نفط الخليج تحت الحصار... سيناريو الحرب الاقتصادية
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
تحول قطاع الطاقة في السعودية وقطر وباقي الدول الخليجية، في اليوم الخامس من الحرب على إيران، من مسرح ثانوي إلى ساحة رئيسية متقدمة في دائرة الضغط الاقتصادي الإقليمي، بعد أن ضربت الصواريخ والطائرات المُسيرة البنية الغازية والنفطية المحورية في البلدين، ما أدى إلى تقلبات سريعة في الأسواق المالية وأسعار الطاقة العالمية. ففي قطر، أعلنت شركة قطر للطاقة، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وقف إنتاج الغاز المسال بشكل كامل بعد استهداف صواريخ وطائرات مُسيرة للمواقع في مدينتي راس لافان ومسيعيد الصناعيتين، ما أدى إلى توقف جميع خطوط الإنتاج والمنتجات المرتبطة بها. وفي السعودية، أضافت الضربات على البنية النفطية، والوقف المؤقت لوحدات في مصفاة راس تنورة بعد حوادث مرتبطة بصواريخ أو طائرات مُسيرة إيرانية، مزيداً من الضغوط على سلسلة التوريد النفطي، خاصة بعدما أفادت وكالة الأنباء العمانية في مطلع مارس/ آذار الجاري بأن خزان وقود واحداً على الأقل في ميناء الدقم التجاري تعرض لضربات من طائرتين مسيرتين، ما يعكس استمرار استهداف البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية في سلطنة عُمان ضمن موجة الهجمات الإقليمية الراهنة. وتشير تقديرات حديثة إلى أن توقف الإنتاج في بعض الوحدات يرفع مخاطر استمرار الاضطراب في الأسعار، ويزيد من احتمالات تأثير طويل الأمد على عقود التصدير والعقود الآجلة للنفط والغاز، خاصة في ظل تحول السعودية وقطر من مصدرين رئيسيين إلى مسرح أخطار جيوسياسية مباشرة. ويعزز من هذا التقدير تصاعد حدة الاتهامات المتبادلة مع تواصل الحرب، إذ أعلنت طهران، أول من أمس، أن إسرائيل هي التي تقف خلف استهداف منشآت حيوية في قطاع الطاقة الخليجي، متهمة إياها بالمسؤولية عن ضرب مرافق تابعة لشركة أرامكو السعودية، في خطوة قالت إنها تهدف إلى توسيع رقعة الضغط الاقتصادي وجر المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تمس أسواق النفط العالمية، حسبما نقلت وكالة تسنيم الإيرانية. وأوضح مصدر لوكالة تسنيم، الاثنين، أن إيران أعلنت، من دون أي تهاون، أنها ستضع جميع المصالح والمنشآت والإمكانات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة تحت نيرانها، وقد استهدفت بالفعل عدداً كبيراً منها حتى الآن، إلا أن منشآت أرامكو لم تكن ضمن الأهداف الإيرانية حتى هذه اللحظة. وفي ظل تصاعد الصراع واستهداف مرافق طاقة قطرية، سجلت السوق المالية في الدوحة تراجعاً كبيراً طوال أيام الحرب، مع انخفاض مؤشر السوق بنسبة أكثر من 4%، أول من أمس، بقيادة قطاعات البنوك والشحن والنقل اللوجستي كما واصلت الانخفاض أمس الثلاثاء بنسبة 0.67%، في وقت علقت فيه الإمارات تداولات أسواقها، ما عزز تصورات القلق في منطقة الخليج، بحسب محللي اقتصاد. فيما يشير تقدير نشره مركز دراسات الخليج للأبحاث الاقتصادية (GRC) إلى أن توقف الإنتاج الغازي في قطر وتهديد البنية النفطية في السعودية يزيدان من كلفة التأمين على البنية التحتية للطاقة، ويدفعان الحكومات إلى تحويل أجزاء من الموارد المالية إلى نفقات الدفاع والأمن، على حساب مشاريع التحول الاقتصادي والتنويع، ما يهدد بتخفيف الزخم على برنامج التحول الاقتصادي في البلدين إذا استمر الضغط العسكري. وبات النفط والغاز الخليجي محاصراً وسط استهداف المنشآت بالإضافة إلى الإغلاق الكامل لمضيق هرمز من جانب طهران. وكان الحرس الثوري أعلن، أول من أمس، إغلاق مضيق هرمز وأن إيران ستحرق أي سفينة تحاول عبوره. وأكد مستشار القائد العام للحرس الثوري الإيراني العميد إبراهيم جباري، في حديث مع التلفزيون الإيراني، أن "مضيق هرمز أغلق"، متوعداً أي ناقلة نفط تحاول العبور منه باستهدافها من قبل البحرية الإيرانية ومن الجيش والحرس الثوري. وفي المقابل، نقلت قناة "فوكس نيوز"، الاثنين، عن القيادة المركزية الأميركية قولها إن مضيق هرمز ليس مغلقاً على عكس تصريحات المسؤولين الإيرانيين. صدمة فورية خليجياً وعالمياً وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير الاقتصادي، منير راشد، لـ"العربي الجديد"، أن الإغلاق المؤقت لمضيق هرمز أدى إلى صدمة فورية خليجياً وعالمياً، حيث يتقلص عرض النفط الخام بنسبة تقارب 25%، ما يدفع الأسعار للارتفاع بنفس النسبة، في ظل عدم توفر بدائل سريعة لسد هذا العجز، وينطبق الأمر ذاته على غاز البترول المسال الذي تشكل المنطقة نحو ربع إنتاجه العالمي. غير أن التقديرات على المدى الأبعد تتوقف على مسار الأحداث والتطورات الداخلية في إيران، حسبما يرى راشد. وعلى صعيد الأسواق المالية، قد تمثل نهاية التوتر الإقليمي انعكاساً إيجابياً، خاصة إذا ما تمخض الحل عن مكاسب لدول الخليج، حيث سيوفر ذلك سوقاً اقتصادية واسعة ومهمة تسمح بتحويل مسارات الإنفاق من السباق العسكري السائد إلى الاستثمار في الاقتصاد لأغراض سلمية، رغم زيادة المنافسة المتوقعة في قطاع الطاقة، وهو التقدير الذي يرجّحه راشد كخريطة طريق للاستفادة من تداعيات الأزمة. ورغم أن افتراض حل إيجابي للتصعيد صعب حالياً، إلا أن راشد يستشهد بدروس التاريخ التي تشير إلى قدرة الدول على التغيير عبر "الجيل الصاعد" فيها، الذي قاد تحولات كبرى في السعودية ودول خليجية أخرى، ما يجعل هذه الدول قادرة على امتصاص صدمات الطاقة وعجز الإيرادات التي ستنشأ عن تعطل الإنتاج والتصدير خلال فترة الحرب. وتعتمد اقتصادات دول الخليج على النفط والغاز كمصدر أساسي للدخل. وتشير البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى أن إنتاج دول المجلس من النفط الخام بلغ في عام 2023 نحو 17 مليون برميل يوميّاً، وهو ما يمثل ما نسبته 23.2% من إجمالي الإنتاج العالمي للنفط الخام رغم انخفاض إنتاج النفط الخام في عام 2023 بنسبة 6.8% مقارنة بعام 2022. وفي بيان لمجلس التعاون الخليجي، مطلع مارس/ آذار الجاري، أشار الأمين العام، جاسم محمد البديوي، إلى أن الاعتداءات الإيرانية على موانئ وسفن في الخليج تُنذر بتعطيل مسار النفط والغاز، ما يرفع تكاليف الشحن وتأمين الناقلات ويؤثر على التوازنات المالية في الدول الخليجية التي لا تزال تعتمد نسباً كبيرة من ميزانيتها على عائدات الهيدروكربونات. مخاوف الحرب الطويلة في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، محمد الناير، لـ"العربي الجديد"، إلى أن الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما تلاه من رد إيراني استهدف المصالح والقواعد الأميركية في دول الخليج، يرشح لدخول الاقتصاد العالمي والخليجي في دوامة أزمات، نظراً للدور الحيوي لمضيق هرمز الذي يمر عبره ما بين 20% و25% من تجارة النفط العالمية ونحو 20% من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل أي تعطيل له كارثة لا تمس منطقة الخليج فحسب بل تهز أركان الاقتصاد العالمي بأسره. ويوضح الناير أن التداعيات بدأت تظهر فوراً بارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة 50% مع بدايات الحرب، وسط توقعات بقفزة كبيرة في أسعار النفط قد تتجاوز حاجز الـ100 دولار للبرميل، غير أن حجم التداعيات النهائي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمدة الزمنية للصراع؛ فإذا ما انتهت الحرب في المدى القصير (أسابيع قليلة)، يمكن احتواء التعقيدات وإعادة ترتيب الأوضاع الاقتصادية بسرعة، أما إذا امتدت لشهور أو لعام كامل، فإن العالم والخليج سيقفان أمام أزمة اقتصادية غير مسبوقة. ويتفاقم الخطر، بحسب الناير، مع استهداف منشآت النفط السعودية (التي تضخ أكثر من 10 ملايين برميل يومياً) ومنشآت الغاز القطرية، وهي سلع استراتيجية حيوية يؤدي انقطاعها إلى صدمات سعرية هائلة، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل البحري بشكل غير مسبوق. غير أن الضرر لا ينحصر في القطاع البحري والطاقي، بحسب الناير، بل يمتد ليشمل قطاع الطيران، بتوقف الحركة في عدد كبير من المطارات، ما يجبر المسافرين على اللجوء لوسائل نقل برية أكثر تعقيداً وتكلفة وأطول زمناً، وتتركز الآثار الأكثر حدة في البداية على الدول المحيطة بمسرح العمليات (إيران والخليج)، قبل أن تنتقل العدوى تدريجياً وبدرجات متفاوتة إلى الاقتصاد الإقليمي ثم العالمي بأكمله. ورغم الأمل في انتهاء سريع للحرب لتجنب هذه السيناريوهات الكارثية، فإن الناير يرى أن المؤشرات والدلائل الحالية المستمدة من التصرفات الأميركية والإسرائيلية لا توحي بانحصار الصراع أو نهايته الوشيكة، بل تشير إلى احتمال امتداده لأشهر وربما لعام أو أكثر، ما يضع اقتصاد العالم والمنطقة على شفا جرف هارٍ.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية