الفلسطيني المستباح [1/2]..نكبة مصغرة لعائلات 5 أطفال مختطفين بأميركا
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
يتقصى التحقيق عبر جزأيه، مصير خمسة أطفال فلسطينيين مختطفين من القدس بعد حادثة تفجير فندق الملك داود في عام 1946، نقلتهم مبشرة أميركية إلى بلادها، ومحت هويتهم الأصلية بعد تسوية أوضاعهم عبر قانون خاص صدر من الكونغرس. - قبل النكبة بعامين، تحديداً شتاء فبراير/ شباط 1946، وُلد توأم لعائلة فلسطينية أنهكها الفقر إبّان زمن الانتداب البريطاني، كانت الأسرة تقطن في بلدة أبو ديس شرقي القدس وسط الضفة الغربية، لكن فرحتها لم تكتمل بقدوم الطفلين يوسف ويعقوب، إذ لم يفتحا أعينهما على وجه أمهما نبيهة، فقد رحلت في أثناء الولادة، تاركة الأب معيوف عليان وحيداً أمام صرخات الرضيعين. تحت وطأة الظروف الهشّة، تلقى عليان عرضاً بدا بمثابة طوق نجاة، نقله إليه ابنه الأكبر محمد، عبر صديقه ألفريد نجل دوروثي سكوت، المبشرة الأميركية التي كانت تدير مع زوجها وليام دار أيتام في قرية بيت جالا التابعة إداريا لمحافظة بيت لحم جنوب القدس. وقتها أكّد محمد لأبيه أن سكوت وزوجها يرحبان برعاية التوأم إلى أن تستقر أوضاع العائلة، فسلمهما الطفلين بعد وعود بالعناية الفائقة بهما، لكن ما جرى لاحقاً جعل الأب بالتأكيد يعاني كمداً ولات حين مندم، كما يروي لـ"العربي الجديد"، من ولاية واشنطن الثمانيني جاك سكوت أو يعقوب معيوف عليان، كما كان يعرف قبل اختطافه، فمع تصاعد هجمات العصابات الصهيونية قبيل إعلان قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، وتحديداً في أعقاب تفجير فندق الملك داود بالقدس، في 22 يوليو/ تموز 1946، حينئذ، سارعت عائلة سكوت إلى منزل معيوف عليان، وطلبت منه شاحنة نقل فمنحهما إياها، كيف لا وقد منحهما طفليه؟ مرّت ساعات وحين سعى إلى استعادة الشاحنة لم يجد العائلة أو توءميه، إذ تركت سكوت القدس مصطحبة الأطفال الذين كانوا في عهدتها، وهم يعقوب (جاك) وشقيقه يوسف، وثلاثة أيتام كانوا في رعايتها روز ونادية وروث، ومعهما أليس هالاني المربية.   تصنيع الهوية الأميركية بعد رحلة بحرية استغرقت 48 يوماً على متن سفينة يونانية تُدعى The Star، بلغ الركاب ميناء نيويورك، لكن يوسف لم يكن ضمن الواصلين. يقول جاك إن "مصيره ما زال مجهولاً"، ويرجح أن يكون قد تُوفي في فلسطين، أو خلال الرحلة نفسها، لا أحد يعرف، فهو نفسه لم يكن يعلم بقصته ولا هويتهما الحقيقية إلى أن جاءت لحظة كاشفة. اختطاف الأطفال خلال النزاعات المسلحة من القضايا المسكوت عنها حتى لا نقفز على الأحداث، يروي جاك، كما يفضل تعريف نفسه، أن دوروثي وعائلتها والأطفال المختطفين وصلوا إلى الولايات المتحدة عبر جزيرة إيليس (Ellis Island)، البوابة الرئيسية للمهاجرين آنذاك، إذ تدفق من خلالها 12 مليون مهاجر بين عامي 1892 و1954 وفق بيانات نشرتها مؤسّسة تمثال الحرية وجزيرة إيليس (غير حكومية Statue of Liberty–Ellis Island Foundation). ولكن كيف بقي الأطفال المختطفون في أميركا من دون وثائق تثبت هويتهم وعلاقة عائلة سكوت بهم؟ لم يكن ما جرى عادياً، بل حصيلة مسار معقّد مر بالكونغرس الأميركي، إذ جرت تسوية استثنائية لوضعية الأطفال عبر مشروع قانون قدّمه مايكل أ. فيغان (MICHAEL A. FEIGHAN) النائب الديمقراطي عن ولاية أوهايو، وصدر عن لجنة القضاء بمجلس النواب الأميركي في 13 أكتوبر/ تشرين الأول 1961، بعدما تبنى السيناتور هاري ب. كاين (Harry P. Cain، جمهوري عن ولاية واشنطن من 1946 إلى 1953)، طلباً من سكوت، كونها المسؤولة عن الأطفال، بتقديم المشروع الذي لم يكن بقرار تبنٍّ، ولا حكم وصاية، ولا موافقة موثقة من عائلاتهم وفق ما جاء في الأوراق. وبذلك وصل ملف الأطفال المختطفين إلى لجنة القضاء في مجلس النواب الأميركي عام 1951، بوصفه حالة استثنائية تتطلب تشريعاً خاصاً، وفق ما جاء في التقرير الصادر عن اللجنة الذي حصل عليه "العربي الجديد". ويبدو أن سكوت كانت لها صلات كبيرة، إذ يصنف المشروع باعتباره قانوناً خاصاً (Private Bill)، وهو أداة قانونية تُستخدم عندما تعجز القوانين العامة عن استيعاب الواقع، وفق الموقع الرسمي للكونغرس، وبالاستعانة به، استطاعت استعطاف المشرعين لتمريره ومما جاء فيه: "كبر الأطفال، ثلاثة منهم في المدرسة، أجسادهم اشتدت، جاك، الطفل الممتلئ المستدير، يقترب من عامه الخامس، لكن ذاكرته لا تحتفظ بشيء عن وطنه الأم، ولا يذكر القارب الذي عبر به المحيط، بل قارب مدينة الملاهي"، معبرة عن أملها في بقائهم حتى يكبروا، ويشتدّ عودهم، ثم يعودوا إلى وطنهم الأم. لينتهي التقرير بتوصية بالموافقة على مشروع القانون بعد إدخال تعديلات فنية عليه، وفي حال إقراره، يصبح للمشمولين به وضع قانوني نظامي، ويسمح لهم بالبقاء في الولايات المتحدة بشكل دائم، وبالفعل جرى تمريره وأصبح جاك والأطفال الآخرون مقيمين بطريقة قانونية في الولايات المتحدة وعبر نص قانوني أقره الكونغرس بذاته، لتسحب صفة لاجئ على جاك، بحسب ما جاء في التقرير الأولي رقم 1156 الصادر عن لجنة القضاء في مجلس النواب الأميركي عام 1951، من دون إشارة إلى اسمه العربي أو العائلة الأصلية وحكايتها. بالتأكيد لا تعد الحالات السابقة منبتة السياق، إذ تقرأ دلال عريقات، الأستاذة المتخصصة في النزاعات الدولية بالجامعة العربية الأميركية في فلسطين، القضية باعتبارها ليست حالة فردية معزولة، بل تصفها بأنها إحدى التداعيات المركبة للحروب والنزاعات الممتدة، قائلة لـ"العربي الجديد" النزاعات المسلحة لا تخلف فقط ضحايا مباشرين، بل تنتج أزمات اجتماعية عميقة، من بينها فقدان الهوية والاقتلاع من الجذور وحرمان الأطفال من أسرهم وبيئاتهم الطبيعية، ونقل الأطفال أو فصلهم عن عائلاتهم في سياق الحرب يمس جوهر الحق في الهوية والانتماء، والأخطر أن هذه القضايا غالباً ما يبقى مسكوتاً عنها لسنوات طويلة قبل أن تظهر للعلن.   بؤس ما بعد الاختطاف "المبشّرة التي كانت تدير دار أيتام تحولت إلى رمز للقسوة والاستغلال"، هكذا وصف جاك من يفترض أنها أمه البديلة، البارعة في تحصيل المال، عبر التلاعب بمشاعر الناس، أما الأطفال الذين اختطفتهم فأساءت معاملتهم، ووفقاً لشهادته فقد تعرض للضرب، أما الإناث فعايشن ظروفاً أشبه بالعبودية، حتى إنها تخلت عن رعايتهم في البداية وعاشوا وحيدين في بيت منفصل، بينما كانت تقيم في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون شمال غربي أميركا، ثم انتقلوا للعيش معها في بيتها بولاية واشنطن، حينها بدأت معاناة أخرى، ففوق قسوتها واجهوا عنصرية المدينة، ونظرات محيط يتوجس من الأغراب. يقول جاك "بعد فترة، انضمّت إلينا سكوت، واشترت منزلاً عشنا فيه تحت سقف واحد، لكنها لم تكن تعمل في أي وظيفة، وتقدمت للحصول على