيا من إيران، متهمة الحكومة بإضعاف موقع البلاد الدولي والمخاطرة بعلاقاتها الاستراتيجية. ويكشف هذا التلاقي بين الضغط الخارجي والمعارضة الداخلية أن الرهان الذي تخوضه حكومة سانشيز لا يقتصر على إعادة تموضع دولي، إنما يمتد ليصبح جزءاً من صراع سياسي داخلي حول هوية إسبانيا ودورها: بين من يدفع نحو استقلالية القرار، ومن يرى في ذلك مجازفة بكلفة جيوسياسية مرتفعة.
