عربي
ربما يصحّ القول إنّ البعد الاجتماعي–النفسي في الرواية السورية، عموماً، قد تقلّص لصالح بُعدٍ وظيفي يرى في الشخصيات أمثلة ونماذج أكثر من كونها أفراداً وسِيَر عائلات. حيثُ الفرد، الذي هو أب أو أم أو ابن، ضئيلٌ وهش، ويمكن استبداله بغيره، فحياته ليست مهّمة، وبالتالي يبقى بلا حضور وبلا صوت. في المقابل تظهر أجيالٌ عاشت "الأبد السوري" الخانق بسيرٍ شخصية وعائلية واضحة في روايات سومر شحادة الثلاث، التي تشكّل "ثلاثية اللاذقية": "الهجران"، و"منازل الأمس"، و"الآن بدأت حياتي" (دار الكرمة، القاهرة). والمشترك بين هذه الروايات الإصغاء إلى أصوات فردية، وتتبّع مصائر الأشخاص مِن دواخلها بلغة أقرب إلى الهمس. وإلى حفرٍ متمهّل ودقيق، حيث لا أسرار كبرى ولا ضجيج عالٍ. يكفي النظر، وتكفي المراقبة بوصفها من أشكال تسجيل الصمت، ذلك الصمت المليء بالشكوك والحيرة، وتتبّعه إلى نهايته التي كثيراً ما تكون سكوناً صافياً.
* يحضر البعد النفسي في كتابتك بوضوح، ولا سيما في الاستغراق بوصف الشخصيات من الداخل، بحيث يغدو الوصف الخارجي للأمكنة والحركات امتداداً لما يجري داخل الشخصيات. إلى أي حدّ كان هذا الخيار واعياً لديك؟
مع أني عندما كتبتُ تلك الروايات، كنتُ أعيش في مكانٍ يُفترض أنني متآلفٌ معه ومنفتحٌ عليه، لكني حين أفكّر في شخصياتها، أشعرُ أنّها مُحاصَرة. والأسئلة التي تحرّكها بسيطة: كيف نعيش؟ كيف نصنع عائلة؟ كيف نبني علاقة حب ناجحة؟ كيف نحمي الحب من انهيارات الزمن؟ وهذه ليست أسئلة كبرى، هي أسئلة الحياة ببساطة، لكنها تتحوّل، في لحظة الفشل، إلى أسئلة ملحّة وقاسية، ربما هذا ما جعل الوصف الخارجي، للأمكنة أو للحركة بين الغرف، مرتبطاً بما يجري داخل الشخصيات، إذ لم أتعامل مع المكان بوصفه مجرّد فضاءٍ سردي، محايد وبريء، بل بوصفه امتداداً للحصار النفسي. حتى تصوير الحركة، أردتُه أقرب إلى عينٍ سينمائيةٍ تتنقّل وتراقب، لا عين ساردة فقط، وحيثُ الراوي يتأمّل حياة الشخصيات من الداخل في البدء، ثمّ يرسم كيف تستجيب للألم في أدقّ التفاصيل، على الشرفة، أو في غرفة، ثمّ في تصوير كيف ترسم عزلةُ هذه الشخصيات مصيرَها كلّه.
ـأفكّر في اللغة بوصفها عربةً تحمل الشخصيات من نقطةٍ إلى أخرى. لا يهمّني كثيراً شكل العربة من الخارج، مطرّزة أو مغطّاة بالذهب. يهمّني أن تكون مناسبة للشخصيات، وقادرة على أن تتآلف معها.
إذا كان المكان والحركة في روايتك امتداداً للحصار النفسي، والشخصيات تدور باستمرار حول الأسئلة نفسها؛ في حالة إياس مثلاً في "الآن بدأت حياتي"، تتحوّل العزلة إلى رهبنة أو انسحاب تتساوى فيه الأشياء. فكيف تفهم هذا التحوّل؟ وهل تطور هذا الحصار إلى شكل من العقاب الذاتي؟
في رواية "الحيوان المحتضر" لفيليب روث، يستيقظ الأستاذ الجامعي من دون رغبة في بدء يومه. لكنه يقول لنفسه "أنا أعيش في أميركا"، أي إنه يعيش في بلدٍ منفتحٍ وليبرالي، لا في بلد استبدادي، بمعناه التقليدي. لذلك يكون اكتئابه شخصياً، مع غياب المبرّر العام، وهو الاستلاب الذي تصنعه الشمولية. أما في الروايات التي كتبتُها، فالشخصياتُ لم تكن مرفّهة إلى هذا الحد، إنما الطيف الاكتئابي الذي تعانيه لكونها لا تملك حياتها. بهذا المعنى، لا أرى هذا الانغلاق على الذات من أشكال العقاب الذاتي بقدر ما أراه هروباً من خارج قاسٍ ومتوحّش. في ما يخص إياس، يذكر جملة مفتاحية، خلال الرواية، وهي بسيطة، أشبه بتعريفٍ مباشرٍ للذات، حين يجد نفسه مضطراً إلى تبرير اكتئابه، بعد خسارته زوجته، يقول إنّه يعيش في بلدٍ مُهان، كأنه في روايةٍ لا تحفظ كرامة أبطالها. أما عن الدوران حول أسئلة بعينها، لا أراه دوراناً، إنما أردته أقرب إلى الكشف. ففي كل مرّة تعود الشخصية إلى السؤال نفسه، كانت تقشّر طبقة جديدة من عالمها الداخلي. إياس، مثلاً، هو آخر من يكتشف خيانة زوجته، ويعترف متأخّراً بأن جذر الصراع الزوجي كان حكاية خيانة. ونسرين، في "منازل الأمس"، تستمر 18 عاماً من حياتها الزوجية، وهي تسأل السؤال نفسه: لماذا تركتْني أمي؟ ما ينعكس قهرياً في علاقتها بأطفالها، إلى أن نكتشف معها شبهة الاغتصاب، وأنها ليست ابنة أبيها. حتى في "الهجران"، تبقى علاقة عادل بماضيه ملتبسة، مع أنه يعترف بأن الطاغية باقٍ، بعد أن صنع من الجميع طغاة صغاراً. ونكتشف تدريجيّاً أنه وشى بأصدقائه، وأن تخلّي هؤلاء "الرفاق" عنه كان نتيجة فساده، وهو فسادٌ يشبه فساد النظام. وعزلة الشخصيات، نتيجة محاولة بطيئة ومؤلمة وطويلة لفهم ما جرى في حياتها، طبقة بعد أخرى.
الحياة في الفنّ ليست فقط ما يحدُث فعلاً في الحياة، بل أيضاً هي ما كان يمكن أن يحدث وبقي احتمالاً
لا ينفي هذا أن شخصياتك مشغولة بذواتها، تصارع أفكارها وتتكلم مع نفسها، بحيث يظهر الصراع الداخلي كأنه عبءٌ مرتبطٌ بها فقط. هل أولويتك في الرواية نقل هذه التفاصيل الصامتة داخل الشخصيات؟
الشخصيات مشغولة بذاتها، لأنها تعيش فشلاً لا تستطيع أن تتجاوزه. كان خياراً عندي، ألا يظهر السياق السياسي بصورة مباشرة، إلا أن كل ذلك العالم الخبيء قادم من طبيعة الزمن السوري نفسه، فهو زمن مخنوق، الحياة فيه مكبّلة، والشخصيات تبحث عن طريقةٍ للمغادرة، سواء مغادرة المكان أو العلاقات. الروايات تصوّر فشل مدننا، ومقولاتنا الجماعية. حاولتُ أن أكون رحيماً بالشخصيات بأن أجعلها تلتفت إلى نفسها (مع عدم إيماني بالخلاص الفردي) لكن جهد النصوص كان الرأفة بالشخصيات، بأن تساعدها على فهم ما جعل الأسئلة البسيطة مؤلمة وقاتلة. كما في مقتل يوسف في "الآن بدأت حياتي"، فيوسف فشل في أن يكون أباً، وأخذَ يبحثُ عن المجد في طُرق مهلكة.
هل يمكن النظر إلى السيرة الفردية أو العائلية، في كتابتك، بوصفها مرآة تكشف حقيقة اجتماعية تخصّ جيلاً كاملاً؟ وهل يعني اختيارك التركيز على الجانب الظليل من هذه السير محاولة لكتابة ما يُحيط به نوع من التكاتم؟
نعم، هذا صحيح تماماً. لأن العائلات في الروايات الثلاث ناقصة في أحد أركانها، وهو أمر يكشف حقيقة اجتماعية، ويكشف خللاً في النسيج الاجتماعي نفسه، أو في فكرة النسيج بوصفه شبكة علاقات بين البشر في المكان، بتصويرها قائمةً على فقدانٍٍ ما، على غياب. تبدو هذه العلاقات مضروبة، ينقصها شيءٌ ما، كأنها قائمةٌ على فراغات أكثر مما هي قائمة على اكتمال. إحدى القناعات الأساسية التي فكرت فيها عند الكتابة أن الإنسان يجهل نفسه، فكيف يمكن له أن يكون واعياً تماماً بموقفه من الآخرين؟ ثم إن الحياة في الفنّ ليست فقط ما يحدُث فعلاً في الحياة، بل أيضاً هي ما كان يمكن أن يحدث وبقي احتمالاً. الرواية فن احتماليّ بطبيعته، الكاتب يرجّح احتمالاً معيّناً. وبالمعنى نفسه، أعتقد أن الصمت هو إحدى مفردات الكلام، وأن ما يُحجَب من الحياة المرئية جزءٌ مما يصنعها. ولسنا وحدنا من نصنع مصائرنا؛ الآخرون يصنعونها معنا، أحياناً من حيث لا نعلم كيف يفعلون هذا. أيضاً لديّ اعتقاد أخير، سيطر علي وقت الكتابة، وهو أن الإنسان هشّ وضعيفٌ وعاجز، وأن أكثر ما تحتاج إليه هذه الشخصيات، وهي تعيش في عالم معتم وكتيم، لمسة دافئة، ومحاولة فهم انهياراتها.
تمتد الروايات الثلاث على نحو 50 عاماً من حكم البعث، وتحاول قراءة الأثر الاجتماعي العميق والخفي للسياسة في حياة الناس، بتتبّع أثرها، في تجارب الأفراد
هل يمكن القول إن الزمن الشخصي في رواياتك يمضي دائماً تحت سطوة زمن سياسي، بحيث تتشكّل البنية السياسية للنص، في طبقةٍ منه، لا بوصفها خطاباً مباشراً، بل بوصفها تجربة معيشة داخل حيوات الشخصيات؟
أروي في "الهجران" حكاية زياد الذي نشأ من دون أب، فوالده اعتُقل بشبهة الانتماء إلى رابطة العمل الشيوعي وقُتل في السجن. وكان زياد يُعرَّف دائماً بوصفه "ابن الأرملة"، حتى إن محيطهما الاجتماعي كان يعاقبهما بسبب معارضة أبيه النظام. لم يكن هذا الغياب شأناً عائلياً صرفاً، بل كان أثراً مباشراً للقهر السياسي. كذلك في "منازل الأمس"، حاولت أن أشرح الكيفية التي تفكّك بها النسيج الاجتماعي تحت الضغط السياسي، عن طريق حادثة هروب والدة نسرين، وقد هربت بسبب شبهة اعتداء عسكري عليها (ينتمي إلى "سرايا الدفاع") تفصيل جعل الفقدان العائلي نتيجة مباشرة لعنف السلطة حتى داخل بيئتها. السياسة هنا لا تظهر خطاباً، بل اقتحاماً لحياة الناس. أما في "الآن بدأت حياتي"، فكانت فكرة الرواية تتبّع الكيفية التي أكل فيها النظام جسد الدولة، إلى الحدّ الذي جعل سقوط النظام مترافقاً مع سقوط الدولة نفسها. يوسف يُقتل بسبب شبهة ارتباطه بقضايا المافيا، وقد عرف تفاصيل لا يُسمح لمن يعرفها أن يبقى حيّاً. تمتد الروايات الثلاث على نحو 50 عاماً من حكم البعث، وتحاول قراءة الأثر الاجتماعي العميق والخفي للسياسة في حياة الناس، بتتبّع أثرها، في تجارب الأفراد.
ألا ترى أن هذا الطرح في مجمله، خصوصاً مع رؤيتك إلى الرواية فنّاً احتمالياً، كأنّك تحمّل هذه الشخصيات رؤيتك؟ مع أنّ نصك يظهر عفوياً، وبسيطاً ومنطلقاً. وفي لحظة، تصبح هذه السلاسة موضوع شك، هل يمكن القول إنّ تصوّراتك عن الشخصيات تسبقها؟
لا أسعى إلى أن أنفي هذا، لأن الفنّ نفسه، اللغة نفسها، الأسلوب والشكل، أحياناً يكتسب معناه من قدر عنفه وطبيعته ضدَّ الواقع، ومن قدرته على فرض منطقه من داخل الواقع وعليه. أي، بقدر ما يستطيع تفكيك الواقع وإعادة بنائه مع منحه وجهةَ نظر ما. تبدأ "منازل الأمس"، صباحَ يوم وفاة الرئيس، ثم تختفي السياسة، لنعرف، بعد 18 عاماً من الارتباط، أنَّ الزوج منذ البدء لم يكن لديه انتماء إلى ثقافة المكان، فقد نشأ وعاش خارج سورية، وانتبهت نسرين إلى أن زوجها لم يفهم وفاة الرئيس بالصورة المخيفة التي استقبلتها هي وأهلها. لقد ظهر فرق الانتماء، في حادثة موت الرئيس. صحيحٌ أنها وجهة نظر توجّه النص، لكنها ليست من ابتكاري. أنا فقط انتخبتها من الواقع. كان موت الرئيس حدثاً لا يُصدّق. لأنّه موتٌ إلى الأبد بالصورة المغلقة التي كان السوريون يعيشون فيها. أما عن إن كنت أكتب شخصياتٍ أعرف مسارها، ليس إلى هذا الحد، فما أعرفه من الرواية في البداية فقط جوهر مقولتها. أما بناؤها، فرحلةٌ فيها متغيّراتٌ كثيرة، أنا فقط أستجيب بما لدي من ممكنات الراوي.
بدأتُ التفكير في الكتابة مع قراءتي رواية حنّا مينه "الشراع والعاصفة". لكن ما دفعني خطوة حاسمة كانت رواية نيكوس كزانتزاكيس "الإغواء الأخير للمسيح"
هل يكون البناء الروائي، أو الشكل، حاضراً في ذهنك قبل البدء بالكتابة؟
الشكل يلي الموضوع. الموضوع هو ما يفرض شكله ويختاره، ودور الكاتب يقتصر على تتبّع موضوعه بأكبر قدر ممكن من النزاهة. وكلما كان الكاتب مخلصاً لموضوعه نضج البناء الروائي. كل روايةٍ حملت شكلها معها. في "الهجران"، كان هناك صوتان: صوت الراوي الذاتي، زياد، في مواجهة صوت آخر هو الراوي العليم، وهما صوت الفرد بمأساته الخاصة، في مقابل الصوت العام بتعدّد وجهات نظره. في "الآن بدأت حياتي"، كانت النهاية حاضرةً منذ لجوء البطلة إلى شخصٍ غريب، في الصفحة الأولى، وكنت أعرف أنهما سيُتهمان بجريمة قتل. والكتابة، كانت محاولةً لجعل هذه النقلة قابلةً للتلقّي عند القارئ: من استقبال الموت إلى مشهد غرامي على النقيض تماماً، أو ربما في صلبه. وقد جاءت الرواية مكتوبةً في شكل يستدعي ممكنات المسرح إلى فن الرواية، لأن النص يتناول مسرحة غياب العدالة، حتى الأصوات فيه، بدت أشبه بوقفاتٍ مسرحية، لغة واحدة وإيقاع متشابه. "منازل الأمس" رواية عن الانفصال، وقد بنيتها بصوت الزوج وصوت الزوجة، منفردين، بدافع تحريرهما حتى من الحكم الذي قد يفرضه الراوي العليم، بوصفه خطاباً.
تحدّثتَ عن الرأفة بوصفها موقفاً روائياً، هل يمكن اعتبار وضوح اللغة، وقِصر الجمل عندك استجابة لإيقاع الشخصيات الداخلي، وكأنك أيضاً تترك أسئلة الشخصيات تظهر بصفائها، بلغة بسيطة، لا تميل إلى البلاغة أو الكثافة الشعرية، ولا تسعى إلى لفت الانتباه؟
من أين نبدأ؟ إلى أين ننتهي؟ وكيف تكون الطريق؟ هذه هي الأسئلة التي أطرحها حين أختار اللغة، وألجأ إلى حذف الاستعارات، أو الاكتفاء باستعارات مباشرة لا تُثقل الجملة ولا تُزاحم التجربة. وحاولت أن تكون اللغة هي اللمسة الدافئة التي كنتُ أعنيها في جوابٍ سابق، وطريقة إنصاتٍ لاعترافات يقوم بها أشخاص تملؤهم هشاشة الخسارة. في ما يخص الجمل القصيرة، لا أعرف، أحياناً أعتقد أني كتبتُ عن شخصياتٍ كانت تستنجد، وكأني كنتُ أكتبها، وأنا أنقلُ رجاءاتها بأن ينقذها أحدٌ ما. لكن هذا لم يحدُث، لأن الفنّ في النهاية، ليس إلا استراقات من الزمن. وحياة الشخصيات في النص الروائي مجرّد جزء مقتطع من حياتهم في الواقع.
هل ثمة نماذج تركت أثراً في تصوّرك للكتابة الروائية؟
بدأتُ التفكير في الكتابة مع قراءتي رواية حنّا مينه "الشراع والعاصفة". لكن ما دفعني خطوة حاسمة كانت رواية نيكوس كزانتزاكيس "الإغواء الأخير للمسيح". وأحببتُ كتابة هاني الراهب، ولا سيّما في رواياته التي تقرأ المكان وسيرته متداخلَيْن مع أفكار كبرى، كأن قرية صغيرة في اللاذقية تصلح لأن تكون مختبراً يصوّر العالم كلّه. كما أحببتُ كتابة ممدوح عزّام، لأنها تخلو من الصراخ، وفيها إخلاصٌ لسِيَر الناس الفعلية، لا لتلك المفروضة على النص لاعتبارات الحدث. أو الموقف السياسي. لكن النماذج التي استلهمتُ منها حلولاً لمسألة العيش وسط الاقتتال الأهلي، عربياً، كانت من الرواية اللبنانية، ولا سيما في نصوص ربيع جابر، وحسن داود، ونجوى بركات، ورينيه الحايك، وجبور الدويهي. في عموم رواياتهم (وعلى تمايزها) لا يشكو سردها من تخندق الراوي أو من هياجه، كما في بعض النماذج السورية، بل السرد يعبر الطوائف ويشفّ عنها، من دون أن يتحوّل إلى متراسٍ لعقيدة. وأظن أن الرواية اللبنانية، من هذه الزاوية تحديداً، قد أجابت عن أسئلة أربكت عموم الرواية السورية. أما على مستوى إدراك الفنّ الروائي نفسه، فقد أسهمت روايات دوستويفسكي وكافكا وماركيز، وبعض أعمال ميلان كونديرا وجورج أورويل، ومسرح شكسبير، في تشكيل تصوّراتي الأساسيّة عن فن الرواية. وقبل، ومع ذلك كلّه، الحياة نفسها، والتجربة الشخصية.
