عربي
تعيش المؤسسات والأسواق المصرية حالة استنفار واسعة لمواجهة تداعيات الحرب الأميركية/ الإسرائيلية على إيران، في ظل تأثرها المتزامن بصعود أسعار الغاز والنفط والذهب والسلع الأساسية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن البحري وصعود الدولار، بما يعكس موجة ضغوط مركبة تضرب مختلف مفاصل الاقتصاد.
وتحرك سعر الدولار أمس، ليسجل 48.8 جنيهاً، مقانرة بنحو 48 جنيهاً أول من أمس،، وعكست الأسواق الموازية صورة أكثر توتراً؛ إذ ارتفعت أسعار الذهب في السوق المحلية بنسب تفوق المعدلات العالمية، وقفز سعر الدولار في سوق الصاغة إلى 50.14 جنيهاً، وهو ما اعتبره متعاملون مؤشراً واضحاً على تنامي المخاوف بشأن تدفقات النقد الأجنبي، وهو ما اعتبره متعاملون مؤشراً واضحاً على تنامي المخاوف بشأن تدفقات النقد الأجنبي.
ارتفاع فاتورة الواردات
يرى خبراء في الغرف الصناعية والسياحية أن الأسواق المصرية تتأثر حالياً بتوقعات ارتفاع فاتورة الواردات لتأمين احتياجات البلاد من الطاقة والسلع الغذائية ومستلزمات الإنتاج، فضلاً عن احتمالات تراجع إيرادات الدولة من العملة الصعبة، في ظل استمرار توقف عدد من رحلات الطيران إلى دول الخليج ومنطقة شرق آسيا، مع مخاوف من امتداد ذلك إلى أسواق سياحية أخرى شهدت انتعاشاً ملحوظاً منذ بداية العام الجاري.
وفي تحرك حكومي سريع لاحتواء التداعيات، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تفعيل حزمة من الإجراءات الاستباقية لتأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية، وذلك عقب إعلان إسرائيل وقف ضخ الغاز الطبيعي من حقلي "تمار" و"ليفياثان" لأجل غير مسمى، على خلفية التصعيد العسكري وتفعيل بند "القوة القاهرة".
وقد سبَّب هذا التوقف المفاجئ فقدان مصر نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز، وهو ما يمثل جزءاً مهماً من الإمدادات التي تعتمد عليها لسد الفجوة بين الإنتاج المحلي، المقدر بنحو 4.1 مليارات قدم مكعبة يومياً، وحجم الاستهلاك الذي يناهز 6.2 مليارات قدم مكعبة يومياً. ويُذكر أن نحو 80% من محطات توليد الكهرباء في مصر تعمل بالغاز الطبيعي، ما يضع منظومة الطاقة أمام اختبار بالغ الحساسية، خاصة في ضوء نمو واردات الغاز الإسرائيلي بنسبة 8% خلال العام الماضي.
وعلى الصعيد التنفيذي، سارعت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية إلى طمأنة المواطنين بعدم العودة إلى سياسة "تخفيف الأحمال"، مؤكدة أن الشبكة القومية للكهرباء مستقرة، ومستندة في ذلك إلى رفع إمدادات المازوت لمحطات التوليد بنسبة 333%، إذ زادت الكميات من ستة آلاف طن يومياً إلى 26 ألف طن يومياً. كما تم تفعيل وحدات تعمل بنظام الوقود المزدوج بقدرة إجمالية تبلغ 2500 ميغاوات في محطات أسيوط الوليدية، وغرب سيدي كرير، وغرب القاهرة، والكريمات، مع تسجيل حمل أقصى للشبكة بلغ 32 ألف ميغاوات، وهو مستوى اعتبرته الوزارة آمناً في ظل إجراءات التشغيل المرن.
وفي بيان رسمي، أكدت وزارة البترول أنها تتابع "عن كثب" تداعيات الضربات العسكرية وتوقف إمدادات شرق المتوسط، مشيرة إلى أن التنسيق الكامل مع وزارة الكهرباء ومختلف أجهزة الدولة أتاح "جاهزية كاملة للمناورة" عبر تنويع مصادر الإمداد.
وأوضحت أن التجربة السابقة خلال عام 2025، الذي شهد تراجعاً في إمدادات الغاز من إسرائيل وزيادة ملحوظة في الطلب المحلي، دفعت إلى التوسع في التعاقدات طويلة الأجل لاستيراد الغاز المسال من شركات عالمية، بهدف تقليل الاعتماد على مصدر واحد.
وأشارت الوزارة إلى أن مصر تمتلك حالياً بنية تحتية متطورة تشمل سفناً لتحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية (التغييز)، من بينها سفن نرويجية وألمانية مثل "هوج" و"إنيرجوس باور" و"إسكيمو"، تعمل في موانئ السخنة ودمياط والعقبة، بطاقة إجمالية تصل إلى ملياري قدم مكعبة يومياً. وأكدت أن هذه السفن تعمل بكامل طاقتها لتعويض النقص في الإمدادات، إلى جانب استمرار سداد مستحقات الشركاء الأجانب لضمان انتظام عمليات الاستكشاف والإنتاج المحلي، باعتبارها ركيزة أساسية للأمن القومي في مجال الطاقة.
كما شددت الوزارة على تكوين "أرصدة استراتيجية آمنة" من البنزين والسولار والبوتاغاز، عبر زيادة معدلات التكرير في المعامل المحلية، والاستغلال الأمثل لشبكة المستودعات والصهاريج المنتشرة في مختلف أنحاء الجمهورية، فضلاً عن تأمين شحنات مستوردة إضافية تحسباً لأي طارئ قد يؤثر في استقرار السوق.
من جانبه، قال رئيس غرفة الصناعات الهندسية في اتحاد الصناعات المصرية، محمد المهندس، إن شركات الكهرباء والغاز ملتزمة حتى الآن بتوفير الإمدادات الطبيعية للمصانع وفق الاحتياجات المعتادة، مؤكداً وجود تنسيق دائم بين الجهات الحكومية والاتحاد لوضع سيناريوهات بديلة في حال استمرار الحرب، بما يضمن توفير بدائل للطاقة والحفاظ على الطاقات الإنتاجية للمصانع وعدم تعطل خطوط الإنتاج.
خسائر حادة للبورصة
وفي سياق موازٍ، تكبدت البورصة المصرية خسائر حادة خلال تداولات أمس الأحد، إذ جرى محو أكثر من 100 مليار جنيه من القيمة السوقية للأسهم المتداولة خلال دقائق، في واحدة من أسرع موجات البيع هذا العام. وقد دفعت هذه التراجعات إدارة البورصة إلى إيقاف التداول على أكثر من 50 سهماً بعد انخفاضات تجاوزت 5.7%، متخطية الحد الأقصى المسموح به للتراجع في الجلسة الواحدة والبالغ 5%.
وأكد محلل مالي أن هذا الهبوط جاء في ظل تصاعد المخاوف الجيوسياسية المرتبطة بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ما دفع المستثمرين في الأسواق الناشئة إلى التخارج السريع من الأصول عالية المخاطر. وأوضح أن السوق المصرية كانت قد دخلت بالفعل في مسار هبوطي خلال الأيام السابقة، نتيجة ضعف السيولة وتزايد عمليات جني الأرباح، قبل أن تأتي الصدمة الجيوسياسية لتعمّق من حدة التراجع وتمحو جزءاً كبيراً من المكاسب المحققة منذ بداية العام.
وأشار متعاملون إلى أن الصناديق الأجنبية نفذت أوامر بيع مكثفة منذ بداية الجلسة الصباحية، في حين اتجهت المحافظ المحلية إلى تقليل المخاطر عبر تحويل جزء من السيولة إلى أدوات الدين قصيرة الأجل. كما تزامن ذلك مع حالة ترقب لتوجهات الحكومة بشأن ملفات الطاقة والضرائب وأسعار الفائدة، ما خلق بيئة استثمارية أكثر هشاشة زادت سوءاً مع تفاقم التطورات الإقليمية.
يرى محللون أن استمرار حالة الحرب في منطقة الخليج قد يبقي الأسواق تحت ضغط في الجلسات المقبلة، ما لم تتضح آليات تعامل الحكومة مع ارتفاع أسعار الطاقة وتوفير السيولة الدولارية اللازمة لاستيراد السلع الأساسية. كما أن ارتفاع أسعار النفط قد ينعكس على توقعات التضخم في مصر، ويحدّ من قدرة البنك المركزي على تخفيف السياسة النقدية في الأجل القريب، خاصة مع توقع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
