عربي
قبل أن يمضي اليوم الثالث على حرب إيران، ضرب الثلاثة الكبار المعنيين بها في الإدارة الرقم القياسي في الشروحات المتباينة عن حيثياتها وأغراضها. في مؤتمره الصحافي اليوم مع رئيس هيئة الأركان الجنرال دان كاين، قال وزير الحرب بيت هيغسيث إنها "ليست حرب تغيير نظام... لكن هذا النظام يجب أن يتغير". وأضاف أنها قد تستغرق "4 أو 5 أسابيع". وزير الخارجية ماركو روبيو، بعد اجتماعه مع مجلس الشيوخ لوضعه في الصورة، قال إن "العمليات تستهدف مشروع الصواريخ الباليستية في إيران". الرئيس ترامب من جهته توقّع استمرار الحملة الجوية لمدة أربع أو خمس أسابيع وربما أكثر... "ونحن لدينا الإمكانية للاستمرار فيها مدة أطول".
التباين في التوقعات والسرديات، معطوفًا على إعلان البنتاغون إرسال المزيد من القوات الأميركية إلى الشرق الأوسط، ترك الانطباع لدى المراقبين، وبالتحديد لدى كثيرين في الكونغرس، بأن هناك ثغرات وعدم تطابق في الحسابات لا بدّ من استدراكه. ثم جاء سقوط 6 أميركيين خلال الأيام الثلاثة الأولى بالإضافة إلى إسقاط 3 مقاتلات "إف 15" بنيران "صديقة" في الكويت، ليزيد البلبلة ويوسع من دائرة المعترضين، ولا سيما في الكونغرس، بل ليزيد من التوجس والخشية من عودة عقارب الساعة إلى 2003 حين أُطيح آنذاك بسرعة رأس هرم السلطة في العراق، لتبدأ بعدها رحلة الغرق برماله، خصوصاً أن تلميحات غير قليلة ترددت بخصوص دخول محتمل لقوات من المشاة إلى داخل إيران "إذا كان لمحاولة تغيير النظام أن تنجح". وربما كان هذا وراء إرسال القوات الإضافية التي أعلن عنها البنتاغون. والتعليل هنا أنه في غياب البديل المحلي الجاهز، يبقى من المتعذر سدّ الفراغ في الحكم لو انهار النظام القائم. وكان الجنرال المتقاعد مارك كيميت قد أشار إلى احتمال الوجود العسكري الأميركي على الأرض، ولو "بنسبة 10%"، بعد أن أعلنت الإدارة عزمها على تغيير النظام في إيران. طبعًا الرئيس ترامب يرفض هذا الخيار. لكنْ للظروف أحكام. فهو من البداية رفض الحروب، إلا أنه عاد والتحق بقافلتها. ثمة من يفسر ذلك بأنه لجأ الآن إلى الخيار العسكري "ليخلط الأوراق"، وبما يؤدي إلى سحب بعض الملفات المؤذية من التداول. وفي تفسير آخر أنه فعل لتحقيق "إنجاز" يحتاجه في وقت باتت فيه إيران تعاني من حالة "ضعف" كبير. وقراءة ثالثة أنه "انجرّ" إلى حرب هندسها نتنياهو الذي قال أخيراً بأنه "انتظر أربعين سنة" لمجيء رئيس مثل ترامب يذهب معه إلى هذه المعركة.
لكن مهما كانت الدوافع، تبقى القناعة السائدة بأن بداية الحرب على إيران بدت مضطربة، سواء في مسوغاتها أو مقبوليتها في الكونغرس، ومنه بعض الجمهوريين (أمثال السيناتور راند بول والنائب وارن دافيدسون)، وكذلك لدى الرأي العام الأميركي (59% ضد) في آخر استطلاع. وبدت كذلك في تمدد ساحتها وفي بداياتها العسكرية رغم التفوق الكاسح والخسائر الموجعة لإيران. والأخطر بالنسبة إلى بعض الأوساط أنها تتجه نحو حرب مفتوحة وتمدد ساحتها. وهذا ما أقلق فريقًا واسعًا في الكونغرس سارع إلى استدعاء وزيري الخارجية ماركو روبيو والدفاع بيتر هيغسيث إلى جلسة استماع بغية وقوف الكونغرس على آخر التطورات. ومن المتوقع أن يصوت مجلسَي الشيوخ اليوم الثلاثاء والنواب الأربعاء أو الخميس القادمين على مشاريع قرارات تتصل بصلاحية إعلان الحرب التي تعود أصلًا إلى الكونغرس، في محاولة لنزع هذه الصلاحية من الرئيس ترامب وبما يسمح بالتالي "بتقصير مدة العملية العسكرية". لكن رغم أجواء القلق والتشكيك في المجلسين، ليس من المتوقع فوز مثل هذا القرار بالأكثرية اللازمة، حيث يبقى البيت الأبيض قادرًا على ضبط الجمهوريين رغم اعتراضات بعضهم على الحرب وملابساتها.
وعليه، بدأت واشنطن تدخل في جو التداعيات المتوقعة، الأمنية والاقتصادية، خصوصًا على صعيد أسعار الطاقة، لحرب مرجحة أن تطول أكثر من الأسابيع التي حددها المسؤولون اليوم.
