عربي
من الأمور القليلة التي تشارك فيها في سورية نظام الأسدَين وعموم معارضيه الحَدِّيّين؛ تكوين نظرة أحادية البعد عن العلويين، وفي أحسن الأحوال ثنائية البعد (متضادة وغير متناقضة) لكن سطحية بشدة... وهي نظرة اشتغلت واجتَمَعَت عليها بعض وسائل الإعلام بخبث وتواطؤ، تواطؤ لم يبتعد عنه مثقفون كثيرون (كُتَّاب، مخرجون)، وإذا فكّرنا بحسن نيّة فقد نقول من باب الاستسهال.
من فيلمي "رسائل شفهية" و"ليالي ابن آوى" وأحياناً لوحات مسلسل "مرايا" إلى مسلسل "ضيعة ضايعة"، حتى المسلسلات التي ظهرت في سنوات الحرب؛ والتي تُمَجِّد جيش الأسد، أظهرت العلويين بصور شديدة الحِدِّية والسطحية. فقد بدوا فقراء شديدي الجهل، أو مسؤولين، غالباً ضباطاً فاسدين قساة، أو جنوداً شرفاء يُقَدِّسون الوطن؛ والوطن لديهم مُشَخْصَنٌ بالسيد الرئيس المترفّع عن أي خطأ أو زَلَل. يقبلون ضَنَك العيش وقلّة الرواتب، وأكل البندورة والبطاطا الفاسدة في سبيل بقاء سورية ـ الأسد.
يتطلّب تغيير النّظرة النّمطيّة، أولاً، تغييراً في العلويين أنفسهم، وكيف يَرَوْن مكانهم ومكانتهم في سورية والعالم
للأسف، استمرّت تلك السّطحية المفترضة بعد سقوط النّظام، لكن بتغيير التّسميات فقط، فالمسؤولون الفاسدون، ولا سيما الضّباط مع فقراء الجيش، أُدْمِجوا ليصبحوا معاً "فُلُولاً". تأكّد الفقر للأسف بل زاد بشدة، وحدها صفة الجهل غدت غير منطقيّة.
تطوّر هذا التّوصيف المخلّ أحياناً، ووصل إلى حدّ اختزال العلويين إلى "علويين شرفاء" (نتذكر علوياً أو علويَّيْنِ اثنين يرحّبان بالشيخ العرعور) في مقابل "فُلول مسلّحين" يتبعون (مقداد فَتِيحَة).
وصل هذا الاختزال مع النّساء إلى مراحل شديدة الانحطاط، أخذ شكله الأقصى مع تسمية "صبايا العطاء" في محاولة النيل من الشّرف. وهذا ما رأينا ونرى تجلّياته بتكرار قصص خطف النّساء، الطّرف الثّاني يتذكّر "نساء التّنور" المحترمات الفقيرات وطبعاً الجاهلات.
يتطلّب تغيير النّظرة النّمطيّة، أولاً، تغييراً في العلويين أنفسهم، وكيف يَرَوْن مكانهم ومكانتهم في سورية والعالم. فسيطرتهم على جزء غير متناسب من أجهزة الدولة يحتم عليهم أن ينسوها، ولا يأملوا عودتها أو حتى اليسير منها، وكذلك "ماهر لن يعود أبداً".
بنظرة ميكروسكوبية إلى تاريخ العلويين، نجد أن الجغرافيا، وتالياً الاقتصاد، هما المحرّك للقرارات التي أوصلتهم إلى ما هم عليه اليوم... والكلام أبعد من آل الأسد والبعث وحتى ميلاد سورية، فالنهضة التي عرفها المشرق العربي، بدءاً من حملة إبراهيم باشا إلى سورية، ثم مرحلة الإرساليات، والمدارس التبشيرية، ومرحلة التنظيمات العثمانية، والتي عنَت إنهاء مرحلة الالتزام والمقدمين، وبناء نظام جديد على أساس مواطنة متساوية للجميع بما في ذلك التجنيد الإجباري، وذلك على طول النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تَلَقَّفَها العلويون بحماس حذر، عَلَّهم ينهون قروناً من التّهميش والعزلة.
في مقدمتهم نمط رائد من الشيوخ، اعترفوا بمدى جهلهم وتالياً جهل الطائفة، فشرعوا في محاولات حثيثة لرفع مستواهم خاصة الأدبي واللغوي، مستعينين بجيرانهم المسيحيين وشيعة لبنان وسنّة المدن. وكذلك عملوا على محاربة الخرافات، منفتحين بشدة على العلوم الوضعية، خصوصاً ما كان يصل من مجلات مصرية، وهي حالة متطورة بالقياس إلى زمنٍ لم يكُن يعترف إلا بعلوم الدين، فكانت النتيجة البدء بإنشاء المدارس في كبرى القرى العلوية، وهنا نلاحظ الدعوة إلى تعلم اللغة التركية، بصفتها لغة الدولة وتالياً الوظائف. (يمكن التوسع في كتاب إياس حسن "الحركة الإصلاحية عند العلويين... من خلال قراءة تراجم شيوخهم في القرن التاسع عشر"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، الدوحة، 2025)
ظهرت هذه الدعوة في لحظة مفصلية بدأت بتشكيل واقع العلويين إلى اليوم. طبعاً الواقع الاقتصادي الرديء هو المحرك الأول لذلك التوجه. فهم دوماً طائفة الدولة؛ "أي دولة تعترف بنا نحن رجالها..." هذا ما بدا جلياً مع عمليات تسليم السلاح بعيد سقوط نظام الأسد. وحتى ما يمكن تسميتها الحمّى القومية المنتشرة بدايات القرن العشرين لَسَعَت الطائفة، ومحاولات اللحاق بالجهاز البيروقراطي والعسكري ازدهرت مع الانتداب الفرنسي، وكذلك مع عهد الاستقلال. وترافق ذلك، او تطلّب التوجه إلى التعليم. ولأنه لا يمكن الفصل بين السلطة والدولة. باتوا، أو هكذا نُظِرَ إليهم، بوصفهم جنوداً للسلطة، وهذه التهمة عموماً لم يستطيعوا التملص منها، ولم يحاولوا.
قدَّمت "الدولة ـ السلطة" طبقاً ذا طعم خاص، خصوصاً في الجهاز العسكري وبالأخص الأمني، هو بناء أرستقراطية مجتمعية سريعة من العدم؛ شاب قد لا يصل إلى الثلاثين عاماً من أصول متواضعة، فجأة يصل إلى نفوذ وثروة وجاه، لم يحلم بها كبار العائلة التي كان يعمل لديهم والده مُرابعَ (قن). عبارة "في هذه الضيعة فيها الشيخ فلان" انقلبت إلى "فيها العميد فلان" بدل أن يكون "فيها الطبيب العالم أو حتى رجل الأعمال"، هكذا عملت آلية النظام على تكوين تلك الصورة النمطية ونجحت.
الصورة مشوَّهة ومشوِّهة،" الطائفة الحاكمة" عبارة عن أقلية صغيرة جداً تملك المال والسلطة، من شبه المستحيل أن تبادر إلى أي مشروع اقتصادي ذي معنى، حين تقارنه بشلال المال السهل من السلطة، جلّ همّها إظهار الولاء لولي نعمتها، ولو تدمرت البلاد.
ليس الخطأ الكارثي أن تكون طائفة الدولة، بالعكس، بل الاعتماد على الدولة الريعية فقط. من يدقق في العلويين المتخلفين عن الدعوة إلى الاحتياط سيجدهم من غير الموظفين
ماذا خسر العلويون وماذا لديهم؟
إذا كان التصوّر خسارة السلطة، فهذا يعني أن البحث ما يزال جارياً بين قمامات الهيكل. خسر السوريون العلويون فعلياً الشعور بالأمان، وهو الأهم، هم يسيرون الآن على أرضٍ من جمر، فترة قد تطول وقد تقصر، وطبعاً هذه مسؤولية السلطة أولاً. ولإنتاج صورة جديدة، عليهم أولاً الابتعاد عن نظام الأسد. والتأكيد أن تلك الجرائم كانت بقرار سلطوي، يُحاسَب عليها من رأس الهرم إلى أصغر عنصر. لم تكن تلك الجرائم بتوجه شعبي والأمثلة أكثر من العَدِّ؛ آلاف العائلات المهجرة والتي سكنت الأحياء ذات الأغلبية العلوية، هل عانت ما يعانيه العلويون اليوم؟ على الجميع أن يعترف أنه مقابل ضباط أمن النظام المتخلفين والمجرمين، هناك جيش من المعلمين والمعلمات جال أصقاع سورية وأريافها كلها، أكثر من نصف قرن. هل من سوري واحد لا يعرف طبيباً علوياً حاذقاً؟ أو درّسه أستاذ جامعي مميز؟ ليس العلويون مجموعة مُؤَطَّرة سياسياً ولا اجتماعياً. وطبق السلطة الذي ذاقته قلة الأقلية من السوريين، يجب أن لا يتحوّل إلى سم من القتل والذل لطفل أو طفلة علوية لم يولدا بعد.
ما حققه العلويون خلال قرن واحد قصة ملهمة فعلاً، مرويات الفقر والجهل لو وضعت في رواية أو عمل فني، لَاتُّهِم كاتبُها بالمبالغة وربما الكذب. نهضتهم من الجبال إلى كبريات المدن إنجاز يُدْرَس. أخبرني العجائز (والكلام على عهدتهم، يمكن التأكد من عجائز المدن) أن سمعة العلوي حتى سبعينيات القرن الماضي كانت ناصعة البياض، إنسان شريف عفيف لا يخون، وهذه من روافع وصول الأسد إلى الحكم... وللأسف نظام الأسد نَخَّب سفهاء القوم من كل الطوائف ولا سيما العلويين.
ليس الخطأ الكارثي أن تكون طائفة الدولة، بالعكس، بل الاعتماد على الدولة الريعية فقط. من يدقّق في العلويين المتخلفين عن الدعوة إلى الاحتياط سيجدهم من غير الموظفين، وأصحاب مال يمكن أن يصونهم، وقد دفعت سورية كاملة ثمن هذا الخطأ. آلة حرب رخيصة جائعة، في يد شخص مختل.
عدم القناعة بتحسّن اقتصادي ذاتي من قرن مفهوم ومنطقي، لكن الآن لا بد من تفكير جديد، حتماً إبداعي. رغم كل ما خسر العلويون ما يزال لديهم جوكر أو اثنان، الأول كمّ التعليم العالي واسع الانتشار، وهي شهادات في غالبيتها العظمى حقيقية، دفع ثمنها جهد وتعب وسهر، ومال من الأهل قُطِع على حساب أساسيات العيش. وليست كما يدّعي بعضٌ كشهادة ابن الهارب الروسية وأقاربه الأميين. هذه الشهادات مع جو من الحرية الاقتصادية والأمان، واستثمارات اقتصادية حقيقية في العقول، مع تغطية الفاقد من العلوم الحديثة، باستخدام وسائل التعليم والتدريب الحديثة يمكن أن تحدث معجزة اقتصادية. الثاني جوّ الانفتاح وعدم التقوقع والاستعداد لتقبل أي شيء جديد، الروح الليبرالية الحقيقية مع تحرر المرأة هي حتماً تميمة النجاح. العلويون شعب حي انسلخ من الكهنوت الديني من عقود بعيدة، واليوم ينظف نفسه من رجس الديكتاتورية العسكرية، فلا خوف عليه.
... يحضرني هنا، وأنا أزعم بعد قراءة مستفيضة لتاريخ المنطقة، أنه لم يحصل في الساحل السوري أي نزاع محلي طائفي ذي شأن، بما في ذلك مجازر مارس العام الماضي (2025)، بل كانت دوماً نزاعاً مع السلطات في المراكز البعيدة.
