عربي
واصلت الضربات الإيرانية المضادة للهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية تشكيل تهديد مباشر للبنية اللوجستية والطاقية في دول الخليج العربية في اليوم السادس للحرب، ما دفع أسعار النفط نحو مستويات حرجة وأعاد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية بكلفة اقتصادية تصل إلى عشرات المليارات يومياً.
وتمثلت أبرز هذه الصدمات في اشتعال حريق كبير في خزانات تخزين النفط بميناء الفجيرة الإماراتي، نتيجة شظايا طائرة مسيرة اعترضتها الدفاعات الجوية، ما أدى إلى إيقاف فوري لعمليات التزود بالوقود والتخزين في أحد أهم مراكز الشحن البديل عن مضيق هرمز، المغلق جراء الحرب، ورفع كلف التأمين البحري بنسبة تصل إلى 5 أضعاف، في دلالة واضحة على أن الإمارات، التي تعتمد على الفجيرة لنقل 10% من صادرات النفط العالمية، تواجه الآن اضطراباً في تدفقات الإيرادات والاستثمارات اللوجستية قدرت خسائرها الأولية بمليارات الدولارات، بحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبيرغ".
وفي سلطنة عمان، تعرض ميناء الدقم لهجوم بطائرة مسيرة أصابت خزان وقود، وميناء صلالة لمحاولات استهداف أُسقطت معظمها، ما أثار استنفاراً أمنياً وأبطأ حركة الشحن في موانئ تعول عليها مسقط لتحقيق 30% من إيراداتها غير النفطية، حيث تراجعت حركة العبور عبر بحر العرب بنسبة ملحوظة وزادت علاوات التأمين، محولة فرصة إعادة التوجيه عن هرمز إلى عبء اقتصادي يهدد نمو القطاع اللوجستي بنسبة 5-7% في الربع الحالي، بحسب تقرير نشرته منصة "سي تريد ماريتايم نيوز Seatrade Maritime New"، المعنية بشؤون الموانئ والشحن.
وامتد التأثير إلى قطر مع إصابات في منشآت رأس لفان للغاز المسال أدت إلى وقف إنتاج مؤقت يقلل صادراتها بنحو 20%، والبحرين التي تأثرت قواعدها الأميركية ما رفع كلف الدفاع والاستيراد، والكويت التي سجلت اضطراباً في منشآتها النفطية يضغط على ميزانيتها المعتمدة على النفط بنسبة 90%، والسعودية التي واجهت ضربات على موانئها الشرقية مع ارتفاع تكاليف الحماية، في سياق عام شهد قفزة سعر برنت إلى أكثر من 80 دولاراً للبرميل.
وإزاء تطورات كهذه، تواجه دول الخليج معادلة اقتصادية معقدة، تتمثل في مكاسب سعرية قصيرة الأجل مقابل خسائر طويلة في الاستثمارات والسياحة والتجارة، مع تقديرات تشير إلى دفع الأسعار نحو 100 دولار إذا استمر إغلاق مضيق هرمز، ما يفرض على العواصم الخليجية إعادة ترتيب أولوياتها بين الإنفاق الدفاعي والحفاظ على تدفقات الطاقة ركيزةً للاستقرار المالي، بحسب تحليل نشرته مجلة "تايم" الأميركية.
كسر حاجز الطمأنينة
في هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي، عبد الله الخاطر، أن الأثر الأكبر لتطورات الحرب لا يزال تحت السيطرة، فرغم التوقعات بردات فعل عنيفة في أسواق الطاقة، أظهرت الأسواق مؤخراً قدرة غير مسبوقة على الصمود وعقلانية في التعامل لم تُشهد في أزمات سابقة كأحداث باب المندب سابقاً، ما يعكس وعي صناع القرار بأن الحروب تُخاض لأهداف استراتيجية واقتصادية محددة وليس عبثاً، بحسب إفادته لـ "العربي الجديد".
غير أن التصعيد الحالي كسر حاجز الطمأنينة بالأسواق، بحسب الخاطر، نظراً إلى قرب ساحات القتال من منابع الطاقة وعدم وجود مسار بديل لمضيق هرمز كما هو الحال مع طريق رأس الرجاء الصالح.
وتقع الإدارة الأميركية في قلب هذه العاصفة بسبب حساسيتها المفرطة تجاه أسعار النفط ومعدلات التضخم، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وأجور الطواقم إلى ضخ ضغوط تضخمية جديدة قد تعطل خطط خفض الفائدة وتهدد بدفع الاقتصاد العالمي نحو الركود، خاصة إذا استمر الإغلاق لأكثر من أسبوعين أو ثلاثة متجاوزاً سعة المخزون الاستراتيجي الخليجي، وهو السيناريو الذي يحذر منه الخاطر، مشيراً إلى أن تكلفة رأس المال المرتفعة ستدفع المستثمرين إلى تأجيل أو إلغاء مشاريع حيوية.
وتتفاوت درجة التأثر بين الدول، حيث تبرز الصين بوصفها أكثر المتضررين لاعتمادها الكبير على طاقة المنطقة، رغم أن علاقاتها الجيوسياسية مع إيران وروسيا قد تمنحها ممرات استثنائية، بينما تواجه دول الخليج تحديات في قطاعات حيوية كالسياحة والضيافة نتيجة إغلاق الأجواء وتوقف الرحلات الجوية التي كانت تدعم سيولة القطاع، إلا أن تنوع اقتصاداتها وجهود دعم قطاع الأعمال والصناديق السيادية تمنحها مرونة عالية لامتصاص الصدمة، بحسب تقدير الخاطر، الذي يستشهد بتجارب سابقة كحصار قطر وجائحة كورونا وكأس العالم، وهي التجارب التي "عززت مناعة الاقتصاد الخليجي" بحسب تعبيره.
ويخلص الخاطر إلى أن العامل الحاسم يبقى هو المدة الزمنية للأزمة؛ فكلما طالت فترة الحرب زادت الضغوط على الجميع من دون رابح حقيقي، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى إعادة رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم في ضربة قاصمة للنمو العالمي، غير أن التاريخ أثبت قدرة اقتصادات المنطقة على التكيف والصمود رغم الثمن الباهظ.
صدمة هيكلية للخليج
في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي، بكري الجاك، لـ "العربي الجديد"، أن الأحداث الراهنة في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط تمثل "صدمة هيكلية" لدول مجلس التعاون ستخلف تأثيراً بالغاً على أسعار الطاقة، حيث قفزت الأسعار فعلياً من 63 إلى نحو 83 دولاراً للبرميل، مع توقعات ببلوغ حاجز 100 دولار إذا ما استمرت الحرب لأسابيع إضافية.
وتتجاوز المشكلة مجرد ارتفاع تكاليف التأمين على السفن أو تعقيدات الملاحة في مضيق هرمز، لتمس جوهر الإنتاج نفسه بتعطل بعض المنشآت النفطية والمحطات المنتجة في أبوظبي وقطر نتيجة الضربات المباشرة، ما يخلق حالة من الركود أو التراجع في النمو الاقتصادي العالمي، ويؤثر سلباً على معدلات التنمية في الدول المستوردة للطاقة وفي مقدمتها الاقتصادات الكبرى مثل الهند والصين التي تعتمد اعتماداً شبه كلي على الغاز والنفط الخارجيين، كما يوضح الجاك في تحليله لسلاسل الإمداد المتضررة.
وأما ما يخص دول الخليج، فإن التأثير يتخطى الموازنات العامة ليمس الاستقرار اليومي والحياة المدنية، بحسب الجاك، موضحاً أن استمرار التصعيد يضرب قطاع السياحة والخدمات في ذروة مواسمه، ما يدفع دول الخليج إلى الدخول في مرحلة "اقتصاد الطوارئ" وامتصاص الصدمات بدلاً من التركيز على خطط النمو التقليدية، مشيراً إلى أن تعطيل الحياة اليومية أصبح جزءاً من المعادلة الاقتصادية في ظل الحالة الحربية.
ويكتسب هذا الاضطراب خطورة مضاعفة، بحسب ما يرى الجاك، نظراً إلى أن نفط المنطقة وغازها يمثلان نسبة كبيرة من المعروض العالمي الفعلي، خاصة في ظل مشكلات الإنتاج في فنزويلا ونيجيريا واستمرار العقوبات على روسيا، ما يجعل أي شلل في الخليج كارثة عالمية طويلة المدى.
ويخلص الجاك إلى أن التحدي الأكبر يكمن في "عدم اليقين" وغياب الإجابة الواضحة حول مدة الحرب، وهو ما يزرع حالة من الرعب في الأسواق التي تكره الغموض وتعجز عن التنبؤ بالمستقبل، مرجحاً استمرار الهزة الاقتصادية الخليجية ما دام مصير الصراع ومدة استمراره مجهولين.
يشار إلى أن تقريراً نشرته صحيفة الغارديان رصد تحولاً في سلوك شركات التأمين والشحن، إذ بدأ عدد من أكبر الشركات الكبرى فعلياً بإلغاء تغطية مخاطر الحرب للسفن المتجهة إلى الخليج وممرات هرمز وخليج عمان، مع تحديد 5 مارس/ آذار تاريخَ سريان لقرارات وقف التغطية، ما يدفع ملاك الناقلات وشركات التجارة إلى تجميد رحلات جديدة أو إعادة تسعيرها بعلاوات حادة، ويزيد من تكدس الناقلات قبالة سواحل الإمارات، خصوصاً قبالة ميناء الفجيرة.
ويفاقم ذلك من أزمة الميناء بعد حريقه، ما يعني أن المخاطر لم تعد "قسط تأمين أعلى" فقط، بل تهديد فعلي لقدرة موانئ مثل الفجيرة وجبل علي ورأس لفان على الحفاظ على تدفقات مستقرة في الأيام المقبلة، بحسب تقرير الصحيفة البريطانية.
كما تقدر مؤسسات بحثية متخصصة في نمذجة الاقتصاد الكلي سيناريو بأن تعطيل صادرات إيران وعرقلة جزء من صادرات الخليج قد يضيف "علاوة حرب دائمة" على أسعار النفط، بما يرفع متوسط الأسعار السنوي ويدفع إلى إعادة رسم موازنات دول الخليج على أساس افتراضات أكثر تقلباً في الإيرادات، مع ارتفاع احتمال أن تمتد العدوى إلى قطاعات غير نفطية كالسياحة والخدمات اللوجستية نتيجة تزايد الانطباع العالمي بأن المنطقة دخلت مرحلة مخاطر هيكلية وليست عابرة، بحسب تقرير نشره معهد "أوكسفورد إيكونوميكس".
