من ستوكهولم إلى كوبنهاغن: الإعلام قلقٌ من تأثيرات الحرب على إيران
عربي
منذ أسبوع
مشاركة
مع تصاعد المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران وتعاظم خطر اتساع رقعة الاشتباك في الشرق الأوسط، لم تتعامل الصحافة الإسكندنافية مع الحدث بوصفه صراعاً بعيداً جغرافياً، بل كأزمة ذات تداعيات مباشرة على الأمن الأوروبي، والاقتصاد، والتوازنات الدولية. وبينما اختلفت زوايا المعالجة من بلد إلى آخر، بدا القلق من الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة هو الخيط الناظم للتغطية، إلى جانب حساسية تقليدية واضحة تجاه القانون الدولي وتعددية الأطراف، إلى جانب مواقف نقدية تقليدية من النظام الإيراني. في الدنمارك، أولت صحيفة إنفورماسيون اهتماماً خاصاً بالبعد القانوني والأخلاقي للصراع. ركّزت تحليلاتها على مسألة شرعية الضربات العسكرية في ضوء ميثاق الأمم المتحدة، واحتمال تقويض النظام متعدد الأطراف إذا جرى تجاوز مجلس الأمن، كما منحت مساحة واسعة لأصوات أكاديمية وخبراء في العلاقات الدولية حذّروا من منطق "الردع عبر التصعيد"، ومن انعكاسات الحرب على المدنيين في المنطقة. نبرة الصحيفة، القريبة تقليدياً من يسار ويسار الوسط في بلدها، مالت إلى التشكيك في جدوى الحلول العسكرية وتأييد الدعوة إلى استعادة المسار الدبلوماسي. أما هيئة البث العام الدنماركية (دي آر)، فقد اعتمدت تغطيةً إخباريةً تحليليةً متوازنةً نسبيّاً، جمعت بين متابعة التطورات الميدانية والقراءة الاستراتيجية والتحذير المبكر من تفجير الوضع في كامل الشرق الأوسط. وتركزت تقاريرها على ثلاثة محاور أساسية: أمن الملاحة وسلاسل الإمداد، انعكاسات التصعيد على أسعار الطاقة، وموقف الحكومة الدنماركية داخل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. ونقلت التلفزة عن السياسيين الدنماركيين أنهم نقديون تجاه النظام في إيران من ناحية، وقلقون من انفلات الأوضاع من ناحية أخرى. كما خصّصت "دي آر" برامج حوارية لمناقشة المخاوف من اتساع الاستقطاب داخل المجتمع، خاصةً في ظل وجود جالياتٍ من أصول شرق أوسطية، وظهور معارضين للنظام في طهران يرفعون العلمين الأميركي والإسرائيلي، وما قد يترتب على ذلك من توترات داخلية أو تهديدات أمنية. وبالتوازي، تناولت صحف رئيسية مثل "بوليتيكن" و"بيرلنغسكا" و"يولاندسبوستن" الأزمة من ثلاث زوايا متداخلة. أولاً، التحذير من الانزلاق الإقليمي، إذ ركزت مقالات الرأي على خطر تحول المواجهة إلى حرب واسعة تمتد إلى لبنان والخليج، مع ما يحمله ذلك من اضطراب في أسواق الطاقة والممرات البحرية. ثانياً، سؤال الشرعية الدولية، عبر نقاشات قانونية حول مدى توافق الضربات مع المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحظر استخدام القوة، وحدود مفهوم "الدفاع عن النفس" في المادة 51. إضافةً إلى الانعكاسات الداخلية، إذ أبدت اهتماماً بأمن الجاليات، واحتمال تصاعد الاستقطاب المجتمعي، وسط دعوات بوقف ترحيل الإيرانيين الذين رُفضت طلبات لجوئهم سابقاً، إضافةً إلى تأثيرات محتملة على أسعار الوقود والشحن البحري، وهو ملف حيوي لدولة تجارية كالدنمارك. في السويد، عالجت صحيفتا داغنسنيهتر وسفنسكا داغبلاديت الأزمة من زاوية التحول الاستراتيجي الذي تعيشه البلاد بعد انضمامها إلى الناتو، مع تكرار التساؤلات حول ما إذا كان انخراط الولايات المتحدة في صراعٍ جديد بالشرق الأوسط قد يؤثر على التزاماتها الأمنية في أوروبا الشمالية والشرقية، كما برز نقاش واسع حول التهديدات الهجينة والهجمات السيبرانية المحتملة. أما هيئة البث العام السويدية (إس في تي)، فقد ركزت على استضافة خبراءٍ في القانون الدولي والأمن، مع إبراز التحذيرات الأممية بشأن الوضع الإنساني وخطر اتساع رقعة الحرب. في النرويج، تناولت صحيفة أفتنبوستن التصعيد من منظور مزدوج: جيوسياسي واقتصادي، باعتبار البلاد مورّداً رئيسياً للغاز إلى أوروبا، إذ حظيت تقلبات أسعار الطاقة وأمن الإمدادات بتغطيةٍ موسعة. وطرحت تحليلات تساؤلات حول انعكاس أي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر على الأسواق الأوروبية. أما هيئة البث العام النرويجية (إن آر كي)، فمزجت بين التقارير الإخبارية والتحليلات، مع اهتمام خاص بتداعيات أي تصعيد على الاقتصاد الأوروبي وعلى التزامات النرويج داخل الناتو. وفي فنلندا، ركّزت "هيلسنغن سانومات" على الأبعاد الاستراتيجية الأوسع، ولا سيما احتمال انشغال واشنطن في الشرق الأوسط على حساب الجبهة الأوروبية في مواجهة روسيا، وهو هاجس حاضر بقوة منذ انضمام البلاد إلى الناتو، كما سلطت هيئة البث العام (Yle) الضوء على سيناريوهات التصعيد النووي، وعلى مواقف الاتحاد الأوروبي الداعية إلى خفض التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. أما فيما يتعلق باستهداف المرشد الإيراني علي خامنئي، فقد عولج في التغطيات الإسكندنافية بوصفه اختباراً خطيراً لقواعد النظام الدولي. وركّزت الصحف السويدية والنرويجية والفنلندية، كما نظيراتها الدنماركية، على الإطار القانوني قبل أي اعتبار آخر. وجرى التشديد على أن استهداف رأس هرم السلطة في دولة ذات سيادة يثير تساؤلات جوهرية حول حظر استخدام القوة، وحدود "الدفاع الوقائي"، ومبدأ الحصانة السيادية. واستضافت هيئات البث العام خبراء أشاروا إلى أنّ أي عملية اغتيال عابرة للحدود لا يمكن تبريرها إلّا ضمن معايير ضيقة جداً تتعلق بوجود تهديد وشيك ومحدد، محذرين من أن توسيع هذا المفهوم قد يقوّض النظام القانوني الدولي ويشجع دولاً أخرى على انتهاج المنطق ذاته. كما برزت مخاوف من أن خطوة كهذه قد تؤدي إلى ردود انتقامية واسعة، تشمل هجمات سيبرانية أو استهداف مصالح غربية، فضلاً عن احتمال تهديد الملاحة في الممرات الاستراتيجية، بما ينعكس على أسواق الطاقة الأوروبية. في هذا السياق، ربطت التغطيات بين القانون الدولي والاقتصاد والأمن الداخلي، معتبرة أن أي سابقة من هذا النوع قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من "شرعنة الاستهداف السياسي"، بما يهدد بتآكل قواعد الردع المتبادل. في المحصلة، عكست التغطية الإسكندنافية، بمختلف أطيافها، مزيجاً من التحليل الأمني والاقتصادي والإنساني. الصحف المحافظة أبدت تفهماً أكبر لحجج "الردع" وضرورات الأمن الإسرائيلي–الأميركي، في حين شدّدت الصحف الليبرالية واليسارية على مخاطر تقويض القانون الدولي وتفاقم الكارثة الإنسانية. أمّا هيئات البث العام، فحافظت عموماً على خطاب توازني يركز على المعلومات والتحليل، مع استضافة طيف واسع من الآراء. وبين التحذير من حرب شاملة والدعوة إلى الدبلوماسية، بدا المزاج الإعلامي العام في كوبنهاغن وستوكهولم وأوسلو وهلسنكي ميّالاً إلى كبح التصعيد قبل أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة بين قوى إقليمية ودولية، إدراكاً بأن اشتعال الشرق الأوسط لا يبقى محصوراً في حدوده، بل يمتد أثره إلى أسعار الوقود في الشمال الأوروبي، وأمن الملاحة، وحسابات الردع داخل الناتو ذاته.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية