أعد التقرير لـ”يمن ديلي نيوز” سهيل الشارحي : على مدى قرابة 40 عامًا، ظلّ علي خامنئي متمسكًا بمفاصل السلطة في إيران بوصفه المرشد الأعلى وصاحب الكلمة الفصل في القضايا السياسية والعسكرية والأمنية في إيران، وكأحد أبرز صانعي المشهد في الشرق الأوسط من اليمن إلى سوريا والعراق ولبنان وصولاً إلى دول الخليج.
فمع الساعات الأولى من مارس/آذار 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية مسيرة هذا الرجل، وذلك بمقتله في عملية عسكرية استخباراتية مشتركة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، السبت 28 فبراير/شباط، في تطور استثنائي يضع إيران والمنطقة أمام مرحلة جديدة ومفتوحة على احتمالات واسعة.
لم يقتصر تأثير خامنئي على الداخل الإيراني، إذ ارتبط اسمه بملفات الصراع في الشرق الأوسط، وبصعود نفوذ الحرس الثوري كقوة عسكرية واقتصادية موازية، بينما شهدت البلاد خلال عهده أزمات اقتصادية متفاقمة وعزلة إقليمية متصاعدة.
في هذا التقرير، يسلّط “يمن ديلي نيوز” الضوء على مسيرته، منذ البداية، وكيف وصل إلى الحكم، ومرحلته التعليمية، وثروته المالية، وتدخلاته في المنطقة، وصولاً إلى هذا اليوم الذي وضعت فيه أمريكا وإسرائيل نهاية لهذا الرجل، وبداية مرحلة جديدة لاتزال معالمها غامضة.
النشأة والتكوين العلمي
ولد علي خامنئي في 19 أبريل/نيسان 1939 بمدينة مشهد، الموافق 28 صفر 1358هـ، وكان ثاني أبناء أسرته. وينحدر من عائلة دينية معروفة، إذ كان والده جواد خامنئي من علماء المدينة البارزين.
تعود أصول الأسرة إلى أذربيجان الإيرانية، حيث هاجر والده من تبريز إلى مشهد، فيما كان جده حسين خامنئي من علماء آذربيجان المقيمين في النجف، قبل أن تستقر العائلة في إيران.
بدأ خامنئي تعلم القرآن في سن الرابعة في الكتّاب برفقة شقيقه الأكبر، ثم واصل دراسته الابتدائية في مدرسة دار التعليم الديني، قبل أن يلتحق بمدرستي “سليمان خان” و”نواب” في مشهد.
تلقى علوم اللغة العربية والمنطق والفقه والأصول والفلسفة على أيدي عدد من علماء مشهد، من بينهم هاشم قزويني وجواد آقا طهراني وأحمد مدرس يزدي، قبل أن ينتقل إلى مرحلة الدروس العليا.
وفي عام 1958 انتقل إلى قم لمواصلة دراسته في الحوزة العلمية، حيث حضر دروس كبار علماء الشيعة، من بينهم حسين البروجردي وروح الله الخميني، قبل أن يقطع دراسته عام 1964 للعودة إلى مشهد لرعاية والده المريض.
النشاط السياسي
مع تصاعد حركة المعارضة ضد نظام الشاه عام 1962، انخرط خامنئي في النشاطات المناوئة للنظام أثناء وجوده في قم، ليصبح أحد الوجوه الدينية الشابة المشاركة في الحراك السياسي آنذاك.
تعرض للاعتقال ست مرات بين عامي 1962 و1975 بسبب نشاطاته المعارضة، كما نفي في مارس/آذار 1978 إلى مدينة إيرانشهر لثلاثة أعوام، قبل أن يُفرج عنه ويعود إلى مشهد لمواصلة نشاطه.
وتشير روايات تلك المرحلة إلى أن جهاز السافاك اعتقله عام 1970، ثم أعاد توقيفه عام 1971 بعد الاشتباه بارتباطه بتيارات معارضة مسلحة، في ظل تشديد أمني واسع ضد الحركات الإسلامية.
بعد الإفراج عنه، كثّف نشاطه العلمي والدعوي، وألقى دروسًا في التفسير والعقائد في مساجد “الإمام الحسن” و”كرامت” ومدرسة “ميرزا جعفر” في مشهد بين عامي 1971 و1974، ما جعلها مراكز جذب للشباب وطلاب العلوم الدينية.
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وعودة روح الله الخميني من باريس، أصبح علي خامنئي عضوًا في مجلس شورى الثورة الإسلامية في 12 يناير 1979، وشارك في معالجة الأزمات وتقديم الاستشارات للقائد الأعلى للنظام الجديد، كما تولى مناصب رفيعة مثل معاون شؤون الثورة في وزارة الدفاع وقيادة حرس الثورة في 1979.
انتُخب خامنئي إمامًا لصلاة الجمعة في طهران عام 1980 وعُين ممثلاً للخميني في مجلس الدفاع الأعلى 1980، حيث شارك في توجيه القوات خلال الحرب العراقية الإيرانية وتعزيز معنويات المقاتلين، قبل أن يُرشح لرئاسة الجمهورية بعد اغتيال رجائي وباهنر، ويُنتخب في 1981، ثم أُعيد انتخابه للفترة من 1985 إلى 1989، قاد خلالها البلاد في مرحلة حرجة شملت الحرب والاغتيالات والأزمات الاقتصادية.
تواصلت مسيرته عبر رئاسة المجلس الأعلى للثورة الثقافية 1981، ومجمع تشخيص مصلحة النظام 1987، وشورى إعادة النظر في الدستور 1989، وصولًا إلى قيادة الثورة الإسلامية عقب وفاة الخميني عام 1989، مؤكدًا دوره في توجيه السياسات الداخلية والخارجية للنظام الإيراني على مدى العقود التالية.
احتجاجات خلال زعامته
شهدت إيران تحت قيادة علي خامنئي موجة متكررة من الاحتجاجات منذ توليه منصب المرشد الأعلى، شملت احتجاجات قزوين عام 1994 التي أودت بحياة نحو 40 شخصًا وأصابت أكثر من 400، واحتجاجات الطلاب في 1999، بالإضافة إلى الاحتجاجات الكبرى بعد الانتخابات الرئاسية في 2009، حيث مزق بعض المتظاهرين صور خامنئي ورفعوا هتافات مناهضة له، تلتها احتجاجات سنوات 2011 و2012 و2017 و2018، مع ملاحقة صحفيين ومدونين بتهم إهانة المرشد أو ازدراء الدين.
خلال احتجاجات 2016 و2018 و2019، شدد خامنئي على ضرورة مواجهة من وصفهم بـ”مثيري الفوضى” وحماية الأمن الاقتصادي، وشملت الإجراءات الأمنية أحكام سجن وجلداً، بينما توفي بعض المحتجين في السجون، ولاحقًا شهدت احتجاجات متعلقة برحلة الخطوط الجوية الأوكرانية 752 مطالبات من المحتجين برحيله، ما أظهر استمرار الاستهداف الشعبي لمركز السلطة الأعلى.
وفي موجة الاحتجاجات الأخيرة بين ديسمبر 2025 و2026 نتيجة الانهيار الاقتصادي وارتفاع التضخم، تبنى خامنئي خطابًا مزدوجًا، اعترف ببعض المطالب الاقتصادية كمشروعة، لكنه فصل بين هذه المطالب و”مثيري الشغب والمرتزقة”، محملاً القوى الأجنبية مسؤولية الأزمة، ومؤكدًا على ضرورة قمع المحتجين، وتسبت الإجراءات الأمنية إلى سقوط آلاف القتلى وقطع الاتصال بالإنترنت والهواتف، فيما أصبح خامنئي محور غضب شعبي واسع، وهتف المتظاهرون في عدة مدن شعارات مناهضة له مثل “الموت للطاغية” و”الموت لخامنئي”.
خامنئي مرشد
ويقود خامنئي (86 عامًا) إيران منذ 4 يونيو/حزيران 1989، عقب وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله علي الخميني، ليصبح صاحب الكلمة الفصل في مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والدينية.
وبعد الثورة الإسلامية عام 1979، تدرّج خامنئي في مناصب دينية وسياسية بارزة، قبل انتخابه رئيساً للجمهورية عام 1981 عقب اغتيال الرئيس محمد علي رجائي.