نوع من المساعدات عبر نظام الرعاية الاجتماعية، أما تعليمنا فتكفل به آخرون من معارفها فالتحقنا بمدرسة خاصة تُدعى بورتلاند كريستيان، وهي مدرسة مسيحية". عانى جاك آلام الجوع أياماً عديدة بعدما هرب من سكوت وعمره 13 عاماً يستذكر جاك كيف كانت معاملة سكوت تفرق بين الذكور والإناث، إذ كانت الفتيات أقل مكانة عندها، "وغالباً كانت تتعامل معنا كخدم لمساعدتها في إعداد الطعام والتحضير لاستقبال ضيوفها وأصدقائها، وحتى عندما كانت تذهب إلى المؤتمرات، كنا نقوم بجمع التبرعات أو تنظيم الفعالية، وأحياناً نكون بمثابة دمى حية لإبهار الحضور". "كان من الصعب على الجميع، حتى على أخيها، أن يصدّق مدى قسوتها وإساءتها إلينا"، يقول جاك إن بعض التجارب كانت مؤلمة للغاية، خصوصاً للفتيات اللواتي جئن معه إلى ولاية تفتقر إلى التنوع العرقي، فكانوا يتعرّضون للسخرية بسبب لون بشرتهم، من هنا "كان علينا إعادة التفكير في هويتنا، ومن نحن، ولماذا نحن هنا، كان ذلك ثقيلاً جداً". بالفعل، كان الوضع صعباً، يقول هاني البواردي، البروفيسور في قسم علوم الاجتماع والتاريخ في مركز الدراسات العربية الأميركية في جامعة ميشيغن والمهتم بتدوين تاريخ العرب في أميركا منذ مجيئهم إليها في منتصف القرن 19، مؤكداً أن ولاية واشنطن، حيث نشأ الأطفال، كانت من بين أكثر المناطق التي يصعب فيها تقبل المهاجرين. ولم يقف ما تكبّده الأطفال عند هذا الحد، إذ تعرضت روز، لموقف صعب مع سكوت حين اتهمت بالسرقة، فأُرسلت إلى مدرسة إصلاحية وبعد خروجها تزوجت رجلاً عنيفاً، كما يروي جاك. وسعى "العربي الجديد" للتواصل معها عدة مرات، لكنها رفضت وفضلت الامتناع عن الغوص في تفاصيل الماضي، خاصة بعد وفاة ابنتها. ولم يكن حال أليس أفضل، بل أجبرت على زواج قصير من مبشر متشدّد، بينما روث، أصغرهم، تنقلت بين عدة دور للرعاية وتعرضت لمحن لم تُحل حتى اليوم، بينما لا يعرف جاك شيئا عن نادية خاصة بعدما اضطر للهروب من بيت وترك العائلة.   بائع صحف في الثالثة عشرة "بعد نحو عام من انتقالنا للعيش معها، تعرضت السيدة سكوت لانهيار عصبي، وأصبحت شديدة العنف، خصوصاً تجاه الفتيات. في أحد الأيام، كانت تضرب إحداهن بعنف شديد مستخدمة مكنسة ذات مقبض طويل، حتى انكسر المقبض، سمعتُ الصراخ والبكاء، فصعدتُ إلى الطابق العلوي من المنزل، كنتُ قوي البنية بالنسبة لعمري، وتمكنتُ من إبعادها عن الفتاة وسحبها عبر أرجاء المنزل، شعرت بغضب عارم، لدرجة خفتُ أن أقتلها، لذلك غادرتُ المنزل حينها بلا عودة وكان عمري 13 عاماً"، يروي جاك. ولم يكن لديه من يذهب إليه، وكان مضطراً إلى عمل أي شيء للبقاء على قيد الحياة فاشتغل بائعاً لصحف صباحية ومسائية في بورتلاند، قابعاً أمام مستشفيات المدينة ليجمع النقود بعدما ظل أياماً جائعاً لا يمكنه أن يجد ما يقتات عليه. مع مرور الوقت، اكتسب مهارات جديدة، بدءاً من تحميل الشاحنات ليلاً، ثم قيادة سيارات توزيع الصحف، إلى أن اعتمد عليه المشرفون في صحيفة أوريغونيان وبورتلاند جورنال في ولاية واشنطن، وأصبحت لديه وظيفة تُكسبه القليل من المال، معتمداً على ذاته. لكن التحديات لم تنته، ومنها إحالته على محكمة الأحداث بسبب افتقاده رخصة القيادة في تلك الفترة. في الحلقة الثانية : كيف توصل جاك إلى عائلته ؟ وماذا جرى في مواجهته مع الخاطفة ؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية