عربي
بدأ الصراع الأفغاني ـ الباكستاني يتخذ منحى غير متوقع مع شروع حكومة طالبان في تنفيذ المرحلة الثانية من عملياتها ضد القوات الباكستانية. وباتت المسيّرات الأفغانية تصل بشكل دوري إلى العمق الباكستاني، وأصاب عدد منها مراكز حساسة وعسكرية، من بينها مركز أمني في فيض أباد بالعاصمة الباكستانية إسلام أباد، وقواعد عسكرية في مدينة نوشهره، وإيبت أباد، وبنو، وصوابي. ولمّا أعلنت وزارة الدفاع الأفغانية توجيه المسيّرات الأفغانية المحمّلة بـ50 كيلوغراماً من المتفجرات نحو مختلف المدن الباكستانية، نفت الحكومة الباكستانية تلك الأنباء، لكن وزارة الإعلام هناك، أعلنت لاحقاً في بيان، أن هناك محاولات باستهداف بعض المواقع العسكرية بالمسيّرات، وأكدت أنّ المسيّرات الأفغانية تعود إلى طالبان الباكستانية، ولا صلة للحكومة الأفغانية بها. لكن وزارة الدفاع الأفغانية أكدت أن سلاح الجو الأفغاني استهدف بالمسيّرات مراكز أمنية عديدة في المدن الباكستانية، منها إسلام أباد، وهو ما جعل الداخلية الباكستانية تحظر استخدام كل أنواع المسيّرات الصغيرة والكبيرة لأي غرض كان، حتى إشعار آخر.
هجمات المسيّرات الأفغانية
ورأى المحلل الأمني الباكستاني فرهاد علي وزير، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن سقوط عشرات المسيّرات الأفغانية على مواقع عسكرية مختلفة في شمال غرب باكستان، منها مدينة بنو ومدينة نوشهره، ومدينة إيبت أباد، ومدينة صوابي، ووقوع انفجارات متتالية بالقرب من تلك المراكز أو داخلها، أثار الخوف في صفوف المدنيين، وحتى داخل القوات الأمنية. وأوضح أن المواطنين لا يعتمدون على ما تقوله الحكومة، لأنهم يرون ما يحدث، لقد أصابت مسيّرة مركزاً أمنياً في مدينة بنو، ووقع انفجار داخل المركز، وتلك المسيّرات الأفغانية غير موجودة مع طالبان الباكستانية. بالتالي الجيش الباكستاني انخرط بنفسه في حرب غير ضرورية، ولا تنفع باكستان، وكانت مطلباً أميركياً بالدرجة الأولى، وسيصبح أبناؤنا وقوداً لها.
فرهاد علي وزير: الجيش الباكستاني انخرط بنفسه في حرب غير ضرورية
وبرأي علي وزير، فإن الهجوم بهذه المسيّرات الأفغانية في العمق الباكستاني، إذا ارتفعت وتيرته، سيُحدث انفجاراً شعبياً كبيراً. الجميع يعرف أن الجيش الباكستاني هو من أشعل الحرب، ويجرّ حكومة طالبان إليها لمصلحة قوى عالمية، تحديداً أميركا، ظناً منها أن حكومة طالبان لن يكون عندها ما يهدد أمن باكستان، ولكن الآن فهمت. ولا أدري ما إذا كان ما يقوله (المتحدث الرسمي باسم حكومة طالبان) ذبيح الله مجاهد صحيحاً، وهو أن لديهم ما سيدمر إسلام أباد، وهناك الحديث عن الصواريخ الباليستية، فلو فعلاً لدى أفغانستان تلك الصواريخ، فبالتأكيد ستستخدمها، لأن لديهم جرأة فائقة، وستواجه بلادنا ما لا نريده ولا نتوقعه. وكان ذبيح الله مجاهد قد أكد الجمعة الماضي، أن لدى بلاده إمكانات كبيرة لاستهداف أي مكان في باكستان، مشدّداً على أنه لن تُترك لباكستان إرادة المساس بأمن أفغانستان، "لدينا خطط منسقة ستدهش الجانب الباكستاني" على حد تعبيره.
من جهته، قال الإعلامي الباكستاني المخضرم رحمان بونيري، المقيم في أميركا على قناته على موقع يوتيوب، إن استهداف المواقع العسكرية الحساسة في العمق الباكستاني، أصبح أمراً معلوماً، مهما حاولت السلطات الباكستانية إخفاءه عن الناس. إنها ظاهرة خطيرة، مؤكداً أن إستهداف اسلام أباد ونوشهره وإيبت أباد وبنو، وهي مدن شبه عسكرية، بمسيّرات من دون أن تتصدى لها الدفاعات الجوية الباكستانية، أدهش صنّاع القرار في باكستان. ولفت إلى أنه على عكس ما تقول الحكومة، فإن المسيّرات الأفغانية التي استخدمت لم تكن صغيرة، بل طولها ثمانية أقدام (2.44 متر)، وهي تحمل 50 كيلوغراماً من المتفجرات، وتصل إلى مديات بعيدة.
في السياق، كشف مصدر يعمل في الدعم الفني والتقني في حركة طالبان، لـ"العربي الجديد"، أن لدى حكومة طالبان أنواعاً من المسيّرات الأفغانية، وهي بالمئات، وأن الفريق التقني المخول، أجرى مناورات قبل أربعة أشهر شملت المسيّرات الأفغانية في مدينة قندهار، حيث كان زعيم الحركة الملا هيبت الله أخوندزاده موجوداً مع قيادات أخرى. وأوضح المصدر أن قوات الجيش الأفغاني لم تستخدم إلا نوعاً واحداً من المسيّرات حتى الآن. وحول صناعة تلك المسيّرات، قال إن 70% من تلك المسيّرات من صناعة أفغانية و30% من الخارج، لأننا بحاجة إلى بعض الأشياء.
صواريخ باليستية في جعبة أفغانستان
وقال المصدر إن الجيش الأفغاني يمتلك صواريخ باليستية أيضاً، وإنه شاهد صواريخ سكود الباليستية، وعددها بحدود 190 صاروخاً. كذلك هناك صواريخ أخرى طويلة المدى، وقد وصلت في الفترة الأخيرة إلى يد القوات المسلحة. وأوضح أن زعيم الحركة الملا هيبت الله أخوند زاده، حاول قدر الإمكان تفادي وقوع الحرب، مانعاً وزير الدفاع الملا يعقوب ووزير الداخلية المولوي سراج الدين حقاني وقائد الجيش قاري فصيح الدين فطرت، من القيام بالعمليات في بعض الأحيان. لكن حين تبين له أن الجيش الباكستاني لا يريد حل المشكلة، بل حرباً بالوكالة عن أميركا وعن رئيسها دونالد ترامب، حينها قرر القيام بكل ما يردع الجيش الباكستاني، وخصوصاً أن بعض جنرالات الجيش الباكستاني وبعض المقربين من المؤسسة العسكرية الباكستانية، أكدوا أن ما تركته القوات الأميركية غير مكتمل في أفغانستان، وعلى الجيش الباكستاني أن يكمله، وهو القضاء على طالبان.
في غضون ذلك، أعلنت حركة طالبان الباكستانية وجماعة الأحرار النفير العام لمسلحيها وشن "عمليات الدفاع عن الإمارة الإسلامية"، أي حكومة طالبان الأفغانية. وأعلن التنظيمان أن تلك العمليات ستمتد إلى كل المدن الباكستانية، وسيساهم فيها كل الأفرع والعناصر الموجودين في الميدان وجبهات القتال. كذلك أصدر زعيم طالبان الباكستانية، المفتي نور ولي، تسجيلاً صوتياً لمسلحي الحركة، قال فيها إن عليكم أن تنفذوا الهجمات والعمليات في الليل وفي النهار وبشكل قوي جداً ضد الجيش الباكستاني والقوات الأمنية، دفاعاً عن حكومة طالبان. ومنذ ذلك الإعلان، تعرّض مركز للجيش لهجوم بسيارة مفخخة في شمال وزيرستان، وتعرضت ثلاثة مراكز للشرطة، أحدها في مدينة بشاور، لهجوم مسلح كبير، علاوة على تجول مسلحي طالبان في مختلف مدن شمال غرب باكستان، وتحديداً مدينة بيشاور وبنو وصوابي ومردان.
وقال أحد سكان منطقة سفيد دهيري في مدينة بشاور، ظفر علي لـ"العربي الجديد"، إنه منذ أيام نرى مئات المسلحين على دراجات نارية تجول وتصول في الشوارع والأحياء بمدينة بيشاور، والشرطة الباكستانية تتجنب المرور في الطرق والأماكن التي تشتبه في وجود مسلحين فيها. هذه المناطق كلها بيد مسلحي طالبان الباكستانية و50% منهم أفغان، ولديهم أسلحة متطورة، وفعلاً الناس في حالة خوف شديدة.
إلى ذلك، لوحظ انزعاج شديد بين النخبة في باكستان من دبلوماسيين وسياسيين، من الحرب مع أفغانستان، وقرارات الجيش الباكستاني إزاءها. على سبيل المثال، قال الدبلوماسي الباكستاني عبد الباسط حفيظ، الذي شغل منصب المتحدث باسم الخارجية الباكستانية، وعمل سفيراً لباكستان في عدد من الدول، في تصريحات لقنوات باكستانية، إن ما حدث مقلق للغاية، وما كان من المفروض أن يحدث. وأعرب عن أسفه الشديد حيال تصرفات بعض المسؤولين الباكستانيين، مشيراً إلى أنه لا يدري من أوصى وزير الدفاع خواجه آصف، بأن يعلن حرباً مفتوحة مع أفغانستان، هذا الإعلان خطير جداً.
كذلك، قال رئيس الوزراء الباكستاني السابق أنوار الحق كاكر في تسجيل مصور أرسله إلى وسائل الإعلام، إنه يتعين "علينا جميعاً أن نحل الصراع مع جارتنا أفغانستان". وأضاف: "مهما تقاتلنا، فأخيراً سنجلس إلى طاولة الحوار، وسنحل مشاكلنا عبر الحوار". وأكد كاكر أن على باكستان أن تقدم تنازلات "حتى نصل إلى حل دائم مع أفغانستان ونعيد المياه إلى مجاريها، وعلى أفغانستان تليين موقفها وتقديم بعض التنازلات كي نعيش معاً، هذه الحرب نخسرها جميعاً، نحن جميعاً متضررون. علينا أن نصل إلى حل عاجل لطي هذه الصفحة إلى الأبد. أفغانستان دولة مستقلة، وهي جارة لنا، ولا نريد الحرب معها".
مصدر في حركة طالبان: الجيش الأفغاني يمتلك نحو 190 صاروخاً باليستياً
الاستفادة الأميركية من الحرب
من جهته، قال الإعلامي المخضرم نجم سيتهي في حديث له مع قناة سماء، إن ما يحدث بين أفغانستان وباكستان محاولة لإيجاد موطئ قدم للولايات المتحدة، وهي تريد أن تعود إلى المنطقة من أجل التصدي لمشاريع الصين والروس وتهديدهما، وما يحدث فعلاً مؤسف للغاية.
في المقابل، تعلو نبرة التهديدات في أفغانستان. وقال سفير أفغانستان السابق، القيادي السابق في طالبان الأفغانية، الملا عبد السلام ضعيف، في تصريحات صحافية، إن باكستان ارتكبت خطأً كبيراً، يبدو أنها كانت مغترة بترسانتها النووية وبسلاحها المتطور، نحن لا نملك سلاحاً متطوراً كما تملك باكستان، لكن نقول إن أيادينا تصل في أي لحظة إلى رقبة باكستان، وقد وصلت أيادينا إلى هناك، وهذا أخطر من أن نملك سلاحاً نوعياً.
أما المحلل السياسي الباكستاني محمد أعظم خان، فرأى في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن باكستان لا تستطيع إطالة أمد الحرب، ولا تستطيع أن تستمر في هذه الحرب. وتساءل: "كيف يمكن للجيش الباكستاني أن يقاتل جيشاً (أفغانياً) يحمل الجندي فيه خبزاً جافاً في جعبته ويقاتل وهو يرتدي أحذية بلاستيكية، ولا يهمه الراتب ولا منافع دنيوية، وقياداته معه في الصف. هذا الجيش لا يكلف شيئاً، بل يقاتل من أجل عقيدة (بغض النظر عن كونهم على خطأ أو على صواب)، لديهم نفس طويل للقتال، صبروا 20 سنة في القتال ضد الأميركيين، ولكن الجيش الباكستاني لا يستطيع أن يفعل ذلك، من هنا علينا أن نسعى لحل المعضلة".
