يمن مونيتور/ وحدة الرصد/ خاص:
تقف العاصمة السويسرية جنيف على فوهة بركان جيوسياسي؛ فبينما يترقب العالم ما ستسفر عنه طاولة المفاوضات التي تجمع المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تتحرك في الكواليس حاملات الطائرات وتتأهب المقاتلات الأمريكية في مياه الشرق الأوسط.
هذا المشهد المتناقض يطرح التساؤل الجوهري: هل نحن أمام “صفقة القرن” بنسخة إيرانية، أم أن طبول الحرب هي السردية الحقيقية لما يجري التحضير له خلف الأبواب المغلقة؟
بعيداً عن البيانات الرسمية المنمقة، تتقاطع المصالح والمخاوف في “كمين جيوسياسي” معقد. إليكم خمس حقائق تعيد رسم فهمنا للمواجهة الوشيكة بناءً على ما يتدفق من أروقة صنع القرار، بناء على الحوار الذي نظمته “مجموعة الأزمات الدولية” (International Crisis Group) تابعه “يمن مونيتور”.
- وهم “الاتفاق الوشيك”: لماذا سقطت التفاهمات في فخ السياسة الداخلية؟
لطالما سادت نبرة متفائلة عقب جولات التفاوض السابقة، لكن نيت سوانسون، المسؤول السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي يكشف أن الواقع كان مغايراً تماماً؛ فالمفاوضات لم تكن سوى “قشرة سطحية” (Atmospheric) تفتقر للجوهر الفني.
لم يكن تراجع الموقف الأمريكي من قبول تخصيب بنسبة 20% وصولاً إلى “صفر تخصيب” نتاجاً لتقديرات تقنية، بل كان نتيجة “انتفاضة داخل القاعدة الشعبية لترامب”. هذا الضغط الداخلي جعل ترامب يغير بوصلته بشكل مفاجئ، مما أربك المفاوض الإيراني.
يؤكد سوانسون أن الطرفين لم يقتربا يوماً من صياغة مسودة حقيقية، مشيراً إلى أن الجانبين كانا “يتحدثان لغتين مختلفتين تماماً”. ويقول في هذا الصدد: “الجواب هو لا؛ لم نكن أبداً قريبين من التوصل إلى اتفاق، رغم ما قاله الجانبان الأمريكي والإيراني.”
وأوضح سوانسون أن الجولات الخمس السابقة لم تكن قريبة من تحقيق اتفاق كما يُشاع، بل كانت مجرد محاولات لفهم المواقف، ولم تكن واشنطن أو طهران تمتلكان أهدافاً واضحة حينها.
- منطق البقاء: عندما يكون الصمود “نصراً” في عيون طهران
هناك فجوة هائلة في كيفية تقييم نتائج الصراع العسكري. يشير علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إلى دروس “حرب الـ 12 يوماً” (التي شملت عمليتي “الأسد الثائر” و”المطرقة المنتصف ليلية”).
ترى طهران أنها “انتصرت” في تلك المواجهة لسبب بسيط: واشنطن وتل أبيب هما من طلبتا وقف إطلاق النار، وليس طهران. بالنسبة للنظام، مجرد البقاء وعدم السقوط هو النصر بعينه، بغض النظر عن حجم الدمار في المنشآت.
وحاول النظام استغلال “القومية المتصاعدة” بعد الحرب لتجاوز أزماته، لكنه فشل في تحقيق “مصالحة وطنية” حقيقية، مما أدى إلى بركان الاحتجاجات الدامية التي شهدتها إيران مؤخراً، والتي يراها النظام الآن دافعاً إضافياً للهروب نحو مواجهة خارجية.
- معضلة ترامب: رهان “الخروج السريع” والبحث عن هالة الحصانة
يتحرك الرئيس ترامب بناءً على قناعة راسخة بأن “هراوته الغليظة” هي الممهد الوحيد للصفقات، معتمداً على سلسلة من النجاحات التي أثبتت خطأ منتقديه في الماضي.
ويرى ترامب أن تحذيرات الخبراء من الفوضى مبالغ فيها؛ فقد نقل السفارة للقدس، واغتال سليماني، وأسقط نظام مادورو دون أن يغرق في “حروب أبدية”. لذا، هو يؤمن بقدرته على توجيه ضربات جراحية والخروج سريعاً.
يكمن التحدي في أن إيران ليست فنزويلا؛ فالمواجهة معها قد تتحول إلى “مستنقع عسكري” لا يملك الشعب الأمريكي الصبر على تحمل تبعاته، خاصة وأن ترامب بنى عقيدته على “الخروج من الحروب” لا الانخراط في صراعات مفتوحة.
- من “الحالة القاتلة” إلى “الانتحارية”: لغة الدم كخيار أخير
الحقيقة الأكثر إثارة للقلق هي تحول العقلية الأمنية الإيرانية نتيجة الشعور بالدوار والحصار الخانق. يطرح علي فايز رؤية قاتمة لهذا التحول الاستراتيجي: إراقة الدماء كرسالة، حيث تعلمت طهران من تجربة انسحاب ترامب أمام الحوثيين بعد تكبيد واشنطن مليار دولار، ومن ذكرى ريغان في بيروت، أن “اللغة الوحيدة” التي يفهمها ترامب هي إراقة دماء جنوده.
تسعى طهران لكسر هالة الحصانة والغرور التي يحيط ترامب نفسه بها عبر استهداف نقاط الألم البشرية للقوات الأمريكية. ويصف فايز هذا الوضع قائلاً: “هذا النظام لم يعد مجرد نظام يقتل شعبه؛ بل لأنه محاصر وخياراته تضيق، فإنه يتحول بشكل متزايد إلى نظام انتحاري.”
- “الفجوة” الإسرائيلية-الأمريكية: الصواريخ الباليستية كحجر عثرة
بينما قد يكتفي ترامب بـ “انتصار شكلي” أو صفقة سريعة تمنحه لقباً تاريخياً، تبرز ميراف زونشاين “الفجوة” العميقة بين طموحات واشنطن ومخاوف تل أبيب.
كشفت المواجهات الأخيرة أن الصواريخ الباليستية هي “نقطة الضعف” التي لا يمكن لإسرائيل التعايش معها. لذا، تصر تل أبيب على “نموذج ليبيا” (تفكيك كامل للبنية التحتية)، وهو سقف تعجيزي قد لا يلتزم به ترامب.
تظل إسرائيل متمسكة بـالقواعد الثلاث: “لا نووي، لا صواريخ، لا وكلاء”، ولن تتراجع عن هذا الملف حتى لو وافق ترامب على صفقة نووية ضيقة، مما يعني أن خطر العمل العسكري الإسرائيلي المنفرد سيظل قائماً كظلال فوق أي اتفاق.
“عتبة الألم” والتباين الصارخ في الأثمان البشرية
إن ما يحدد مسار الانفجار القادم هو “عتبة الألم” المتباينة جذرياً بين الخصمين. وهنا تكمن المفارقة الجيوسياسية الصادمة: ففي حين يستطيع النظام الإيراني تصوير مقتل 1000 إيراني كقربان ضروري لـ “نصر أيديولوجي” يضمن بقاءه، لا يمكن لترامب سياسياً أن يتحمل وصول توابيت 1000 جندي أمريكي إلى القواعد العسكرية، وهو ما قد يدمر رصيده السياسي تماماً.
يبقى السؤال الفلسفي المعلق فوق سماء جنيف: “هل يمكن لفن الصفقة الذي يفتخر به ترامب أن يحتوي نظاماً يرى في الانتحار العسكري والصدام الدموي الوسيلة الوحيدة والوحيدة لضمان بقائه؟” الإجابة قد لا تأتي بالحبر، بل بلهيب الصواريخ.
The post صفقة أم حرب؟ 5 حقائق صادمة خلف الكواليس حول المواجهة الأمريكية القادمة مع إيران appeared first on يمن مونيتور.