عربي
تتزايد التحذيرات الاقتصادية من موجة تضخمية جديدة مع اتّساع نطاق الحرب في المنطقة، وسط ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية. وقال محللون وتقارير صادرة عن مؤسّسات مالية كبرى، إنّ استمرار الحرب واتساع نطاقها قد يترجم سريعاً إلى ضغوط مباشرة على تكاليف المعيشة عالمياً، مع تعقيد إضافي أمام البنوك المركزية التي كانت تأمل في طي صفحة التضخم المرتفع بعد عامين من التشديد النقدي. وتوسعت الحرب، أمس الاثنين، إذ هاجمت إسرائيل لبنان وردت إيران بشنّ ضربات على البنية التحتية للطاقة في دول بالخليج وعلى ناقلات نفط في مضيق هرمز.
وقال كومرتس بنك في مذكرة، اليوم الثلاثاء، إنه من المرجح أن يتجاوز سعر النفط 100 دولار للبرميل إذا جرى إغلاق مضيق هرمز بالكامل وانخفضت الإمدادات بنسبة 20% نتيجة لذلك. وأضاف البنك أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يؤدي إلى مشاكل في الإمدادات واختناقات في الألمنيوم وتداعيات على الأسعار، وفق رويترز. وفي الولايات المتحدة، قادت المخاوف التضخمية موجة بيع في العقود الآجلة للأسهم، إذ تراجعت مؤشرات وول ستريت مع إعادة تسعير توقعات الفائدة. وأشار الرئيس التنفيذي لـ"جي بي مورغان"، جيمي ديمون، إلى أن التضخم قد يتحول إلى مفاجأة غير مرحب بها إذا استمر ارتفاع أسعار الطاقة، مؤكداً أن استمرار الصراع لفترة طويلة سيغيّر الحسابات الاقتصادية، حتى وإن كان الأثر الأولي محدوداً. وتزامن ذلك مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة، في إشارة إلى أنّ الأسواق بدأت تستبعد خفضاً وشيكاً للفائدة.
توقعات قاتمة
وفي أوروبا، حذر اقتصاديون من أن أي ارتفاع إضافي في أسعار النفط سيترجم سريعاً إلى أسعار المستهلكين، نظراً لأنّ تجار الوقود ينقلون التكاليف خلال أيام قليلة، بحسب وكالة "بلومبيرغ" الأميركية. ويقدر "جيه بي مورغان" أن زيادة بنسبة 10% في أسعار خام برنت محسوبة باليورو سترفع التضخم الرئيسي بمقدار 0.11 نقطة مئوية خلال ثلاثة أشهر. ما يعني أن التحركات الأخيرة قد ترفع المؤشر بنحو 0.2 % إذا استقرت الأسعار عند مستوياتها الحالية. وقال الاقتصادي في بنك "آي إن جي": "إذا استمر الصراع لبضعة أسابيع، فتوقعوا عودة التضخم إلى نطاق منتصف 2%"، وأضاف، وفق رويترز: "لكن إذا استمر اضطراب كبير في إمدادات الطاقة لفترة أطول، فإنّ التأثير سيكون أكبر، ما يعني عودة حالة عدم اليقين بشأن آفاق التضخم".
ونقلت صحيفة "ذي غارديان" عن جوناثان ماكمنامين، رئيس توقعات الاقتصاد في بنك الاستثمار بارينجوي، اليوم الثلاثاء، قوله إنّ ارتفاع أسعار النفط سيكون له الأثر الأكثر مباشرة على النشاط الاقتصادي الحقيقي، وأضاف: "عادة ما يكون ذلك ركوداً تضخمياً. فهو يرفع التضخم مباشرة عبر ارتفاع أسعار الوقود في المضخات، لكنه قد يمتد إلى أسعار أوسع. وفي الوقت نفسه، يميل إلى خفض النمو عبر تقليص قدرة الناس على الإنفاق". وفي آسيا والمحيط الهادئ وبعض دول المنطقة، تبدو المخاطر أكثر حدة نظراً لاعتماد دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وتركيا على استيراد أكثر من 80% من احتياجاتها من الطاقة، وأكد محللون أن ارتفاع أسعار النفط يمثل خسارة في الدخل القومي لهذه الاقتصادات إذا طال أمده، مع احتمال عودة الضغوط السياسية المرتبطة بتكاليف المعيشة.
كما حذروا من أنّ أي تعطيل ممتد لإمدادات الغاز عبر مضيق هرمز قد يضاعف أسعار الغاز الأوروبية إلى مستويات تقارب 100 دولار لكل ميغاواط/ساعة في حال الإغلاق الكامل لعدة أشهر، وفقاً للصحيفة البريطانية. ويرى اقتصاديون أن التأثير التضخمي لا يقتصر على الوقود فحسب، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد وتكاليف النقل وأسعار الغذاء والأسمدة، ولا سيّما أن مضيق هرمز يمر عبره أيضاً نحو ثلث تجارة اليوريا العالمية، وهي من أكثر الأسمدة استخداماً. ومع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، قد تواجه الشركات الصناعية والزراعية زيادات إضافية في المدخلات، ما يعزز احتمالات انتقال الضغوط إلى المستهلك النهائي.
كيف يلتهم التضخم المدخرات؟
وبحسب نائبة رئيس قسم إدارة الشؤون المالية بصندوق النقد الدولي، جيدا أونر، في ورقة بحثية منشورة على الموقع الرسمي للبنك، يبدأ تأثير التضخم على المدخرات من قاعدة بسيطة: قيمة المال الحقيقية تتآكل عندما ترتفع الأسعار أسرع من العائد الذي تحققه مدخراتك. فإذا بقيت الأموال في حسابات بعائد منخفض أو نقداً دون تعويض كافٍ، يصبح صافي العائد الحقيقي سلبياً حتى لو لم تخسر رقمياً، لأنّ سلة السلع والخدمات التي تشتريها الأسرة تصبح أغلى. وتقول أونر إنّ تكلفة المعيشة تتحدد بسلة واسعة من الأسعار وبأوزان إنفاق الأسر، ما يعني أن الصدمة لا تكون متساوية، إذ تضرب فئات الوقود والغذاء والنقل ميزانيات كثير من الأسر بسرعة أكبر.
وتشير أبحاث سابقة للبنك المركزي الأوروبي حول تأثير صدمات أسعار الطاقة على التضخم والسلوك الاقتصادي، إلى أنّ حساسية المدخرات تتضاعف في لحظات صدمات الطاقة والحروب؛ لأن القناة التضخمية تصبح أكثر مباشرة، لافتة إلى أن ارتفاع النفط والغاز ينعكس سريعاً على الوقود والكهرباء والنقل، ثم ينتقل إلى أسعار الغذاء والسلع عبر تكلفة الشحن والمدخلات. ولفهم المعركة بين التضخم والمدخرات بصورة مبسطة، يمكن تخيّل شخص يحتفظ بـ100 دولار تحت الفراش لعدة سنوات. من الناحية الاسمية لن يتغير الرقم، فسيبقى المبلغ 100 دولار كما هو، لكن عند محاولة إنفاقه بعد فترة، يكتشف أن قدرته الشرائية تراجعت، إذ إنّ ارتفاع الأسعار بفعل التضخم يعني أن السلع والخدمات أصبحت أغلى، وقد يحتاج إلى 110 دولارات لشراء ما كان يكلف 100 دولار سابقاً. وبصيغة أخرى، كأن المبلغ انخفض فعلياً إلى 90 دولاراً من حيث القيمة الحقيقية، رغم أنه لم يتغيّر رقمياً.
كيف تحمي مدخراتك؟
وفي هذا السياق، يقدم أوسكار بارسونز، مدير فريق تطوير المنتجات الاستثمارية في قطاع معاشات العمل لدى شركة ليغال أند جنرال البريطانية، ثلاث نصائح أساسية تساعد الأفراد على تقليل تآكل القوة الشرائية لمدخراتهم في بيئة تضخمية متقلبة.
النصيحة الأولى: حدّد مقدار ما تحتاجه كصندوق طوارئ سهل الوصول. وكقاعدة عامة، ينبغي أن تمتلك ما يغطي نفقاتك الأساسية لمدة ثلاثة أشهر، مثل الطاقة، الرهن العقاري أو الإيجار، النقل، والطعام. بهذه الطريقة، إذا حدث أمر غير متوقع، ستكون مستعداً. وستعرف بالضبط كم تحتاج للاحتفاظ به نقداً (وهو معرض للتضخم)، ويمكنك استثمار الفائض بطرق أكثر مقاومة للتضخم.
النصيحة الثانية: ابحث عن أفضل فائدة لمدخراتك. تأكد من أن مدخراتك النقدية تحصل على أعلى فائدة ممكنة. أصبح من السهل نسبياً تبديل حسابات الادخار (حساب ادّخار فردي معفى من الضرائب "ISA") لكن إذا اخترت حساب ادّخار فردي معفى من الضرائب طويل الأجل، فقد تحتاج إلى الالتزام به لمدة سنة أو أكثر مقابل الحصول على عائد أعلى. وكقاعدة عامة، كلما طالت مدة الالتزام، زاد العائد. وإذا اخترت منتجاً طويل الأجل، ضع تذكيراً بتاريخ انتهائه لتبحث عن أفضل عرض جديد.
النصيحة الثالثة: فكر في الاستثمارات طويلة الأجل إذا كان لديك أموال لا تحتاجها لمدة خمس سنوات على الأقل، ففكر في استثمارها في حساب ادّخار فردي معفى من الضرائب مخصص للأسهم والسندات. ينظر إليها كاستثمارات متوسطة إلى طويلة الأجل، لذلك ينبغي أن تكون قادراً على تحمل تقلبات القيمة.
ويؤكد بارسونز، أن هذه الاستثمارات ليست خالية من المخاطر، فالقيمة قد ترتفع أو تنخفض وقد يسترد المستثمر أقل مما وضعه، لكن التنويع واختيار مستوى المخاطرة المناسب يساعدان على بناء محفظة أكثر صلابة أمام الضغوط التضخمية. ويختتم بالقول إنّ الاستثمار لم يعد حكراً على الخبراء، إذ توفر المؤسسات المالية خيارات متنوعة تناسب مختلف درجات المخاطرة، ما يمكّن الأفراد من اتخاذ قرارات مدروسة تحافظ على مدخراتهم في بيئة اقتصادية متغيّرة.
