عربي
عندما تُذكر مدينة الدار البيضاء المغربية، غالباً لا يكون الأمر مرتبطاً بالتراث؛ فهي العاصمة الاقتصادية للبلاد، مدينة المصانع والدخان والإسمنت في عقول كثيرين. كذلك، يتفادى عدد غير قليل الخروج فيها ليلاً، لمخاوفهم الأمنية. فماذا لو كان للمدينة تراث يستطيع الناس زيارته ليلاً؟ هذه فكرة ليالي تراث الدار البيضاء المتمثّلة في جولات ليلية تجعل الناس يكتشفون تراث المدينة ويعيدون اكتشاف هويتهم من خلاله.
تعود ليالي تراث الدار البيضاء في دورة سادسة هذا العام، ممتدة لعشرة أيام، من 26 فبراير/ شباط إلى 8 مارس/ آذار الحالي. سيكتشف سكان المدينة الاقتصادية وزوارها تراثها من خلال جولات ليلية، لكن كذلك من خلال عروض سينمائية، وورشات، وموائد مستديرة، وأمسيات فنية. جميع هذه البرامج مجانية، من أجل تحويل شهر رمضان إلى لحظة ثقافية ليلية في قلب الدار البيضاء.
خلال الدورات السابقة، استقبلت ليالي تراث الدار البيضاء آلاف الزوار، بمشاركة مئات المتطوعين، وفتح عدد مهم من المواقع التاريخية أمام العموم. وبحسب جمعية كازاميموار المنظمة للحدث، سجلت الدورة السابقة حوالى 3500 زائر، بمشاركة 150 مرشداً متطوعاً.
مُدّدت ليالي تراث الدار البيضاء من ثلاثة إلى عشرة أيام، مع تنوّع في البرمجة بين جولات مؤطرة، ولقاءات مفتوحة، وورشات تفاعلية، وعروض أفلام. وافتُتح برنامجها الخميس الماضي بعرض سلسلة وثائقيات بعنوان "أنا بيضاوي: ذاكرة الدار البيضاء" للمخرج المغربي نور الدين الخماري، وهو حدث يمكن حضوره من دون تسجيل مسبق. ثم تبدأ الجولات الليلية من الجمعة في المدينة القديمة وحيّ الأحباس التراثي ومركز المدينة بين الساعة التاسعة والحادية عشرة ليلاً. الجولات الليلية استمرّت يوم السبت أيضاً وفي التوقيت نفسه ليلاً.
View this post on Instagram
A post shared by Jamil 📸 (@jamil_meriem14)
(محكمة الباشا في الدار البيضاء)
وتُنظّم اليوم الأحد ورشة لرقمنة الذاكرة البصرية للمدينة وأرشفتها. أما اليوم (2 مارس) فستُنظم ورشة عمل تستكشف تاريخ المدينة القديمة وتحوّلاتها انطلاقاً من الأرشيفات والتجارب المعيشة، وذلك ابتداءً من الساعة التاسعة ليلاً.
سيكون على زوار الدار البيضاء وسكانها الانتظار حتى 4 مارس/ آذار من أجل حضور أمسية مفتوحة تجمع بين الشعر والموسيقى وفن الكلام (الصلام)، وذلك ابتداءً من الثامنة والنصف، وفي اليوم التالي تعود سلسلة وثائقيات "أنا بيضاوي: ذاكرة الدار البيضاء" لنور الدين الخماري عند الثامنة والنصف أيضاً. في الليلة نفسها، سيكون الزوار والساكنة على موعد مع استراحة موسيقية يصفها المنظمون بأنها "تجربة صوتية غامرة ستأخذك في رحلة إلى قلب عالم آسر".
تعود الجولات الليلية يوم 6 مارس في المناطق الليلية الثلاث نفسها وفي التوقيت نفسه بين التاسعة والحادية عشرة ليلاً، ليكون الحضور في اليوم التالي على موعد مع معرض "يبحث في الحياة في المدينة من خلال هياكل مرتجلة" عند الساعة التاسعة ليلاً، وهو التوقيت نفسه الذي يبدأ فيه المزيد من الجولات الليلية في المناطق التراثية في الدار البيضاء. وعندما يأتي اليوم الأخير من ليالي تراث الدار البيضاء في 8 مارس، سيكون الجميع على موعد مع أمسية فنية وعد بها المنظمون من دون الكشف عن تفاصيلها حتى حدود كتابة هذه السطور.
View this post on Instagram
A post shared by Agence MAP (@agence_map)
(السقالة في الدار البيضاء)
يقول مدير المشاريع في جمعية كازاميموار، يوسف انعايري، إن هذا "اختيار رمزي بالدرجة الأولى. ففي الليل، تتحول المدينة إلى فضاء أهدأ، وتظهر تفاصيلها المعمارية ظهوراً مختلفاً، ما يمنح البيضاويين فرصة لاكتشاف مدينتهم خارج إيقاعها الاقتصادي السريع، ومن زاوية جديدة وفي أجواء مميزة تجعل من زيارة المواقع تجربة ثقافية وجمالية في الآن ذاته".
يقوم نجاح ليالي تراث الدارالبيضاء أساساً على انخراط مئات المتطوعين الذين يلعبون دور السفراء ويتبرعون بوقتهم لأخذ الزوار في الجولات.
يقول انعايري لـ"العربي الجديد": "نعتبرهم سفراء لذاكرة المدينة. الشباب الذين يشاركون لا يفعلون ذلك فقط بدافع التطوع، بل بدافع الانتماء والرغبة في فهم مدينتهم والمساهمة في نشر هذا الوعي. هذه التجربة تمنحهم تكويناً عملياً في التأطير والتواصل، وفي المقابل يمنحون الحدث طاقة وحيوية استثنائية".
لا ترتبط مدينة الدار البيضاء في المخيال العام بفكرة "التراث" كما هو الحال في مدن عتيقة أخرى، إذ هي عاصمة المغرب الاقتصادية، حيث المصانع والشركات الكبرى للمملكة، لكنها شُيدت على أنقاض مدينة عريقة تعود إلى ما قبل التاريخ اسمها أنفا، لها امتدادات تعود إلى آلاف السنين.
View this post on Instagram
A post shared by Archi.Vibes (@archivibes___)
(المعمار في الدار البيضاء)
ونالت شهرتها باسم كازابلانكا (الدار البيضاء بالإسبانية) في سنة 1781، بعد أن استقرت بها مستعمرات إسبانية وتوافد عليها التجار الأوروبيون. كل هذا قبل بداية القرن العشرين، عندما بُني ميناء الدار البيضاء، الذي لعب بعد ذلك دوراً حاسماً في جعل المدينة عاصمة صناعية واقتصادية للمغرب.
تزخر الدار البيضاء بموروث ثقافي ومعماري يميزها عن باقي المدن، يتجلى في منشآتها ذات الفنون المعمارية المتنوعة التي صنّفتها منظمة يونسكو سنة 2013 موروثاً حضارياً عالمياً. يعلّق انعايري: "الدار البيضاء تتوفر على تراث معماري فريد يعكس تحولات القرن العشرين وتاريخها الاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى رمزية معمارية تحكي مراحل مختلفة من تطور المدينة. ليالي تراث الدار البيضاء تساهم في جعل الناس ترى ما كانوا يمرّون بجانبه يومياً من دون انتباه، وتعيد تعريف التراث باعتباره ذاكرة حية ومسؤولية مشتركة، وليس مجرد ماضٍ منتهٍ".
انعايري يؤكد أن الدورة السادسة من ليالي تراث الدار البيضاء تمثل استمراراً لموعد ثقافي سنوي يهدف إلى إعادة ربط ساكنة الدار البيضاء بذاكرتها المعمارية والحضرية. يشدّد على أن "هذه المبادرة انطلقت من قناعة أساسية، مفادها أن التراث ليس مجرد مآثر، بل هو جزء من الهوية اليومية للمدينة وسكانها، وذاكرة حية تعكس تحولات المجتمع وتاريخه".