وعقب وفاة الخميني، اختاره مجلس خبراء القيادة مرشدًا أعلى بدعم من الرئيس الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني، رغم ما تردد عن تحفظه الأولي على تولي المنصب.
ومنذ توليه المنصب، لم يقم خامنئي بأي زيارة خارجية، باستثناء رحلة إلى كوريا الشمالية عام 1989 عندما كان رئيساً للجمهورية، ما يعكس طبيعة دوره الداخلي وتركيزه على إدارة السلطة من طهران.
وتعرض خامنئي لمحاولة اغتيال عام 1981 أدت إلى إصابة دائمة في يده اليمنى، ونسبت السلطات المسؤولية آنذاك إلى منظمة مجاهدي خلق، التي تحولت لاحقاً إلى جماعة معارضة محظورة.
وخلال مواجهة عسكرية سابقة مع إسرائيل، قلّص خامنئي ظهوره العلني وسط تقارير عن اختراقات أمنية أسفرت عن مقتل مسؤولين بارزين، ما عزز التساؤلات بشأن فعالية المنظومة الأمنية التي يشرف عليها.
نفوذه العسكري
يمتد نفوذ خامنئي إلى السلطات العسكرية والأمنية حيث يشرف بشكل مباشر على الحرس الثوري الإيراني، و“فيلق القدس”، الذي تولّى قيادته لسنوات قاسم سليماني حتى مقتله بضربة أميركية عام 2020، ويُتهم بلعب دور محوري في إدارة شبكة تحالفات إقليمية لطهران.
والحرس الثوري الإيراني، هو جهاز عسكري – أمني توسّع نفوذه بشكل غير مسبوق خلال عهده، ليصبح دولة داخل الدولة، يتحكم بالاقتصاد والسياسة والأمن، ويُتهم بلعب أدوار مزعزعة للاستقرار خارج الحدود.
ويُعد الحرس الثوري الأداة الأبرز في تنفيذ أجندة خامنئي الإقليمية، حيث عزز حضوره في عدة دول عربية عبر دعم جماعات مسلحة، في إطار ما تسميه طهران “محور المقاومة”، بينما يصفه منتقدون بأنه مشروع توسع نفوذ على حساب سيادة الدول.
ضمن هذا الإطار، يبرز فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري، والذي تولى قيادته سابقًا قاسم سليماني قبل مقتله عام 2020.
ويتهم خصوم إيران هذا الفيلق بإدارة شبكات دعم عسكري ولوجستي لجماعات مسلحة في المنطقة، بما عمّق النزاعات المسلحة.
وفي اليمن، تتهم الحكومة المعترف بها دوليًا إيران بتقديم دعم مباشر وغير مباشر لجماعة الحوثي، عبر نقل خبرات تقنية في مجال الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تهريب أسلحة، وهو ما تعتبره أطراف يمنية تدخلاً صريحًا في الشأن الداخلي.
وتتهم الولايات المتحدة الحرس الثوري بدعم جماعات مسلحة في المنطقة، وأدرجته على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية عام 2019، معتبرة أن أنشطته تهدد أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
ثروة خامنئي
في الوقت الذي تعيش فيه إيران وضعاً بائساً والفقر بنحو 60 في المائة نشرت الولايات المتحدة الأمريكية تقارير في 2019 بأن حجم ثروة المرشد الأعلى بالبلاد، علي خامنئي، تقدر بـ200 مليار دولار.وقالت السفارة الأمريكية في العراق “يستشري الفساد في جميع مفاصل النظام الإيراني، بدءاً من القمة.
فممتلكات مرشد النظام علي خامنئي وحده تقدر بـ 200 مليار دولار، بينما يرزح كثير من ابناء الشعب تحت وطأة الفقر بسبب الوضع الاقتصادي المزري الذي وصلت اليه إيران بعد أربعين عاما من حكم المرشد.
ظهرت المقالة خامنئي.. نهاية “دكتاتور” قاد إيران إلى الهاوية وحول الشرق الأوسط إلى جحيم أولاً على يمن ديلي نيوز Yemen Daily News.
أخبار ذات صلة.