عربي
تُعرض حالياً في التلفزيون العُماني حلقات مسلسل "القافر"، عن رواية الكاتب العُماني زهران القاسمي "تغريبة القافر" (دار رشم للنشر والتوزيع، تونس، 2022). امتاز المسلسل بعدد مشاهدات ملحوظ، ربّما لأنه يحمل طبيعة المغامرة الجديدة في الدراما العُمانية، ليس على مستوى انتماء قصّة المسلسل إلى عمل سردي فحسب، وإنما أيضاً في فتح المجال لوجوه جديدة لم يعهدها المتفرّج من قبل قياساً إلى الوجوه الرائدة المألوفة من الممثّلين العُمانيين. ويتّضح أنّ لدى هذه الوجوه الجديدة طاقات في التمثيل تحتاج إتاحة الفرصة، والمسلسل في هذا السياق يُعدّ خطوةً مهمّةً ولبنةً يمكن البناء عليها مستقبلاً، خصوصاً في انفتاح الدراما العُمانية على السرد؛ وربّما يحدث هذا للمرّة الأولى تلفزيونياً. هناك سيلاحظ القارئ أيضاً ما يزخر به المسلسل من تفاصيل القرية العُمانية التقليدية، إذ كان موضع التصوير في واحدةٍ من القرى القديمة التي ساهم المسلسل في إنعاشها في ذهن المتفرّج عبر تسليط الضوء عليها درامياً.
كتب حوار وسيناريو المسلسل، زهران القاسمي، وأخرجه السوري تامر إسحاق، ومن بطولة محمّد العامري، ويعقوب الحارثي، وسعود الخنجري، وسميرة الوهيبي، وعبد السلام التميمي، وعبد الله شنون، وخالد المعني، وغيرهم من ممثّلين وممثّلات وأطفال، مثل الطفل فارس الرواحي الذي مثّل دور "القافر" وهو صغير.
تدور الرواية التي أُخذ منها المسلسل ("تغريبة القافر"، فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية) حول الماء: جفافاً ورغبة، من خلال "القافر" بطل المسلسل، وبطل الرواية من قبل. هذا البطل يمتلك حاسّةَ سمع شديدة الحساسية أهَّلته لأن يكون "قافراً"، أي متتبّعاً للمسالك السرّية للماء تحت الأرض. بدأ المسلسل بالماء من خلال غرق والدة "سالم" وهي حامل به في الشهر التاسع، وحين جرى إنقاذها تحيّر أهل القرية بين دفنها أو محاولة استخراج الجنين من بطنها. كان من الذين رجّحوا دفنها شيخ القرية، الذي أدّى في المسلسل دور الشرير الظالم لأهله، ولكن إمام مسجد القرية تدخّل برأي حازم يتعلّق باستخراج الجنين وهو يردّد الآية: "يخرج الحيَّ من الميت"، لينشأ "القافر" بين مربيته ووالده. يشقّ بعد ذلك رحلة الشقاء في قرية تتنازعها الخلافات والشدّ والجذب، فيولّي وجهه عن النزاعات باتجاه حلمه لإيجاد الماء وإنقاذ محيطه من العطش، إلى أن يصل فيجده، لينفجر الماء ويملأ المحيط من حوله.
كان الحوار باللهجة العُمانية، رغم أن ثمّة ثراء في اللهجات العُمانية وتنوّعاً حسب المناطق التي ينتمي إليها الممثلون؛ يتضح ذلك من اللهجة الخاصّة بين لهجة العاصمة مسقط واللهجات البحرية والصحراوية والجبلية، فجاء المسلسل بوتقةً لعرض هذه اللهجات العُمانية المتنوعة من دون تأثير في فهم المتفرّج، طالما أنها في النهاية جميعها تنتمي إلى اللغة الأم (العربية).
هذه المغامرة بتحويل رواية متوسّطة الحجم إلى مسلسل يومي استدعت من الطاقم الفنّي إضافةَ أبطال آخرين إلى البطل الأصلي ورجال ونساء القرية. وهنا يمكن الحديث عن الوقفات الوصفية التأملية للطبيعة العُمانية القديمة التي وفّرتها البيئة بتنوّعها، وكذلك وفّرتها مفردات الحياة العُمانية القديمة التي حاول التصوير في المسلسل محاكاتها وتقريبها؛ مثل الأضواء الخافتة التي بثتها القناديل القديمة وضوء القمر في الليل، وطبيعة الحياة البسيطة في الأسواق التقليدية حيث تموج الحركة في الحيّز الضيّق من السوق، وتعلو الأصوات، ويتراكض الصغار ذهاباً وإياباً. ... وكان التصوير، إذن، أحد أبطال المسلسل، الذي نقل الدراما العُمانية إلى ضفّة جديدة، وفتح صفحةً مهمّةً في هذا السياق، وهناك أيضاً الموسيقى التصويرية المصاحبة لتفاعل المشاهد.
لا بدّ من أنّ ملاحظات عديدة كُتبت عن المسلسل بقصد تجاوزها في التجارب اللاحقة، ولكن هذه الخطوة بحدّ ذاتها تشكّل نقلةً حقيقيةً للدراما العُمانية. سأل كاتب هذه السطور بعض الأطفال: هل تشاهدون مسلسل "القافر"؟ وكانت الإجابة: "أيوا" لعديدين منهم. ومع تنوّع وسائل المشاهدة صارت الحلقات تُنقل عبر "واتساب"، ما يدلّ على التفاعل المتعدّد إلى جانب تنامي الإيقاع التشويقي للحلقات مع تقدّم الأيام وتقدّم المشاهد.
