عربي
في صبيحة أحد الأيام، وقف فلاح مصري في إحدى قرى المنوفية يحدق في إصبعه المبتور. لم تكن الحادثة إصابة عمل، إنما فعل احتجاج يائس، إذ قطع الرجل سبابته بيده ليعجز عن الضغط على زناد البندقية، ظناً منه أن هذا التشويه الذاتي سيمنحه صك الغفران من الجهادية. لم يتوقع هذا الفلاح أنه سيجد نفسه بعدها وسط فريق كامل من أصحاب العاهات ضمن جماعة قتالية خاصة. هذا المشهد المجهري، الذي يفتتح به أستاذ التاريخ والباحث المصري خالد فهمي كتابه الأحدث "ولي النعم.. محمد علي باشا وعالمه" (دار الشروق/ ترجمة محمد هوجلا- كلفت، 2026)، ليمثل المدخل الحقيقي لفهم ماهية نهضة الدولة الحديثة التي عرفتها مصر في القرن التاسع عشر، وكيفية تشكيل الجسد ليصير ترساً في ماكينة لم يملك المصريون فيها حق الإدارة أو الحلم.
صناعة التاريخ الإقصائي
حين نعود إلى أطروحة ميشيل رولف ترويو في كتابه "إسكات الماضي"، ندرك أن التاريخ هو ما تقرره السلطة من حذف وإقصاء أو ترسيخ. ينحاز فهمي إلى تفكيك هذا التاريخ فالسردية التاريخية التي ورثناها في المدارس المصرية، والتي تتغنى بمشروع محمد علي، انخرطت في عملية إسكات كبرى لوقائع أقرتها وثائق ومراسلات مخفية كما وُئِد أنين الفلاحين تحت ضجيج المدافع، وطُمرت قصص عمال السخرة تحت أحجار القناطر الخيرية.
يتساءل المؤلف: لماذا ظل المؤرخون يسألون "أين أخطأ محمد علي؟" ولم يسألوا "ماذا فعل محمد علي بنا؟". إن تبني سؤال "الخطأ" يفترض مسبقاً وجود مشروع وطني أُجهض بفعل المؤامرة الخارجية، وهو ما يفنّده الكتاب عبر تبيان أن المشروع كان ناجحاً تماماً بمقاييس صاحبه. الإسكات هنا طاول "الأجساد" التي سقطت من الذاكرة الرسمية لتستقر في أرشيفات المحاكم العسكرية والمستشفيات، وهي الأرشيفات التي يعيد فهمي فتحها لينطقها من جديد، محولاً التاريخ من سيرة "أبطال" إلى سيرة "محكومين".
الدولة بصفتها أثراً تنظيمياً
يتقاطع الكتاب بشكل عضوي مع أطروحات تيموثي ميتشل في "استعمار مصر"، الذي يرى أن الدولة الحديثة تتشكل عبر شبكات من الانضباط والمراقبة ولا تظهر فجأة بوصفها كياناً مادياً، كما فعل محمد علي الذي لم يؤسس المدارس والمستشفيات رغبة في تنوير الشعب أو تطبيبه، إنما باتت هذه المؤسسات أدوات لإنتاج "أثر الدولة". المستشفى العسكري في أبو زعبل لم يطمح إلى أنسنة الاستشفاء وإتاحته للتسامي بالمواطن، إنما كان ورشة لترميم الأجساد المعطوبة وإعادتها إلى ساحات القتال، ولم ينحز التعليم إلا إلى سياسة تفريخ الموظفين القادرين على قراءة الأوامر العسكرية وتنفيذ جداول الجباية.
بدت المؤسسات قشرة خارجية صلبة داخل منظومة البيروقراطية
هذا المنظور يفسر لنا لماذا بدت المؤسسات مجهدة ومنهارة إدارياً بمجرد رحيل الباشا؛ إذ هي في الأساس قشرة خارجية صلبة داخل منظومة البيروقراطية، والتي يحللها فهمي في ضوء أبحاث عماد أبو غازي حول البنية الإدارية، فكانت بيروقراطية "اعتصار" تهدف إلى إحصاء كل رأس فلاح وكل فدان أرض لضمان أقصى إنتاجية ممكنة لصالح "ولي النعم"، فالتعدادات السكانية الأولى هدفت إلى إحصاء الغنائم البشرية لضمان عدم الهروب من قبضة التجنيد أو الضريبة لا أملاً في تقدير الفرد في محيطه.
أوهام القومية وحقيقة العزبة المقدونية
ويفجر فهمي واحدة من أكثر التساؤلات المعرفية حدة حين يتناول أصول محمد علي. هو الرجل المقدوني الذي لم يتقن العربية، ولم يكن يرى في مصر وطناً بالمعنى الحديث، فالصورة الذهنية التي رسمها التأريخ القومي لمحمد علي باعتباره بطلاً استقلالياً هي محض إسقاط لوعي القرن العشرين على القرن التاسع عشر. لقد كان محمد علي رجلاً عثماني الولاء بامتياز، يتحرك داخل فلك السلطنة، وكانت أقصى طموحاته تأمين "بيت أسري" داخل المنظومة الحاكمة.
أما مصر في رسائل الباشا فهي الضيعة أو العزبة وسكانها لم يكونوا مواطنين بل أدوات لتعظيم الإنتاج، حين يكتب محمد علي لمفتش الفابريقات (المصانع) واصفاً الفلاح بأنه "ولي نعمته" إلى جانب السلطان، فهو يمارس لعباً بالألفاظ يكشف حقيقة نظرته؛ الفلاح ولي نعمة لأنه المصدر الوحيد للثروة، تماماً كما أن البقرة هي ولي نعمة صاحبها لأنها تمنحه اللبن، وهذا المنطق النفعي الصرف يفسر القسوة التي عومل بها المصريون؛ فالاستثمار في رفاهيتهم بقدر ما يؤدي إلى زيادة قدرتهم على العمل والحرب.
استغلال الحروب وسياسات التقشف القسري
يتعمق الكتاب في تحليل السياسة الاقتصادية للباشا، موضحاً كيف استثمر محمد علي الأزمات الدولية لبناء ثروته، حيث استغل تقلبات السوق العالمية، خاصة الطلب المتزايد على القطن، ليفرض نظام احتكار سحق التجار المحليين وحول الفلاحين إلى عمال زراعيين في أرض لم يعودوا يملكونها. الحالة الاقتصادية التي وصفت بأنها جيدة في عهده كانت في الحقيقة رواجاً في خزانة الباشا يقابله تقشف وقحط في بيوت المصريين.
كانت فرنسا في حاجة إلى حليف قوي يكسر شوكة الإنكليز في المتوسط
لم يكن محمد علي مهتماً ببناء اقتصاد وطني بقدر اهتمامه بتوفير السيولة اللازمة لشراء الأسلحة وبناء السفن، فالحروب التي خاضها، من اليونان إلى الشام، خاضها الفلاحون الذين سُحبوا من حقولهم ليُقادوا إلى جبهات قتال لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ومع هذه التوسعات الحربية تتشابك علاقة محمد علي بابنه إبراهيم باشا، الذي كان الأداة العسكرية المخلصة ومثّل في الوقت نفسه مصدر قلق لوالده. صوّر فهمي كيف حاول محمد علي كبح طموحات ابنه التي كادت تودي بالبيت العثماني كله، وكيف انقلبت الأدوار في سنوات الباشا الأخيرة حين فقد السيطرة على أعصابه، ليصبح إبراهيم هو القائد الفعلي الذي يحاول لملمة شتات "العزبة" المنهكة.
الدور الفرنسي ونابليون الشرقي
لعبت فرنسا دوراً حاسماً في دعم محمد علي، لا لرغبة منها في تحرر مصر، إنما لأنها وجدت فيه نسخة شرقية من نابليون، إذ كانت في حاجة إلى حليف قوي يكسر شوكة الإنكليز في المتوسط، ويؤمن لها ظهيراً في طموحاتها الاستعمارية في شمال أفريقيا، وتحديداً خلال احتلالها للجزائر عام 1830. الدعم الفرنسي للمشروع الخديوي كان مشروطاً بمدى قدرة الباشا على لعب دور الوكيل الإقليمي، والنهضة التي تنسب إلى محمد علي كانت في كثير من جوانبها تحديثاً وظيفياً تحت إشراف خبراء فرنسيين.
* ناقدة ومترجمة مصرية

أخبار ذات صلة.
نتنياهو مستغلاً فوضى الحرب
العربي الجديد
منذ 4 دقائق
طرق حيوية تربط السعودية بدول الخليج
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق