عربي
تتصدر مدينة أربيل مدن العراق الأكثر تعرضاً للهجمات، من جهتي الداخل عبر الفصائل المسلحة التي تتبنى قصف منشآت ومصالح أميركية، ومن جهة الهجمات التي تنفذها إيران على المواقع ذاتها، ما جعلها في قلب مشهد أمني بالغ التعقيد. ومنذ بدء الحرب السبت الماضي، شهدت أربيل وضواحيها أكثر من 100 هجوم عبر الصواريخ الموجهة أو الطائرات المسيّرة، واستهدفت بشكل رئيسي محيط قاعدة حرير ومطار أربيل الدولي، فضلاً عن مقار أحزاب كردية معارضة لطهران.
وأعلن محافظ أربيل أوميد خوشناو أن عدد الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على المدينة تجاوز 100 هجوم حتى أمس الأربعاء، في وقت ما تزال فيه الهجمات مستمرة، محمّلاً حكومة بغداد المسؤولية الكاملة عن ذلك. وقال خوشناو إن "الهجمات التي تنطلق من مناطق مختلفة داخل العراق، وتنفذها جماعات خارجة عن القانون، تقع مسؤوليتها على عاتق بغداد، باعتبار أن المجال الجوي والحدود العراقية يخضعان لسيطرتها"، مضيفاً أن "الإقليم صامد ولم يرد على تلك الهجمات"، لكنه حذر من أنه "إذا لم تتخذ الحكومة العراقية أي إجراء، فسنضطر إلى حماية أرض وشعب كردستان". وأشار المحافظ إلى أن "بقايا الصواريخ والطائرات المسيّرة التي سقطت في عدة مواقع تسببت بأضرار للمدنيين، من دون صدور قرارات لتعويضهم"، مؤكداً أن "بغداد تتحمل مسؤولية حماية أرض وسماء العراق وتعويض المتضررين".
هجمات من الداخل... وأخرى من الخارج
على الجبهة الداخلية، أعلن فصيل "سرايا أولياء الدم" مرات عدة تنفيذ هجمات بسرب من الطائرات المسيّرة ضد ما وصفه بـ"الوجود الأميركي" في قاعدة ضمن مطار أربيل، معتبراً ذلك "التزاماً بالتكليف الشرعي" و"قصاصاً" لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، بحسب بيانات متداولة. في المقابل، تنفذ إيران ضربات مباشرة داخل أراضي الإقليم، وتحديداً أربيل، بذريعة استهداف مقار جماعات كردية معارضة، وهو ما وضع المحافظة بين نارين: فصائل عراقية تتحرك بدوافع مرتبطة بالحرب الإقليمية، وضربات خارجية تقول إنها تستهدف تهديدات أمنية عابرة للحدود. وتظهر مقاطع مصورة ينشرها مواطنون ووسائل إعلام محلية على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لانفجارات في محيط المطار وقاعدة حرير، فضلاً عن أضرار في منازل وكنائس وسيارات وشوارع سكنية وأسواق وغيرها.
وقال مواطن من أربيل يدعى رزكار حسن إن "كثافة الهجمات اليومية جعلتنا نعيش أجواء حرب حقيقية"، مضيفاً لـ"العربي الجديد" أن "أصوات الانفجارات باتت متكررة ليلاً ونهاراً". فيما تحدث ناشط مدني عن "حالة رعب عامة" بين السكان، خصوصاً في المناطق القريبة من المواقع المستهدفة. وقال الناشط الكردي كاوه الجاف لـ"العربي الجديد": "سجلت أضرار كبيرة في ممتلكات مدنية، إضافة إلى إصابات بين السكان"، مطالباً الحكومة في بغداد بوضع حد لما وصفه بـ"الخلل الأمني الخطير"، وتحمل مسؤولياتها الدستورية في حماية جميع المحافظات.
رسائل سياسية وتحذيرات
وكان رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني قد وجّه رسالة إلى بغداد دعا فيها إلى وقف الهجمات على أربيل، مؤكداً أن الإقليم "لا يمكنه السكوت عن هذه الأعمال"، في إشارة إلى تصاعد الضغوط السياسية بالتوازي مع التوتر الأمني.
ويرى ناشطون أن ما يجري في أربيل "يعكس هشاشة التوازن الداخلي في العراق، في ظل صراع إقليمي مفتوح تتداخل فيه الحسابات المحلية والدولية". فالمحافظة التي تعد بوابة اقتصادية وسياسية لإقليم كردستان تحولت إلى ساحة رسائل متبادلة، ما يضع حكومة بغداد أمام اختبار صعب بين ضبط الفصائل المسلحة ومنع تحول أراضي البلاد إلى منصة صراع إقليمي. وفي ظل استمرار الهجمات، تبقى أربيل مؤشراً على حجم المخاطر التي قد يواجهها العراق إذا ما اتسعت رقعة المواجهة، وسط دعوات متصاعدة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع.
